صورة عن أصالة الذّاكرة، شاعِرُ العَلَم عزّ الدّين مناصرة| رجاء بكريّة

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

 

"..ترى، هل نتذكّر لننسى، أم لنزداد يقينا أنّ الذّاكرة هي برجنا العاجيّ الحُر للسّباحة ضدّ تيّار التّقليد الأعمى في تسجيل الأرق؟"

لم أحزن على أديب كما حزنت على الأديب، شاعِرِ العَلَم والشّهادة عزّ الدّين مناصرة. أحد أنبل الأدباء الّذين عرفت فلسطينيّا وعربيّا، وآخر معاقل الثّورة الأربعة الّذين كتبوا في أبهى صُور النّضال الفلسطيني قاطبة. وأعتقد أنّ وزارة الثّقافة الفلسطينيّة ربّما لأوّل مرّة استدركت وكرّمتهُ بأبهى صورة قبل أن يترجّل، قبل سنة من الآن. من قال أنّ الموت ينتظرنا، حتّى نثق أنّ فلانا لن يرحل قبل نفهَم أثرهُ في تاريخنا؟ حزنتُ لدرجة البكاء. بكى قلبي على نبل نادر لا نعثر عليهِ في رجال الأدب إلّا فيما ندر. موسوعة متحرّكة ومتواضعة في نثر معرفتها. شفافة في احتواء حضور سواها رجلا كان أم امرأة.

لا أعرف تماما كيف يُعرّف أمثال هؤلاء المناضلين الكبار، لكنّني حتما أشعر كم نحتاج إلى طاقات من النّضج كي نستوعب غنى حضورهم واختلافهم، وكم زادتهم تجربة البندقيّة مقابل القلم وأغنتهم. سأسجّل هنا أنّ المرّة الأولى الّتي التقيتهُ فيها مع ثلّهُ من أساتذة الجامعة في عمّان كانت الأجمل، عام 1999حيث كان كلّ ما هو فلسطيني من الـ 48 طريّ ويثير الدّهشة والاستغراب. وكنت لا أزال في مطلع طريقي الكتابيّ بمنتوج روائي واحد هو "عُواء ذاكرة" في رحاب جامعة فيلادلفيا الّتي عمل معيدا فيها، وكنتُ مدعوّة إذّاك لتقديم شَهادة حول الرّواية بإنتاجي اليتيم ذاك، ضمن مؤتمر "الحداثة وما بعد الحداثة" كان لقاء لهفة واحتواء مؤثّر بأبوّتهِ النّادرة. وبدأ يتحدّث عن أيّ شيء حولنا بداية، كأنّ أيّ شيء يكفي كي يشمّ رائحة البلاد، كما نسمّيها نحن في البُعدِ والغياب فقدا أو حنينا. لكنّ بلادهُ كانت قد أفلتت يدهُ قبل عقود وظلّ هوَ بعدها يلوّحُ بيد فارغةً من الأسماء والهواء، معبّأ بالعُواء. لأجلها كفّن الشّهداء بكلّ الألوان، وخاض غمار نضال من نوع لا يفهمهُ إلّا من عايش أشكال المُقاوَمة في أمكنتِهِا وأزمِنتِها. نضال منح رحابة لروحهِ وامتلاء. لا أعرف كيف أفسّرُ حضورهُ بين الجموع المثقّفة ذلك اللّقاء البعيد، لكنّي أذكر جيّدا كيف يخترقُكَ سَهوا بخار غمامة كثيفة من الضّباب الرّمادي، تلفُّكَ من موقعكَ، وهي تتنفّس سنواتها البعيدة بحُرقةِ، حتّى أنّكَ لو جرُؤتَ على مدّ إصبَعِكِ سيذوب تحت سخونةِ نَفَسِها ذاك. لم تنطفىء سجائره لحظة في باحات المؤتمر. سيجارتِهِ الّتي تشتعل على مهل وتتجدّد بأسرع مماّ توقّعت، لكنّ الّذي لا أنساه كم تناكَت الحضور في أهل الخليل وضحك من قلبه. ولعلّ الجميل في العلاقات الّتي كان مركزها أنّها جعلتهُ بؤرة لاستقطاب الضيوف والأغراب. يبادر لكُلّ شيء برغم أنّكَ تشعر أنّه غائب عن كلّ شيء. لقائي الثّاني تكرّر عام 2004 يوم ذهبتُ في تغطية صحفيّة لذات المؤتمر عن إذاعة فلسطينيّة في الدّاخل. لقاء ليس أقلّ جمالا من سابقِهِ، ذات الابتسامة، والحضور لكنّ مهمّتي كانت تختلف، أرادت أن تكتشف وجوها وتقدّمها عبر أثير إذاعتِنا الفتيّة، مع حضور كوكبة من الباحثين العرب كنت أراهم للمرّة الأولى حينذاك. لفرط حالة الإرباك الّتي كنت عليها لازدحام التّقارير والشّخوص لم أنتبه مثلا لتقديمهِ عبر حوار جانبيّ مثلا، كأنّي اعتبرتُهُ معروفا بما يكفي ولا يحتاج إليّ. هل أندم الآن، وأحاسب نفسي، أم أنّها بالعادة حالات الفقد الحارقة تضربنا بنوبات تكبيت ساحق للضّمير وللا سبب؟ كأنّنا تخلّينا عن مهمّتنا الأخيرة المُلزِمة معهم، أولئك الّذين مهّدوا لنا الكرامة. نتّهم أنفسنا برحيل كان يمكن أن يكون أجمل لو أنّنا أبقينا على أثر في كشكولاتنا يقول أنّنا كنّا شركاء عابرين في عشاء حياتهم الأخير.

ويحدث دائما أنّنا ننكفئ على استنتاجاتنا السّوداء حتّى نعثر على صورة التقطها الزّمن عنّا معهم في عشاء جميل أو قهوة لذيذة. لكنّ ما نضيفه غالبا يغيّر سيناريو الحياة، حين نتذكّر مثلا حادثة في صميم حكايتنا معهم، فلهذا الشّاعر العالي بصمة شهامة في تلك الزّيارة، أذكرها باحتفاء وخيلاء وأدينُ لها بكثير عِرفان. أذكر جيّدا المساحة الّتي منحتني إيّاها الجامعة لإعدادِ تقاريري وبثّها. يوميّا كنتُ أبثّ رسالتين زخمتين بحضور باحث أو أديب، يضاف إليها التّسجيلات الكثيرة لحوارات أعددتها مع كتّاب ونقّاد. لم أهدأ لحظة واحدة. كان برنامجي جديدا وأحتاج مادّة زخمة تدفئ زواياه، لكنّي لم أختر الشّاعر الباهي لحوار عابر يرسلهُ إلى النّاصرة، نسيتُ أنّهُ ممنوع من الدّخول لأرض الوطن منذ  1964 . في حفل الختام كنتُ قريبة من سيجارتهِ المُشتعِلة حين كُرّمت الصّحافة الّتي غطّت جماليّات المؤتمر ما عداي! غصّ قلبي وتحجّز في حلقي، مشدوهة كنتُ ولا أصدّق. كان الوحيد الّذي سمع تواثبات قلبي، وانحباس صوتي. بصعوبة فَزِعت، بصعوبة وصلتُ إلى نظراتهِ الحادّة وضبابِهِ الغاضب، لماذااا؟ تساءلت، وعند اللّماذا سمعتُ صدى غير المعقول منه. كانت المرّة الأولى الّتي ألمح فيها شيئا غير صرامتهِ، غضبهِ وخجله. طلب منّي أن أهدأ. لكنّي لم أهدأ تأمّلتُ سعادة الصّحافة الغامرة الّتي دُعيت للغداء، وانتكستُ. لم يلاحظ صحافيّ واحد أزمتي ولا لاطف كتفي برغم أنّهم كالنّحل كانوا يحومون حولي طوال تلك الأيّام. لم يلاحظ أزمتي غيرهُ. لملمتُ ورَقي وغادرتُ المكان على عجل. ناداني لم أسمع، قصدتُ الفندق كي أجمع أشيائي وأغادر. فيما بعد فهمت أنّ أحد الشّعراء الأشاوس ممّن يجيدون أكل اللّحم النّيء عندنا، وكان حاضرا فتن على ورقي إذ دسَّ لعميد كليّة الآداب، صديقي، أنّي أبثّ لصالح إذاعة صهيونيّة، وذُهِلت. ذُهِلتُ لأنّ ثقتي بهذا الصّديق، يافاويّ الأصل كانت مُطلَقة، لم تدعني أشكّ بسعادة إنجازي لحظة واحدة.

ترى، هل نتذكّر لننسى، أم لنزداد يقينا أنّ الذّاكرة هي برجنا العاجيّ الحُر للسّباحة ضدّ تيّار التّقليد الأعمى في تسجيل الأرق؟ ذهب شاعر الخليل، وبقي العنب ينتظر شاعرا جديدا مثلهُ يعشقُ العِنبَ جدّا ويطمح أن يذوقهُ مغسولا عَرَق.

 

الجليل، نيسان، 021       

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين