صفحات من سيرة ذاتية- نصراوي من حارة العين| د. هاني صباغ

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

صديقي عيسى..ودموع أمي..والطريق إلى حيفا

  • أنا وصديقي عيسى والأغاني النصراوية

عملت في الدكان فترة، إلا أن الأحوال الاقتصادية والسياسية ما لبثت أن أخذت تزداد سوءًا في الدولة العلية.            

 كنت كل يوم تقريبًا ألتقي بعد العمل بصديق عزيز عليَّ اسمه عيسى الزريني بالقرب من عين العذراء، نتحدث أو نمشي خلف كنيستنا أو نجلس في فرنه الذي ورثه هو الآخر عن أبيه. كنا نجلس على قبة الفرن وهي سطح بيت النار الدافئ نتقي برد أشهر الشتاء القارس. كان عيسى ذا صوت جميل يتقن العزف على عوده الشامي الصنع، فيغني لنا ما اشتهر من أصوات عبد الحي حلمي المغني المصري المشهور أدوارًا شاعت في أنحاء البلاد السورية، أذكر منها قدّك المياس ويا حلو يا مسليني ويا حنينة، وكنت فين يا حلو غايب التي شاعت بين أهل الناصرة والتي كنت أرددها دائمًا

 كنت فين يا حلو غايب          عن عيوني من زمان

وكويت قلبي بنارك                مذ رأيتك في المنام

الهوى أضنى فؤادي              وبرى جسمي السقام

يا ترى أبلغ مرادي                   وأرى بدر التمام

علمتني شفتاه                     رشف كاسات المدام

خلفتني وجنتاه                      هائما أشكو الغرام

**

كثيرًا ما كنا نتحدث عن سوء الأحوال السياسية والاقتصادية وصعوبة العيش وعما تأتي به الأخبار من يسر المعيشة في العالم الجديد، وعن أناس من البلد هاجروا وتحسنت أحوالهم المادية، وبدأوا بمساعدة أهليهم، فقررنا السفر إلى أمريكا لعلنا نستطيع أن نجد حياة أفضل.

     **                                            

  • واستحلفتني أمي بالله وبمحبتها وبدموع عينيها..ألا أسافر!

 فكرت في الهجرة مليًّا واستشرت أختي وزوجها وقرّ رأيي على الهجرة مع صديقي عيسى.

- ما يكون لك فكر يا راجي، سنكون دومًا إلى جانب أمك وعمتك وأخيك نعتني بهم، ولا تنس أن الجيران سيتكفلون هم أيضا بأمك وعمتك مشكورين، وسيعملون دائمًا على حمايتهم ومساعدتهم. قال أبو الامين زوج أختي. أما أمي  فلا تسل عن دموعها عندما أخبرتها بقراري. رجتني وتوسلت إليّ العدول عن السفر واستحلفتني بالله وبمحبتها وبدموع عينيها. تفهمتُ حزنها وخوفها وجزعها... كان قراري نهائيًا.

 

*  قبلت يديها ورأسها ورسَمَت علامة الصليب على رأسي.

في صباح يوم ربيعي جميل، يوم الأحد الجديد السادس عشر شرقي من شهر نيسان بعد أحد الفصح حملت "بقجة" ملابس خفيفة وخرجت من بيتنا بعد أن ودعتهم جميعًا: أمي وأخي ابن السنوات الثلاث وأختي وزوجها وأولادهما وعمتي العانس حَبْسَة التي  اختارت أن تعيش معنا، بعد رجوعها من العمل مدرِّسة في مصر والسودان،  وسكنت مع أخيها يعقوب لأنه كان عطوفًا حنونًا يحبها ويعيلها ويعتني بشؤونها. احتضنتني أمي مرة أخرى ودموعها تنحدر كالسيل على وجنتيها لتنعقد عند ذقنها. قالت بصوت متهدج:

- ءِءْتِب لي يًمًّا. بَخَلّي جارنا الخواجة أسعد العودة يءرالي ويءتبلي المءتيب.

- حاضر يما، غالية والطلب رخيص.

  قبلت يديها ورأسها ورسَمَت علامة الصليب على رأسي.

- المسيح يحميء في غربتء يما. ارجع لي يما، ارجع لبلدء ءُل أحبابء هون.      

* كانت زينة تكفكف دموعها براحتَيها

انطلقت من البوابة خارجًا. تركتهم بغصة في الحلق ودمعة في العين ورفَّة في القلب. خرجت من خوخة البوابة أحمل بقجة أشيائي مسرعًا إلى الشارع الترابي خوفًا من أن تستولي عليَّ مشاعري فأعدل عن السفر. توجهت يمينًا إلى العين حيث كانت العربة وعيسى وبقية الركاب ينتظرونني. كان العربجي مشغولًا بتلميع أزرار شادر العربة النحاسية بالليمون. صبّحت عليهم، ركبت وانطلقت بنا العربة مارّة من أمام بيتنا. كانت البوابة مفتوحة  وداخلها جمع متجمهر، أختي وزوجها وأولادهما، وفي مقدمتهم أمي تحمل أخي الطفل ابن السنوات الثلاث وجيراننا وفي مقدمتهم زينة، كانت تكفكف دموعها براحتَيها. رفعت يدي مودعًا الجمع. أحسست بقلبي يقفز بين جوانحي. لن يغيب ذلك المشهد عن مخيلتي: أمي،  الوجه الناصع البياض والبسمة الممزوجة بالدمعة التي ما ارتسمت على شفتيها إلا لي. شوّحت لي بيدها مودعة. كنت شديد بياض البشرة مثلها وكان أخي أسمر البشرة كوالدنا. هل كان هذا سر تعلقي الشديد بها يا ترى!            

صاحت: ارجع عبلدنا يما، اوعدني ترجع، بَسْتَنّاء يا حبيبي. العدرا تحميء وين ما ءُنت يما ونِدرِن عليّ أضويلء شمعة ءُل حد في ءنيستها.

لم استطع النطق توقفت الكلمات في حلقي فهززت رأسي مُطَمْئِنًا ومؤكدًا الرجوع.

**

  •  أبو العسل  يحمل على جانبه غدّارة خشية قطاع الطرق

كانت العربة كبيرة ذات مقاعد ثلاثة واسعة  تتسع لتسعة أشخاص عجلاتها أربع كبيرة تجرها ثلاثة جياد كبيرة قوية بيضاء جميلة محجلة، ذات ستة أعمدة خشبية ثخينة مثبّتة على زواياها الأربع وفي وسط جانبيها.  وعلى أعلاها وجوانبها الأربعة نصب شادر قوي فيه فتحات مربعة من كل الجوانب كالشبابيك يمكن إقفالها وفتحها حسب اللزوم بأغطية تُرفع او تُنزل وتثبت بأزرار معدنية لماعة لترد الشمس أو الريح والمطر. كانت المقاعد وثيرة مريحة ونظيفة. تمتعت بالركوب. لم أركب عربة من قبل.

**

انطلقت العربة بنا مجتازة مقبرة المسلمين عن  يميننا غربًا ثم أبنية عائلة الفاهوم وبعدها عائلة الضاهر على الجانبين وابتدأت بالنزول ببطء وعلى مهل مارّة بين بناية تيراسانطة، فكنيسة اللاتين ودار الضيافة "الكازانوفا"، ثم خان الباشا فالمبنى العسكري العثماني شرقًا ونجمة الصبح غربًا. وما إن وصلنا إلى الطريق المستوية حتى حث العربجي الشاب جياده على المسير بسرعة، فمرت العربة بنا من أمام الأوتيل الألماني، وما إن وصلت إلى بيت أبو العسل مقابل البيادر، حتى أوقف العربجي الشاب إسكندر أبو العسل عربته وقفز من مقعده. كان يحمل على جانبه غدّارة خشية قطاع الطرق. اتجه إلى بيته بسرعة. انتظرته أمه على البوابة بزوادة فيها طعام ذلك اليوم، فأخذها وقبّل يدها ودعت له بالتوفيق والسلامة.

** ست ساعات من الناصرة إلى ساحة الحناطير في حيفا

انطلقت العربة بنا متوجهة إلى حيفا مرورًا ببير الأمير وبيافة الناصرة فالمجيدل فمعلول حتى وصلت مكانًا على رأس تلة يسمى العبهرية نسبة إلى شجيرة العبهر البرية ذات الرائحة العطرة، وكانت تملأ برّية ذلك المكان.          

 كان الوقت ظهرًا، اوقف اسكندر عربته وأعلن عن استراحة لنا وللخيول. نزل الجميع من العربة بعد ست ساعات من السفر المتعب. تناول عيسى بقجته وأخرج منها بعضًا من مناقيش الزعتر التي صنعها هو وخبزها في فرنه. أعطاني واحدة أخذتها شاكرًا. كانت مناقيشه لذيذة مصنوعة بزيت الزيتون الأخضر ذي الرائحة الزكية والصعتر البرّي اللذيذ الطعم من جبل سيخ والممزوج بالدُّقَّة النصراوية، وهي عبارة عن قمح وحمص مقليين ومدقوقين يخلطان بالملح والسمسم المقلي والسماق. 

  • لا أرض تشبه وطني سحرًا وجمالًا وتحبني وأحبها كناصرتي

عند الغروب وبعد ست ساعات أخر وصلنا حيفا. دخلت بنا العربة حيفا من طريق الناصرة إلى ساحة الحناطير حيث نزل كل الركاب ما عدا اثنين، أنا وعيسى. كانت ساحة الحناطير تزخر بالناس  من أهل حيفا والمسافرين القادمين من بلاد الله الواسعة والمغادرين إليها.

 قال عيسى:

- تعمل معروف يا اسكندر ممكن توصلنا  للمينا؟         

- على راسي، المينا أريب كتير.                       

وصلنا الميناء في وقت قصير. أخذنا حوائجنا شكرنا اسكندر ونقدناه أجرته فأخذها شاكرًا وأسرع بالعودة بعربته علّه يجد بعض الناس المسافرين إلى الناصرة فيتعاقد معهم ليوم غد.

كانت الساعة الحادية عشرة مساءً حسب "التوقيت العربي" المستعمل تلك الأيام، والذي يبدأ فيه النهار عند الشروق في الساعة الواحدة، وينتهي في الساعة الثانية عشرة عند الغروب. كان النهار يلفظ أنفاسه الأخيرة وقد مالت شمس الأصيل للمغيب. يا له من مشهد خلاب. كان قرص الشمس الأحمر غاطسًا نصفه في البحر الأزرق اللازوردي الهادئ كالزيت في إناء. صوب البحر مشينا. شعرت برهبة. كم كانت دهشتي لما رأيته أول مرة وأدركت عظمته وجبروته. كان هادئًا، منبسطًا وواسعًا كمرج ابن عامر.  لم أكن أحسن السباحة كمعظم سكان المناطق الداخلية البعيدة عن الشواطئ بما في ذلك الناصرة. سأل عيسى :

_ما رأيك في أن نفترش هذا الرمل الناعم لنقضي ليلتنا ومتى أصبح الصبح نرى ماذا يمكن عمله؟

وضعت بقجتي على الرمل، انبطحت ووضعت رأسي عليها. لم تذق عيناي للنوم طعمًا. استلقيت على الأرض أتقلب على الرمل الأبيض الناعم أفكر بأمي بوجهها الباكي وبكلماتها أتامل زرقة السماء ونجومها البراقة. هل يا ترى سنصل إلى أرض طيبة كأرضنا. تساءلت مرات ومرات وكان الجواب يأتي سريعًا أن لا أرض تشبه وطني سحرًا وجمالًا وتحبني وأحبها كناصرتي.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين