طريق بن غفير إلى رئاسة الحكومة| ميرون رببورت

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

عندما كنت أعيش في إيطاليا، في ثمانينيات القرن الماضي، كان هناك حزب واحد خارج اللعبة السياسية: "الحركة الاجتماعية الإيطالية"، والتي كانت تُعرف بالاختصار بـ"MSI". الحزب، الذي تأسس مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية من قبل كبار المسؤولين السابقين في النظام الفاشي باعتباره "معارضة للنظام الديمقراطي لإبقاء فكرة الفاشية على قيد الحياة"، أعتبر غير شرعي حتى من قبل حكومات اليمين-وسط التي حكمت إيطاليا في تلك السنوات.

بعد سنوات قليلة على عودتي من إيطاليا إلى إسرائيل، انضمت شابة من روما تدعى جورجيا ميلوني إلى حركة الشباب التابعة لحزب MSI. وبمرور ثلاثين عامًا على ذلك التاريخ، تتقدم ميلوني ذاتها الآن في استطلاعات الرأي قبل الانتخابات العامة التي ستجرى في الـ25 من الشهر الجاري. ترأس ميلوني حزبًا يُدعى "إخوان إيطاليا"، رمزه، وهو شعلة مع ألوان العلم الإيطالي الثلاثة، يشبه الرمز الأصلي لـ MSI. مفاجأة مثيرة فقط يمكن أن تمنعها من أن تصبح رئيسة الوزراء القادمة لإيطاليا.

لن يكون إيتمار بن غفير رئيس الوزراء القادم لإسرائيل، لكن صعوده إلى مركز الخارطة السياسية يذكرنا بالمسار الذي سلكته ميلوني، والذي اتخذه أيضًا قادة آخرون من اليمين الجديد، الفاشيون الجدد، في أوروبا. الانفصال عن ماضيهم المظلم وحتى إنكار معين له، وتبني خطاب أوسع يمكن تسميته بـ "المحافظ"، ليس أقل عنفًا، وتحريضًا ومعادةً للديمقراطية.
تقول ميلوني إنها ليست فاشية، وأنها تدعم القيم الديمقراطية وتعارض القوانين العنصرية التي أدخلها النظام الفاشي في الثلاثينيات من القرن الماضي (تصفيق!!). قال بن غفير في مدرسة "بليخ" الثانوية في رمات غان، هذا الأسبوع إنه كان علق صورة باروخ غولدشتاين على الحائط منذ عشرين عامًا، وإنه ولم يعد ذات الشخص، ولا يعتقد أنه "يجب قتل العرب" (وهنا نال تصفيقا حقيقيا من الحاضرين وليس افتراضيًا).

استبدلت ميلوني خطاب الحنين إلى الفاشية و "معارضة النظام الديمقراطي" بخطاب من مدرسة ستيف بانون، وقالت في كلمة ألقتها قبل أشهر قليلة إن "اليسار هو الذراع المسلح للقوى الاقتصادية الكبرى" من خلال تشجيع هجرة العمال الأجانب "عبيد العصر الحديث" على حساب العمال المحليين. وقالت ميلوني "علمانية اليسار والتطرف الإسلامي يهددان جذورنا". لذلك، من وجهة نظرها، يجب أن نقول "نعم للأسرة الطبيعية، لا لوبي المثليين ... نعم لعالمية الصليب، لا للعنف الإسلامي".
عبر النظر لمسار وتطور خطاب ميلوني، ربما يكون من الممكن فهم عملية "الاعتدال" لدى بن غفير بشكل أفضل. "لم يعد كهانيًا"، كما يقول في كل مكان، ولكنه ببساطة يهتم بالضعفاء والنساء وهوية الدولة (الهوية اليهودية في حالته، والمسيحية في حالة ميلوني). "الشابات اليهوديات يخشين التجول بأمان في العديد من مناطق البلاد"، كما يقول مرارًا وتكرارًا؛ ويكرر إن ارتفاع أسعار الكهرباء والوقود والخبز هو نتيجة خنوع يائير لبيد ونفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان لـ"مجلس الشورى" ومنصور عباس.

وهو ليس ضد العرب إطلاقا، كما يدعي، يريد أن يرسل إلى أوروبا أولئك "غير الموالين لدولة إسرائيل، بغض النظر عن أصولهم". وقال مؤخرا "الدليل على أنني لست عنصريا هو أن أول شخص أريد أن أطرده من هنا هو عوفر كاسيف، إلى جانب جماعة ناتوري كارتا الذين يعانقون رئيس إيران".
في إسرائيل، المبنية مسبقًا على الفوقية اليهودية والفصل العنصري، هناك بالطبع أذان مصغية للخطاب الـ"بن غفيري" "المعتدل" هذا. بالنسبة للكثير من اليهود مقولة "العرب ليسوا موالين للدولة" ليست غريبة عنهم. وبحسب استطلاع أجراه راديو 103، يؤيد 64% من الإسرائيليين "قانون التهجير" الذي يطرحه بن غفير. وبين مصوتي ما يسمى "معسكر التغيير"، بلغت نسبة تأييد قانون بن غفير 47%.

ومن هذه الناحية، فإن مسار أفكار بن غفير إلى مركز الخريطة السياسية الإسرائيلية أسهل من مسار أفكار اليمين الجديد على شاكلة ميلوني أو لوبان في فرنسا، حيث يوجد في أوروبا تراث مناهض للفاشية، واشتراكي (حقيقي، وليست نسخة المباي المزيفة في إسرائيل) وليبرالية قوية وشعبية، والتي تكاد تكون غائبة تمامًا في إسرائيل، لأسباب ليس هذا المكان المناسب للتعمق فيها.
 


غير خاضع لنظام نتنياهو"خذ وأعطِ"

لكن لكي يصبح بن غفير كميلوني أو حتى لوبان، عليه أن يفعل ما فعله كلاهما بالفعل: سحق الأحزاب اليمينية التقليدية. ليس فقط حزب الـ"ديمقراطيين المسيحيين"، حزب يمين الوسط الذي قاطع MSI عندما انضمت إليه ميلوني، لم يعد موجودًا منذ فترة طويلة، بعد حكم إيطاليا لعقود. حتى حزب "فورزا إيطاليا" بزعامة سيلفيو برلسكوني - الرجل الذي جلب مالوني إلى المنصات السياسية العليا، عندما عيّنها وزيرة لشؤون الشباب عندما كانت تبلغ من العمر 31 عامًا فقط - يتخلف كثيرًا الآن في الاستطلاعات وراء حزب ميلوني "إخوان إيطاليا". وفي فرنسا، سحقت لوبان بشكل شبه كامل الحزب الجمهوري، الحزب اليميني التقليدي الذي هيمن على السياسة الفرنسية لعقود.

في ترجمة للسياسة الإسرائيلية، لكي ينجح بن غفير، يحتاج إلى سحق الليكود، وخاصة زعيمه بنيامين نتنياهو. قد يبدو هذا غريبًا بعض الشيء، لأن نتنياهو هو المسؤول عن نجاح بن غفير بتجاوز نسبة الحسم، عندما ضغط -وربما أجبر- بتسلئيل سموتريتش على الاتحاد معه في الانتخابات السابقة. نتنياهو هو الذي استضاف بن غفير في منزله في قيساريا وأقنعه بالترشح مع سموتريتش في الانتخابات الحالية أيضًا، بينما يسبح أطفال بن غفير في بركة فيلا نتنياهو.

لكن بن غفير ليس رجل نتنياهو. للمفارقة، يمكن القول إن نجاحه في جذب ناخبين يمينيين يرجع بالتحديد إلى حقيقة أنه لا يعتبر كذلك. إنه غير خاضع لنظام "خذ وأعط" والولاء الشخصي الذي طوره نتنياهو، لأنه لا يحتاج إلى تحويل مليارات الشواقل إلى مؤسسات وجمعيات مثل الأحزاب الحريدية أو الصهيونية الدينية، ببساطة بسبب لأنه يملك مثل هذه المؤسسات.

كما أنه لا داعي لأن يقلق بشأن أعضاء مركز حزبه وعائلاتهم، لأنه ليس لديه حزب بالفعل، ويأتى النشطاء حول بن غفير من أجل الفكرة - بقدر ما تبدو مظلمة وعنصرية - وليس السعي وراء "القوة والمال والاحترام"، على حد الوصف الدقيق لعضو الكنيست ميكي زوهار من الليكود.

وفوق كل شيء، لا يقبل بن غفير القصة حول أن نتنياهو "رجل خارق، قائد متفوق، الأفضل بين الأفضل"، كما قال عضو الكنيست المستقبلي بوعز بيسموت مؤخرًا في مقابلة مع هآرتس. من المؤكد أنه لا يتأثر بحقيقة أن قادة العالم يحترمون نتنياهو. هذا الأمر لم يثر اهتمامه أو اهتمام ناخبيه أبدًا. وهو أقل استعدادًا لشراء الخدعة كما لو أن نتنياهو دفع بالمجتمع الإسرائيلي بشكل عام، و "إسرائيل الثانية" تحديدًا، نحو الازدهار الاقتصادي.

هذا الازدهار الاقتصادي الزائف لم يصل إلى بن غفير وأنصاره. لغرض الدعاية، يمكن للمرء دائمًا أن يدعي أن تدهور الوضع الاقتصادي يرجع إلى الأموال التي قدمتها الحكومة الحالية للقائمة العربية الموحدة، لكن بن غفير يعرف جيدًا أن عقد حكم نتنياهو لم يغير وضع الأطراف المهمشة، وهذا هو السبب في أنه يركز حملته الانتخابية في هذه المناطق بالتحديد.



" الستاتوس كو" فقد بريقه

بدأ نتنياهو في الواقع باستخدام الخطاب المعادي للنخبة قبل وقت طويل من بدء بن غفير بالصعود. وبهذا المعنى، نتنياهو سابق على ميلوني ولوبان وحتى دونالد ترامب. لكن على الأقل حتى بداية محاكمته، كان نتنياهو أيضًا سيد "الستاتوس كو" (الوضع الراهن). بالتأكيد فيما يتعلق بالاحتلال والفصل العنصري، ولكن أيضًا داخل المجتمع الإسرائيلي.

نتنياهو كان نبي النيو-ليبرالية المحافظة ونأى بنفسه عن الصدمات الاجتماعية. التغييرات في النخب في عصره تمثلت بشكل أساسي باستبدال الأشكناز من نوع واحد (الليبراليين) بالأشكناز من النوع الثاني (الصهيونية الدينية).

مهما كانت أسباب ذلك - فشل الضم واستمرار الصراع، وتصاعد قوة الجمهور الفلسطيني داخل إسرائيل، والحفاظ على الفوارق الاقتصادية والاجتماعية - فقد "الستاتوس كو" بريقه. تذكر نتنياهو نفسه أيضًا أن يتحدى "الستاتوس كو"، لكن هجماته على النيابة والمحاكم وأنظمة الدولة الأخرى تفوح منها رائحة أجندة شخصية. ليس هذا هو الحال مع بن غفير. هو الذي سرق الرمز من سيارة اسحق رابين، لا يحتاج لأن يتعلم كيف يتحدى حكم القانون. يمكنه أن يعطي نتنياهو دروسًا خاصة في هذا الشأن.

عندما يتزعزع "الستاتوس كو"، عندما تكون صرخة المعركة لأجزاء كبيرة من الليكود هي تغيير النخب من جهة والحفاظ على "الدولة اليهودية" من جهة أخرى، فإن لدى بن غفير أفضلية أساسية. هو كان هناك من قبل. يبدو أن العديد من ناخبي الليكود يشعرون أيضًا بهذا: في التجمعات التي كانت تهدف ظاهريًا لدعم نتنياهو، تم استقبال بن غفير كبطل.

في انتخابات آذار 2020، حصل حزب "عوتسما يهوديت" بزعامة بن غفير على 0,4% من الأصوات، بعيدًا عن نسبة الحسم، فيما حصل الليكود على ما يقارب الـ30% و 36 نائباً. في انتخابات آذار 2021، حصلت الصهيونية الدينية، مع بن غفير، على 6 مقاعد، منها مقعد واحد فقط أعطي لـ"عوتسماة يهوديت"، بينما حصل الليكود على 30 مقعدًا.

اليوم  قبل توحده مع سموتريتش مرة أخرى، أعطت استطلاعات الرأي بن غفير ما بين 8 إلى 10 مقاعد ، والليكود بين 31 و 34 مقعدًا. في غضون عامين، تقلصت الفجوة بين الليكود وبن غفير من ثلاثين ضعفًا إلى ثلاثة أو أربعة أضعاف على الأكثر.

في هذا الوضع، سيستفيد بن غفير من أي نتيجة في انتخابات 1 نوفمبر. إذا لم يحصل نتنياهو على 61 مقعدًا، فسيكون بن غفير قادرًا على مواصلة تحريضه المعادي للعرب والليبرالية من المعارضة، ومن هناك سينمو أكثر. إذا حقق نتنياهو 61 مقعدًا لمعسكره، فقد يطالبه بن غفير بمطالب مستحيلة، لكي يظهر نتنياهو على أنه ضعيف وأن يظهر نفسه على أنه قوي. الحقيبة الوزارية ليست فقط لا تهم بن غفير، بل حتى أنها قد تضر بصورته المناهضة للمؤسسة.

من المبكر جدا التكهن بما إذا كان بن غفير، مثل ميلوني ولوبان، سيحل محل الليكود باعتباره الحزب الرئيسي لليمين، لكن المؤشرات تدل على أن ذلك ممكن بالتأكيد.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين