صورة بولنديّة للمؤسسة الإسرائيليّة في مرآة أخلاقية| هشام نفاع

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

عدت هذا الأسبوع إلى فيلم وثائقي تلفزيوني أنتجته شركة "كيشت"، تناول العلاقات بين إسرائيل وبولندا، وطرح عددًا من الأسئلة التي تطال التاريخ والسياسة والقانون. جاء الفيلم، كما أعلن صانعوه، في ظل تشريع قانون بولندي يُجرّم أي شخص يتهم علانيةً الأمة البولندية أو الدولة البولندية بأنها مسؤولة أو مشاركة في الجرائم النازية التي ارتكبت من قبل الرايخ الثالث الألماني، ويفرض عليه إما غرامة مالية أو عقوبة بالسجن تصل لمدة ثلاث سنوات.

الحكومة البولندية زعمت في حينه، قبل نحو 3 سنوات، أن الهدف من القانون هو حماية الأمة البولندية والدولة من أية مسؤولة جنائية عن الفظائع التي ارتكبت في المعسكرات (كما ذكر موقع: بي. بي. سي). فبولندا رفضت دائمًا استخدام عبارات مثل "معسكرات الموت البولندية"، لأنها تشير بطريقة ما إلى أن الدولة مشاركة في المسؤولية عن هذه المعسكرات، مثل معسكر "أوشفيتز"، بينما أقيمت هذه المعسكرات النازية وأديرت من قبل ألمانيا النازية بعدما اجتاحت بولندا في عام 1939.

أثار هذا القانون، كالمتوقع، ردودًا شديدة اللهجة في إسرائيل، فوصفه رئيس الحكومة السابق بنيامين نتنياهو، بأنه "محاولة لإعادة كتابة التاريخ وإنكار الهولوكوست". أما رئيس الحكومة الحالي ووزير التعليم في حينه نفتالي بنيت فقد قال إن "الحكومة البولندية ألغت زيارتي لأني تحدثت عن الجرائم التي ارتكبت من قبل مواطنيهم، وأنا فخور بما قلته".

سؤال الفيلم المذكور عن حاجة "أمّة إلى قانون كي تعرّف ما هو مسموح وما هو محظور قوله عن ماضيها"، يسري بسلاسة ودونما كثير عناء على إسرائيل الرسمية.

ومن دون أيّ دخول في مسألة مماثـَلة الهولوكوست مع النكبة الفلسطينيّة، لأن هذا ببساطة غير صحيح، ولا حاجة لخلط سياقات تاريخية مختلفة، فإن صدى هذا السؤال يتردّد على نحو حرفي وعلى نحو تأويلي حين نتمعّن في شكل التعامل الإسرائيلي الرسمي مع التاريخ. من اللائق أن يتذكّروا هنا، في مؤسسة "الدولة اليهودية الديمقراطية"، وجود قانون مشابه جدًا للقانون البولندي المذكور. ليس هذا فحسْب، بل إن القانون الإسرائيلي سبق ذاك البولندي بعدة سنوات.

إنه "قانون النكبة" الذي صادق عليه الكنيست في آذار 2011، وهو يخوّل وزير المالية بتقليص التمويل الحكومي أو الدعم للمؤسسة التي تقوم بنشاط يعارض تعريف دولة اسرائيل كدولة "يهودية وديمقراطية" أو يحيي يوم استقلال الدولة أو يوم تأسيس الدولة على أنه يوم حزن وحداد. وقد كان علّق مركز "عدالة" القانوني عليه كالتالي: يدرج الفلسطينيون على إحياء يوم استقلال إسرائيل الرسميّ على أنه الذكرى الوطنية للحداد وينظمون نشاطات تذكارية مختلفة. ويمس القانون حق الفلسطينيين ويقيد حريتهم بالتعبير عن ارائهم وسيسبّب ضررًا كبيرًا لمؤسسات ثقافية وتربوية وسيرسّخ التمييز اللاحق بالمواطنين العرب. كما سيلحق القانون ضررًا كبيرًا بمبدأ المساواة وبحق المواطنين العرب بالحفاظ على تاريخهم وثقافتهم. فالقانون يحرم المواطنين العرب من حقهم في احياء ذكرى النكبة التي تعتبر جزءًا لا يتجزأ من تاريخهم.

هل قانون إسرائيل هذا يعطيها عمليًّا في هذه الحالة سلطة حصريّة فوقيّة لأن "تعرّف ما هو مسموح وما هو محظور قوله عن ماضيها"، الجواب: طبعًا. وهو يمنح صلاحيّات لملاحقة من يقول ما هو محظور، ويحدّد هوية صاحب الصلاحية، ويفصّل أشكال العقاب لمن لا يذعن. القانون البولندي يفرض حظرًا ويهدد بعقوبة بينما القانون الإسرائيلي يفرض حظرًا ويهدد بحجب تمويل، وهذا أيضًا عقوبة. في الحالتين هناك تقييد إلى جانبه عقاب على فعل المجاهرة بموقف يعتقده ويحمله مواطن ولا توافق عليه السلطة.

لذلك، فمن من حق الفلسطيني/ة أن يكرر سؤال الفيلم الوثائقي الإسرائيلي ويوجهه الى المؤسسة والمجتمع الإسرائيليين: "لماذا تحتاج أمّة إلى قانون كي تعرّف ما هو مسموح وما هو محظور قوله عن ماضيها؟". تتبادر الى الذهن أجوبة كثيرة، أحد الأجوبة المحتملة يمكن العثور عليه في آخر تقارير معهد "عكيفوت" الإسرائيلي الذي ينشط ضد فرض "السريّة" على وثائق ومعلومات أرشيفية حان وقت كشفها.

فحتى الآن تقوم لجنة وزراء بتقرير مصير ملفات ووثائق أرشيفية، انتهت مدة التكتّم عليها وفقًا للقانون. ويُبرّر هذا بأسباب تتعلق بالأمن القومي أو العلاقات الخارجية. ويقول تقرير المعهد أن المحجوب والمحظور كله "مواد أساسية لفهم تاريخ دولة إسرائيل، ولا سيما الأحداث والسياسات المهمة لفهم جذور وتطور الصراع الإسرائيلي الفلسطيني". ويؤكد بصريح العبارة أن تلك اللجنة الحكومية تعمل تحديدًا في منع الكشف عن المواد الأرشيفية المتعلقة بالنكبة.

"عكيفوت" يشدّد على أن جذور سياسة الإخفاء والسرية تكشف وتوضح أن ما يقف خلفها هي اعتبارات سياسية وشكلية، لا تستند على أسباب مادية ولا قانونية. هذه السرية المستمرة – يكتب المعهد في تقريره - لا تهدف إلى حماية مصالح الدولة خارجيًا، بل داخليًا: لحماية صورة الجيش والوقوف ضد الخطاب المستند إلى الوثائق حول أسس الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. هذا الإخفاء لا يصعّب على المؤرخين فحسب: بل يوجد له تأثير حقيقي على الخطاب الأكاديمي والعام والسياسي الإسرائيلي. إنه يهدف إلى الحفاظ على رواية رسميّة معقمة ومشوهة حول أسس الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وبالتالي يوجد له تأثير حقيقي وحاسم على أفق نهايته، يقول التقرير.

ينقص المؤسسة الإسرائيلية الكثير من القيم والمعايير الأخلاقية غير المزدوجة. هذه مسألة يطول الخوض فيها. لربما نتركّز في أداة بسيطة تحتاجها هذه المؤسسة: مرآة. لترى صورتها على حقيقتها فيها. قبل التبجّح على قومجيّة بولندا ضد اليهودي، فلتغلق فمها وتكفّ لسانها عن قومجيّتها الدموية ضد الفلسطيني.

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين