طرد وتهجير بختم قضائي: ملاحظات أخيرة حول ترحيل المحامي صلاح حموري | طارق ياسين

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

لم يكن ترحيل المحامي والناشط السياسي صلاح حموري الترحيل القسري الأول من نوعه التي تمارسه سلطات الاحتلال، ولكنه ومع تطوّرات السنوات الأخيرة يبدو أنه يسطّر مرحلة جديدة في عودة هذه الأداة، أداة الطرد والترحيل ، إلى المشهد اليومي في حياة الفلسطينيين في الداخل والضفة الغربية والقدس.

ولمن فاته، ولد صلاح في القدس، لأم فرنسية وأب فلسطيني، ليحصل على الجنسية الفرنسية التي سهّلت طرده بعد 36 عامًا، عمل في مؤسسة الضمير الفلسطينية التي حظرتها إسرائيل مع ستة من المنظمات الفلسطينية العام الماضي، سجن في العام 2005 وحرر في صفقة "شاليط" عام 2011، أعيد اعتقاله اداريًا عام 2017، منع طفله وزوجته من دخول البلاد منذ العام 2016، كان واحدًا من ستة فلسطينيين كشف تقرير "امنستي" عن تعرضهم للتجسس عبر برنامج "بيغاسوس" ليعتقل بعدها إداريًا مجددًا ويرحّل بعد مسار قضائي طويل إلى فرنسا.

الطرد كأداة في خدمة الاستعمار البريطاني

إن أداة الطرد والترحيل ليست من إبداعات الحركة الصهيونية وأذرع الاحتلال، رغم سجلّها في الإبداعات في مجال القهر والقمع وخرق حقوق الانسان، الا انه في هذا المضمار تحديدًا يمكن ارجاع هذه الممارسات الى سلطات الاستعمار البريطاني في أرض فلسطين، والتي وضعت أسسها في الأشهر الأولى من العام 1937 مع احتدام الاحتجاجات الفلسطينية ضد الاستعمار البريطاني والهجرة اليهودية إلى فلسطين. إذ ظن البريطانيون أن التهجير كأداة يمكن ان يضاف إلى أدوات قمعية أخرى لوقف الاحتجاجات المتصاعدة. لكن لسخرية القدر، استغلت سلطات الاستعمار البريطاني هذه الأدوات أيضًا ضد العصابات الصهيونية الناشطة في فلسطين، وعملت على طرد المئات من أعضائها خارج البلاد، منهم من عادوا و تبوأوا مناصب عليا في دولة إسرائيل بعد إقامتها.

في تلك الفترة تحديدًا، واجهت الأوامر البريطانية بمعارضة صهيونية بارزة، مثلًا في احدى مؤتمرات نقابة المحامين اليهود في البلاد عام 1946 خرج المحامي يعقوب شابيرا ضد أنظمة الطوارئ وعلى رأسها قوانين الطرد والترحيل وقارن بينها وبين القوانين النازية المتشكلة في ألمانيا مؤكدًا بلهفة غير مسبوقة "قوانين الطوارئ هي تدمير لأسس القانون في البلاد"، لكن هذه اللهفة خفّت مع توليه منصب المستشار القضائي للحكومة الأولى في البلاد وبعدها وزارة القضاء، وصادقوا على استعمالها ضد الفلسطينيين خدمة لمآربهم.

مع تبدّل الأحوال، وانتهاء الحرب العالمية الثانية وما حملته من موبقات وفظائع على البشرية، واندفاع المجتمع الدولي الى إقرار سلسلة من المعاهدات لمنع تكرار ما كان، أو تقليص أضرار ما سيكون ففرضت القوانين الدولية منعًا واضحًا على الدولة المحتلة من نقل أو ترحيل السكان القابعين تحت الاحتلال لخارج البلاد، وأكدت وثيقة جنيف الرابعة في بندها الـ 49 على "حظر النقل الجبري الجماعي أو الفردي للأشخاص المحميين أو نفيهم من الأراضي المحتلة إلى أراضي دولة الاحتلال أو إلى أراضي أي دولة أخرى، محتلة أو غير محتلة، أياً كانت دواعيه". لكن المحكمة العليا في إسرائيل، مع مرور الوقت، رفضت هذه التهمة، وقالت إن عمليات الطرد التي تقوم بها لا تشبه فظائع الطرد التي ارتكبتها النازية في الحرب العالمية الثانية، وإن ما تقوم به إسرائيل هو لدوافع أمنية متجاهلة النص الواضح في الوثيقة الدولية الذي يؤكد منع الطرد "أيًا كانت دواعيه".

ما بعد حرب حزيران

في كتابه الأخير الجدار والبوابة، يقسّم محامي حقوق الإنسان ميخائيل سفارد تاريخ عمليات الطرد بحق الفلسطينيين بعد حرب حزيران الى ثلاثة فترات: العقد الأول من احتلال الضفة الغربية وغزة، الفترة الثانية من نهاية سنوات السبعين من القرن الماضي وحتى بداية سنوات التسعين، والفترة الثالثة المستمرة حتى يومنا هذا. ويشير الكاتب إلى أن الفترة الأولى امتازت بعمليات طرد جماعية مكثفة وشملت إصدار أكثر من 989 أمر طرد لفلسطينيين لخارج المناطق المحتلة، بالأساس شرقي نهر الأردن وشبه جزيرة سيناء حيث هجّر العشرات في كل مرّة، أغلبهم اعتقلوا إداريًا دون أدلة ودون محاكمة.

برز استعمال عقاب التهجير ضد رؤساء بلديات وقيادات في الضفة الغربية تجرأت على الوقوف في وجه التيارات الرجعية المتواطئة مع النظام الأردني وسلطات الاحتلال، كان أولها المرشح د. احمد نتشة مرشّح لرئاسة بلدية الخليل، وبالفعل في نهاية آذار 1930، أسبوعين قبل موعد الانتخابات، اعتقل النتشة، مثلته أمام المحكمة الرفيقة الراحلة فاليتسا لانغر، لكن قبل ربع ساعة من عقد الجلسة، رحّلته سلطات الاحتلال خارج البلاد.

في نهاية المرحلة الأولى من عمليات الطرد حاولت إسرائيل طرد بسام الشكعة، رئيس بلدية نابلس، بعد تزييف أقواله في احدى الصحف الإسرائيلية، ليبدأ فصل جديد من الضغط الجماهيري ضد القرار، رافقه ضغط قضائي قادته الراحلة فليتسيا لنغر، لتتراجع إسرائيل عن قرارها وتستقبل الضفة الغربية رئيس بلدية نابلس استقبال الأبطال. بعد ستة أشهر من الحادثة، رحّلت سلطات الاحتلال رئيس بلدية الخليل فهد قواسمة ورئيس مجلس حلحول محمد ملحم بالإضافة إلى إمام المسجد الابراهيمي في الخليل، بعد اعتقالهم ونقلهم بطائرة ظنوا أنها تقلهم للقاء وزير الحرب في تل أبيب، فوجئوا بهبوطها على الحدود اللبنانية ليتم ترحيلهم وراء الحدود، وعلى الرغم من نجاحهم بالعودة لخوض معركة قضائية ضد الطرد، إلا أن المحكمة العليا في إسرائيل صادقت على قرار طردهم مجددًا في قرار بررّت فيه عدم التزامها ببنود وثيقة جنيف الرابعة ومنع الطرد والتهجير.

يؤكد المحامي ميخائيل سفارد في كتابه أن عمليّات الطرد لم تستهدف فقط الشخص العينيّ، ويشير إلى تصريح رئيس أركان جيش الاحتلال في بداية سنوات الثمانين، رفائيل ايتان، في جلسة مغلقة حول الأوضاع في الضفة الغربية عقب استهداف إرهابيين يهود لرؤساء مدن فلسطينية، والذي يؤكد العقلية التي وقفت من وراء عمليات الطرد هذه، إذ يقول إيتان في الجلسة التي كشف عن محضرها مؤخرًا "حتى لا يكون هنالك وضع يملك فيه الفلسطينيون قيادة تقود الاحتجاجات ضدنا في كل المجالات، يجب علينا من فترة الى أخرى أن نزيل هذه الطبقة العليا من القيادة. والقصد بالإزالة هو نفيها، أو سجنها أو إخراجها عن القانون .. وعندها تحدث بلبلة، يعمّ الحرج، لن يعرفوا كيف يتصرفوا. والنتيجة بالتالي ستكون انخفاض في منسوب العنف"، هذا ما حرّك إسرائيل وقتها، وهذه العقلية لا تزال تحركها حتى يومنا.

على بوابة المحكمة العليا، مجددًا

ناقشت المحكمة العليا قضية الطرد مجددًا بتركيبة موسّعة وأصدرت قرارها في شهر نيسان من العام 1988، القرار الذي كتبه رئيس المحكمة العليا وقتها، مئير شمغار، والذي شغل منصب المرافع العسكري الرئيسي عام 1967 ويعدّ من مخططي المنظومة القضائية للاحتلال في المناطق المحتلة، وبعدها شغل منصب المستشار القضائي للحكومة  والذي دافع بشدة عن قرارات الطرد والتهجير في كلا المنصبين، ولسخرية القدر، شمغار نفسه كان عضوًا في عصابة الإيتسل الصهيونية قبل قيام الدولة وطردته القوات البريطانية بعد اعتقاله إلى معسكرات الاعتقال في أفريقيا. شمغار كما هو متوقّع منه، ادعى أن وثيقة جنيف تتطرّق لجرائم طرد ونقل سكان كتلك التي مارستها النازية، وليست كعمليات الطرد التي تقوم بها إسرائيل، العمليات التي تنفّذ بأيدي من حرير وبغطاء قضائي مصطنع، يضمن حقوق الفلسطيني في عملية تهجيره وقمعه.

كما استيقظنا في الـ 18 من الشهر الجاري على طرد صلاح حموري، استيقظ المجتمع الدولي قبل 30 عامًا، وتحديدًا في الـ 17 من شهر كانون الأول من عام 1992 على إحدى أكبر عمليات الطرد الجماعية التي قادتها إسرائيل ضد نشطاء سياسيين، عرفت باسم قضية مرج الزهور، حاولت خلالها إسرائيل طرد 415 فلسطينيًا اتهموا بالانتماء لحماس والجهاد الإسلامي، حيث تمّ اقتيادهم عبر عشرات الحافلات إلى الحدود اللبنانية في منتصف الليل، بعضهم كان معتقلًا في سجون الاحتلال، والبعض الآخر اعتقل من منزله ليلًا بغيّة التهجير، دون الإفصاح عن هذه النيّة. وتشير وقائع هذه الحادثة إلى أن سلطات الاحتلال وضباطها خصصوا ما لا يزيد عن دقيقة واحدة لكل ملفّ من ملفات الطرد، وبتوقيع ضابط احتلال ودون أدلة، استماع، او الحق في استشارة محام او حتى ابلاغ العائلة، وجد المتهمون أنفسهم على الحدود اللبنانية، في احدى أكبر الأزمات التي رافقت عملية التوقيع على اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير وإسرائيل. 

 وللتاريخ، إن قرار الطرد قد جاء بموافقة حزب ميرتس وأوساط يسارية أخرى في إسرائيل، في فترة حكومة رابين، وبمباركة المحكمة العليا بإجماع قضاتها التي قالت إنه لم يكن هناك أي طرد جماعي في هذه القضية، كالطرد الذي قد يمنعه القانون الدولي، إنما مجموعة من أوامر الطرد الفردية.

النهاية لم تكن كما أراد قضاة العليا او الأوساط السياسية في إسرائيل إذ قاد الضغط الجماهيري والدولي الى تراجع حكومة رابين وعودة المبعدين إلى الأراضي الفلسطينية بعد صمود بطولي والتفاف شعبي لافت يؤكد المؤكد: فقط في الالتفاف الشعبي والضغط الجماهير تحصّل الحقوق، لكن نتيجة هذه القضية من الناحية القضائية كانت أن حسمت العليا موقفها واصطفت، كما تفعل دومًا حينما يتعلّق الأمر بسياسة الاحتلال، الى جانب منظومة المحتل في وجه من قصدها طالبًا العدالة.

القدس الشرقية المحتلة

العقلية التي انتهجتها إسرائيل واذرعها العسكرية في المناطق المحتلة عام 1967 هي العقلية نفسها التي تقودها، لكن بأدوات قانونية أخرى، لممارسة عمليات طرد بحق الفلسطينيين بكافة أماكن تواجدهم. وعلى الرغم من أن القدس الشرقية كسائر أخواتها من مدن الضفة الغربية، احتلت في حرب الأيام الستة، إلا أن إسرائيل بالغت في مغالاتها، وضمّتها إلى ما تسميه سيادتها وفرضت عليها القانون الإسرائيلي غير مكترثة بالمعارضة الدولية. وبالتالي، تولي إسرائيل أهمية قصوى للواقع الديمغرافي في القدس الشرقية، فاجتنابًا لحرج ما ربما، منحت الفلسطينيين المقدسيين "هوية إسرائيلية" تمنحهم "الإقامة" بدلًا من المواطنة والجنسية الإسرائيلية، والتي تجلب معها تقييدات على التنقل والحركة، تمنعهم من المشاركة في الانتخابات البرلمانية، وتسهّل طردهم وتهجيرهم في حال شكّت أذرع الاحتلال بعدم إقامتهم الثابتة وإدارة مركز حياتهم في القدس الشرقية، وحسب المعطيات غير الرسمية، قامت إسرائيل بسحب تصريح الإقامة من أكثر من 14 ألف فلسطينيّ من سكان القدس الشرقية منذ العام 1967 وبالتالي طردهم خارج البلاد بادعاء عدم إقامتهم الثابتة في القدس.

وما يدفع للسخرية أكثر من أي شيء آخر، أن الأداة القانونية التي تستخدمها إسرائيل بحقّ المقدسيين لتسهيل طردهم هي "قانون الدخول إلى إسرائيل"، متجاهلين أن إسرائيل هي التي دخلت القدس الشرقية كمحتلة، وأن أهلها من المقدسيين لم يدخلوا أي دولة ولم يبدلوا تبديلاً. يرتّب القانون التعامل القضائي مع "الداخلين إلى إسرائيل" وكذلك "القاطنين فيها"، وعبره قامت إسرائيل بسحب هويّات المقدسيين وطردهن بادعاء نقل مركز حياتهم خارج البلاد، حتى لو سافروا لأجل التعليم أو العمل، الطرد التي أقرته المحكمة العليا أيضًا في قضايا عديدة أشهرها قضية مبارك عوض الذي حصل على الجنسية الأمريكية  بعد بقائه في الولايات المتحدة وأقر القاضي براك في العليا ترحيله، مشيرًا إلى ذنبه "بعدم قبول الجنسية الإسرائيلية واكتفائه بالإقامة" التي خسرها لسفره، مع العلم أن التعديلات القانونية في العقدين الأخيرين تتيح لإسرائيل سحب المواطنة أيضًا ممن اتهموا "بالإخلاء بالولاء" بشرط أن يمتلك المواطن المسحوبة جنسيته "والمخلّ بالولاء لدولة إسرائيل" جنسية أخرى.

الفلسطينيون داخل الخط الأخضر

لم يمكن حال فلسطينيي الداخل مختلفًا عن حال اخوتهم في الضفة والقدس الشرقية، فسياسة التهجير دائمًا كانت سيفًا فوق رقابهم منذ النكبة وحتى يومنا هذا. لكن الوضعيّة القانونية وحقيقة حصولهم على المواطنة الإسرائيلية الكاملة (على الورق طبعًا) جعل من أمر طردهم أكثر تعقيدًا من الناحية القانونية من أخوتهم في القدس والضفة. فإذا كان الطرد في الضفة الغربية يحتاج لأمر عسكري أو قانون ورثته إسرائيل عن الاستعمار البريطاني، فإن طرد فلسطيني الداخل جاء في العقدين الأخيرين مع سلسلة من الترتيبات القضائية والقوانين الأساسية التي فتحت هذا الباب مؤخرًا.

في الأول من شباط في عام 2016 أصدر وزير الداخلية قراره بطرد الفلسطيني علاء زيود متهّم بتنفيذ عمليّة "لدوافع عنصرية" -حسب لائحة الاتهام- اعتمادًا على البند الـ 11 لقانون المواطنة الذي سنّه الكنيست عام 2008، والذي يسمح بطرد من يتهم "بالإخلاء بالولاء". خلال المحاكمة عرض الشاباك تقريرًا ادعى فيه أن عملية الطرد ضرورية، بحكم أن المتهم هو ابن لأب من سكان الضفة دخل البلاد عبر عمليّة لم شمل، وأن هذه الفئة، الجيل الثاني للعائلات الملمّ شملها، تتورط في "أعمال إرهابية" – حسب وصف الشاباك طبعًا- بنسبة أعلى من باقي السكان الفلسطينيين. 

وسبق هذا القرار، ببضعة أشهر، وتحديدًا في الـ 18 من تشرين الأول من العام 2015 قرار آخر لوزير الداخلية بسحب المواطنة من الشاب محمد مفارجة والذي اتهم بالتورط في عملية تفجير حافلة في تل أبيب. والذي ينتمي أيضًا للجيل الثاني من عائلات لمّ شملها. في كلتا الحالتين، لم يملك زيّود أو مفارجة جنسية أخرى غير تلك الإسرائيلية، وبالتالي أعلن وزير الداخلية عن منحهم تصريح "إقامة مؤقتة" بدلاً من الجنسية. لكن المحكمة المركزية رفضت القرار، مطالبة بتفسير عدم استعمال هذه الأداة طوال هذه السنوات، وكذلك وجّهت الكنيست نحو إقرار قانون يحدد ما هو التعريف المتبع "للإخلال بالأمانة" ليقر بعدها الكنيست قانون الإرهاب والذي رافقته تعديلات ملائمة له في قانون المواطنة ويصبح "المشاركة بعمل إرهابي حسب قانون محاربة الإرهاب" مرادفة لمصطلح "الإخلاء بالأمانة" ومصطلح العمل الإرهابي واسع وفضفاض ويشمل تأويلات كثيرة. 

في ردّ وزير الداخلية على استجواب العليا أعلن انه منذ إقرار القانون تمّ فحص إمكانية إلغاء مواطنة 31 فلسطينياـ لكن الطلبات قدمت فقد ضد ثلاثة (واحد منهم ألغي طلب سحب جنسيته بعد اتهامه بالخروج والانضمام لداعش، وتقارير حول مقتله خلال القتال).

وفي نصّ قرارها النهائي، قبلت المحكمة العليا ادعاء وزارة الداخلية والكنيست حول الهدف من وراء إجراءات وقانون سحب الجنسية، والتي شمل بالأساس، "تصريحًا أو إعلانًا حول تلاشي الرابط المتبادل بين الدولة وبين المواطن، الذي بأعماله أدار ظهره لدولته وأخرج نفسه من بين مواطنيها" وتتابع القاضية حيوت في قرارها "يمكن رؤية عملية الاخلاء بالأمانة تصرفًا لا يمكن فهمه إلا في سياق تنكر الفرد من مواطنته" أو أن الشخص "لا يستحق أن يكون جزءًا منًا، نحن لا نراه كذلك، ولسنا مجبرين بمنحه أي فائدة من تلك التي تنتج عن العضوية في دولتنا"  في ربط تقليدي بين الواجبات والحقوق، يخرج من مطلق أن المواطنة ليست مفهومة ضمنًا وإنما هي مشروطة، بولاء لدولة فرضتها على سكان أصليين لم يهاجروا اليها، ولم يوافقوا على تقاليد هذا العقد الاجتماعي المفروض عليهم، وقبلوه – في أحسن الأحوال – كأداة للبقاء.

رغم رفض العليا قراري الطرد في حالتي زيود ومفارجة، الا ان قرارها الممتد على ما يقارب 133 صفحة وبمشاركة تشكيلة موسّعة من 7 قضاة شكل ختمًا رسميًا لقانونية سلب الجنسية من المواطنين الفلسطينيين حاملي الجنسية الإسرائيلية إذ وافق القضاة في قرارهم وبتبريرات عدة على الأداة فاتحين الباب أمام السلطات الإسرائيلية لاستخدامها عند الحاجة.

ما بين الديمغرافي والسياسي 

إن قضية طرد المحامي صلاح حموري، تعيد للأذهان عدّة تساؤلات يجب على الجميع طرحها ومحاولة إعطاء الأجوبة عليها، حتى لو بتفكير صامت، على إثر التطورات الأخيرة، خاصة في العقدين الماضيين.

إن العقلية الصهيونيّة التي سعت دائمًا لنهب الأرض بأقل عدد من "الأغيار" لم تتبدّل، على العكس، ازدادت توحشًا في العقدين الأخيرين بعد فشل مسار أوسلو والتطورات التي جاءت بعده، بل وفتحت إسرائيل والحركة الصهيونية شهيّتها بفرض سيطرتها على مناطق أوسع بدءًا بنهب آلاف الدونمات عبر الجدار الفاصل بداية القرن الجاري وانتهاءً بمحاولات بسط السيطرة على ما عرّفته اتفاقيات أوسلو بالمناطق "ج" في الضفة. ان هذا التوسّع الجغرافي رافقه هوس ديمغرافي لم يفارق صناع القرار ومن لفّ حولهم، وعلّ ابرز من عبّر عن هذه العقلية مؤخرًا كان رئيس الصهيونية الدينية "بتسلئيل سموتريتش" الذي وضع بعقليّة فاشية "خطة الحسم" حسب تعبيره والتي ترتكز على تعزيز الهجرة الفلسطينية إلى خارج البلاد طوعًا أو عبر مغريات أو حتى بالحرب والدم إذا لزم الأمر لضمان الحفاظ على أغلبية يهودية تنهار في السنوات الأخيرة.

وسط هذه العقلية وهذه المساعي ندور نحن الفلسطينيين، الجيل الثالث والرابع بعد النكبة، أبناء من صمدوا وبقوا رغم كل المستحيلات، في فلك تسيطر فيه فكرة الهجرة على أحاديثنا اليومية، إذ لا يخلو أي مجلس من هذا الحلم، ولا يخلو هذا الحلم من التبريرات التي ترافقه، تبريرات بعضها تافه في سعي نحو ترف متخيّل بعيدًا عن هذا المكان، وتبريرات أخرى أكثر منطقية لا أقلل من قيمتها أو اشكك بصدق ونيّة مطلقيها رغم رفضها. في هذا الواقع الذي يبحث فيه الكثيرين منا عن جنسية ومواطنة في دولة أوروبية أخرى، كانت هذه الجنسية، الفرنسية تحديدًا، نقمة على صلاح لولاها لما تكمنت إسرائيل غالبًا من تنفيذ أمر التهجير والنفي إلى فرنسا بحكم المعاهدات الدولية.

ربما كانت هذه القضية مجرد عينة من قضايا عديدة أخرى لم نسمع عنها ولم تغادر بعد أروقة المحاكم وغرف التحقيق، لكنها عرضت درسًا مهمًا عن التمسك بالبقاء كمشروع مقاومة بحد ذاته، فصلاح الذي سجن في العام 2005 لسنوات طويلة، اعتقل إداريًا بعدها، طردت عائلته ومنع من لقائها، تعرّض للملاحقة والتجسس في قضية بيغاسوس الشهيرة، ولاقى الأمرّين خلال 17 عامًا رفض الرحيل عن بلده وأهله بقي متمسكًا بها حتى أخر استئناف أمام منظومة قضائية لم تنصفه يومًا.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين