عادل عامر لـ"الاتحاد": الناتو هو المُدان الأساسي فيما يجري في أوكرانيا والحرب ليست حلاً

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

الاتحاد: موقف الحزب الشيوعي مما يجري اليوم في أوكرانيا، والذي عبر عنه خلال البيان الصادر عن اللجنة المركزية الأسبوع الماضي، أثار الكثير من النقاش على شتّى المستويات، هل يمكنك توضيح موقف الحزب بشكل أوسع؟ 


عادل عامر: موقف الحزب، الذي عبرنا عنه في البيان، شمل نقطتين أساسيتين، النقطة الأولى هي معارضة الحرب، والنقطة الثانية هي إدانة الناتو والامبريالية الأمريكية وعدوانيتها ومخططاتها لترسيخ هيمنتها وتوسيعها بهدف محاصرة روسيا.

والموقف كان واضحًا، نحن نعارض هذه الحرب، من حيث جوهر الحرب، بوصفها وسيلة لحل النزاعات والصراعات، ليس فقط بين روسيا وأوكرانيا، إنما في كل مكان في العالم، كموقف مبدئي للشيوعيين. نحن ننظر للإنسان كقيمة عليا، أينما كان. والحرب بكونها وسيلة عنيفة هي مس بحياة الانسان وبكرامته في كل مكان في العالم.

لكن هذا لا يعني أنه لا يوجد لروسيا مطالب صحيحة وعادلة ومخاوف شرعية، بالعكس. بالعودة إلى تاريخ روسيا والشعب الروسي، نرى أن هناك هاجسًا صادقًا، وهو هاجس الأمن القومي الروسي، منذ 1812 وغزو نابليون لروسيا، إذ كان تهديدًا مباشرة من قبل أوروبا لروسيا، وهذا استمر عبر التاريخ وصولاً إلى عام 1941 والحرب العالمية الثانية حينما قام هتلر بغزو روسيا. اذًا، هناك مصداقية تاريخية لهذا الهاجس، هناك حق لهذا الشعب، الشعب الروسي، ألا تشكل دول الجوار تهديدًا للأمن القومي الروسي. لم نشهد أن روسيا في تاريخها الحديث هاجمت دولة أوروبية، شهدنا الأمر العكسي فقط، أطماع أوروبية وغرب أوروبية بالتحديد بروسيا. لهذا السبب حينما نتحدث عن الأمن القومي الروسي، نتحدث عن تخوف حقيقي لهذا الشعب وهذه الدولة العملاقة من أطماع الغرب فيها.

ولهذا السبب لم نتردد من جهة بمعارضة الحرب، ومن جهة أخرى أن نتحدث عن مطالب روسيا العادلة، وبالأساس لم نتردد بإدانة الناتو وإدانة القيادة السياسية الأوكرانية، التي هي يمينية فاشية، والتي تتحالف بشكل واضح مع قوى نيو-نازية في أوكرانيا وفي أوروبا، ولا يمكن التغاضي عن هذا الأمر. والأخطر هو طلب هذه القيادة الأوكرانية أن تكون جزءًا من الناتو. الناتو ليس تحالفًا اقتصاديًا أو ثقافيًا مثلاً، بل هو تحالف عسكري، والذي أقيم بالأساس لمواجهة الاتحاد السوفييتي ثم حلف وارسو الذي أُقيم لاحقًا. حلف وارسو تفكك، أي أن المسبب لإقامة حلف الناتو ذاته انتفى. إذا ما هي المصداقية لتواجد حلف الناتو العسكري اليوم؟ إذا لم يكن هناك له أطماع في روسيا وفي كل مناطق الاتحاد السوفييتي سابقًا. هذا الأمر واضح بالنسبة لنا، ولهذا كانت إدانة الناتو والمطامع الامبريالية الأمريكية واضحة في موقف حزبنا.


الاتحاد: هناك من يقول إن ما يجري في أوكرانيا هو مجرد صراع بين امبرياليتين، بين الامبريالية الروسية والامبريالية الأمريكية، وأن الموقف الشيوعي مما يجري في أوكرانيا يجب أن ينطلق من أن روسيا هي أيضًا دولة امبريالية تصارع من أجل الهيمنة، ماذا تعتقد؟


عامر: هناك نقاش حتى داخل الحركة الشيوعية في العالم حول ما يسمى "إمبريالية روسيا"، هناك اتفاق، اتفاق كامل أن روسيا اليوم هي دولة رأسمالية بكل معنى الكلمة، لا يوجد نقاش حول هذا الأمر. النقاش هو هل روسيا هي دولة إمبريالية لديها أطماع توسعية جغرافيًا وأطماع توسع وهيمنة اقتصادية حول العالم؟ نحن نحلل هذا الأمر من منظور طبقي، تعاملنا مع رأسمالية روسيا ورأسمالية أمريكا وأوروبا الغربية، يختلف. في روسيا نظام رأسمالي يقمع شعبه طبقيًا، نظام قائم على " أوليغاركية" تنهب الطبقات المسحوقة داخل روسيا، ولكن حتى الآن نحن لا نلمس أن لروسيا أطماعًا امبريالية توسعية في المنطقة التي تحيطها التي كانت سابقًا جزءًا من الاتحاد السوفييتي. نعم هي تريد أن تضمن علاقات "حسن جوار" تضمن لها أمنها القومي، وهذا من حقها، هي تريد علاقات تعاون اقتصادي لمصلحتها القومية، نعم هي تريد ذلك، ولديها أفضلية في بعض المجالات الاقتصادية، هي لديها ثروات طبيعية هائلة جدًا، وتستغل هذه الموارد لبناء علاقات اقتصادية على أساس مصالح، هذا الأمر يتم مع ألمانيا ويتم مع الصين أيضًا، هذا لا يمكن تعريفه، في مفهومنا الماركسي والشيوعي، على أنه "امبريالية". رأينا أنه حتى حينما دخلت روسيا إلى جورجيا في العام 2008، هي دخلت وحيدت العناصر التي تريد الانتماء إلى حلف الناتو الذي يشكل خطرًا مباشرًا عليها وانسحبت بعد ذلك، لا يوجد لديها أطماع توسعية جغرافية في هذه البلاد. نعم بالطبع هناك صراعات إقليمية حول انتماء بعض المناطق في محيط روسيا مثل الدونباس في أوكرانيا، ولكن هذه الخلافات تجري في كل مكان في العالم ومع الكثير من الدول، لكن هل نصف في هذه الحالة هذه الدول على أنها دول امبريالية بسبب ذلك؟ المغرب مثلاً لديها أطماع ومطالبات في الصحراء الغربية، هل المغرب هي دولة امبريالية؟

لهذا لا يمكن الموازاة بين روسيا والغرب، بوصف أن كلا الطرفين معتديان ولديهما أطماع امبريالية. نحن نحلل طبقيًا رأسمالية روسيا، ولا نرى بها دولة امبريالية، ولكن نرى أن للشعب الروسي هاجسًا اسمه الأمن القومي، والخشية من قوى امبريالية لديها قوة عسكرية هائلة تهدد روسيا وتحاصرها.

وربما أضيف هنا أيضًا، أن هناك من يجري مقارنة، ما بين أزمة كوبا والصواريخ السوفييتية في الستينيات، وما بين الوضع الحالي. أريد أن أقول إن المقارنة هي جزئيًا صحيحة، ولكنها ليست مقارنة دقيقة بشكل كامل. لأنه من بدأ باستفزاز الاتحاد السوفييتي في حينه، هو أمريكا، حينما نصبت صواريخها الموجهة نحو الاتحاد السوفييتي في تركيا، وجاء رد السوفييت بنصب صواريخ في كوبا، ردًا على نصب صواريخ الناتو في تركيا التي كانت جزءًا من حلف الناتو، ولم يبادر الاتحاد السوفييتي أولاً بالاستفزاز، وجاء نصب الصواريخ في كوبا بالاتفاق مع كاسترو ردًا على الاستفزاز والتهديد الأمريكي. وحينها في هذه الخطوة حقق الاتحاد السوفييتي هدفين مهمين، أولاً إجبار أمريكا على سحب صواريخها من تركيا مقابل سحب الصواريخ من كوبا، وثانيًا أخذ تعهد من أمريكا بعدم غزو كوبا. ومن ناحية أخرى يمكن الاعتماد على هذه المقارنة لفضح النفاق وازدواجية المعايير الأمريكية، لأنه خلال هذه الأزمة هي كانت مستعدة للذهاب إلى حرب نووية وتدمير السلم العالمي، بسبب أنها ادعت أن زرع صواريخ معادية على بعد أميال منها يهدد أمنها القومي وأنها لها الحق بالتصدي لهذا الأمر بكل الوسائل الممكنة، في حين أنها تستنكر الآن على روسيا حرصها على أمنها القومي بسبب توسع سلاح الناتو المعادي على الحدود الروسية في أوكرانيا.


الاتحاد: من جهة أخرى، هناك من يقول إن ما يجري في أوكرانيا، هو أننا نشهد بزوغ عالم متعدد الأقطاب، تشكل فيه روسيا قطبًا صاعدًا يستبدل العالم أحادي القطب الذي تشكل بعد انهيار الاتحاد السوفييتي بهيمنة أمريكية أحادية على العالم، وأن من مصلحة الشعوب المسحوقة صعود أقطاب أخرى تتحدى هذه الهيمنة الأمريكية، وأن هذا ما يجري في أوكرانيا اليوم، ماذا تعتقد بالنسبة لهذا الطرح؟


عامر: أولاً أنا باعتقادي أنه من مصلحة شعوب العالم، ألا يكون هناك قطب واحد مهيمن، يسيطر ويعربد ويحتل ويقتل وينهب ويفكك الدول دون رقيب ولا حسيب. ورأينا ذلك خلال العقود الأخيرة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وصعود الهيمنة الأمريكية أحادية القطب على العالم. منذ انهيار الاتحاد السوفييتي كانت هناك حربان حتى داخل أوروبا نفسها، بسبب غياب المنظومة الاشتراكية. وبسبب غياب هذا القطب البديل، شنت الولايات المتحدة الاعتداءات في كل أنحاء العالم، تفكيك العراق والعدوان على سوريا وتدمير ليبيا والاعتداء ومحاصرة دول في أمريكا اللاتينية، وهذا الاستفراد للهيمنة الأمريكية أحادية القطب على العالم جلب الكوارث للشعوب، يؤكد الحاجة لبزوغ عالم جديد متعدد الأقطاب. ولكن للأسف الشديد، ما يجري اليوم هو ليس بزوع عالم متعدد الأقطاب بالمفهوم الذي نعهده ونريده، لأن العالم متعدد الأقطاب في مفهومنا، هو عالم يكون فيه قطب اشتراكي يشكل بديلاً مواجهًا للقطب الرأسمالي، يشكل بديلاً أخلاقيًا وسياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا للمنظومة الرأسمالية. لكن ما يجري اليوم للأسف هو صراع داخل المربع الرأسمالي ذاته. هل هذا الصراع بحد ذاته هو جيد؟ نعم أعتقد أنه من المفيد أن يجري هذا الصراع، لأنه في نهاية المطاف يجري استقطاب شعوب العالم حول هذه المحاور المتنازعة، الذي قد يفضي في نهاية المطاف إلى خلق بديل حقيقي مقابل القطب الرأسمالي يجذب شعوب العالم حوله. ولكن أن تقوم قوة عالمية مثل روسيا، وتقول لا للإمبريالية الأمريكية، وتتحدى منطق العربدة الأمريكية الامبريالية وتتصدى لمخططاتها النهبوية والتفكيكية بحق شعوب العالم، في أمريكا اللاتينية وفي منطقتنا العربية، هو أمر في غاية الأهمية، ولكنه للأسف الشديد يبقى جزءًا من الصراع داخل الرأسمالي، وهو في نهاية المطاف صراع على المصالح.

ونحن نرى في الصين قوة اقتصادية هائلة تتحدى الهيمنة الأمريكية الغربية على الاقتصاد العالمي، لكن أعتقد أن الصين حذرة جدًا من الدخول في معمعان الصراع العالمي، الذي قد يستنزف قواها الاقتصادية في العسكرة كما جرى مع الاتحاد السوفييتي، ولهذا نراها حذرة جدًا في التدخل في القضايا الإقليمية. هي تريد الحفاظ على مصالحها الاقتصادية، والتطور الاقتصادي الطبيعي للصين هو ما يشكل الهاجس أمام القيادة الصينية لأنها لا تريد أن تفقد هذه اللحظة في تطورها الاقتصادي. ونحن بطبيعة الحالة نتأمل أن تبرز الصين في مرحلة معينة، ليس فقط كقوة اقتصادية، بل كقوة سياسية أيضًا تضع ثقلها إلى جانب العالم وفي مواجهة القطب الأمريكي الامبريالي.

الولايات المتحدة الأمريكية، تحاصر روسيا في كل مكان في العالم منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، وحاولت بكل ما تملك من قوة منع نهضتها وعودتها لتشكيل قوة عالمية، وروسيا استفاقت بعد أن رأت أمريكا تجردها من كل أصدقائها في الشرق الأوسط، بعد أن سمحت روسيا دون أن تحرك ساكنًا لأمريكا باحتلال العراق وتفكيكه، ومن ثم سمحت للناتو بأن يعيث الخراب في ليبيا، وشاهدنا استفاقتها في العدوان الأمريكي على سوريا ومحاولة اسقاطها، ولهذا انحازت روسيا إلى جانب الدولة السورية ووضعت ثقلها من أجل منع الولايات المتحدة من اسقاط سوريا.  العقود الأخيرة شاهدة على محاولة الولايات المتحدة لحصار روسيا وتجريدها من حلفائها في كل مكان في العالم، وضمن هذه الصورة التي تقع فيها روسيا في مرمى الهدف الامبريالي، يكمن الهدف الحقيقي في محاصرة الصين، كقوة اقتصادية تشكل تهديد حقيقي على الامبريالية الأمريكية. لأنه عندما يجري التكامل ما بين روسيا والصين، سيشكل هذا العملاق الاقتصادي تحديًا هائلًا جدًا أمام أمريكا التي يعاني اقتصادها الكثير من المتاعب. لهذا استماتة روسيا في الدفاع عن أمنها القومي له مصداقيته، ولكن يجب أن نؤكد أن الحرب على أوكرانيا ليست هي الحل لهذه الأزمة، وكان بالإمكان حل هذه الأزمة دون الدخول العسكري المباشر في أوكرانيا.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين