news
ملحق الجمعة

عادل عامر: نرفض اعتذار ومواساة المؤسسة الحاكمة، وتجاهلها للمجزرة| طارق ياسين

حلّت أمس الخميس، 29 تشرين الأول، الذكرى الـ 64 لمجزرة كفر قاسم واستشهاد 49 فلسطينيّا بجريمة نفّذها ما يسمّى "حرس الحدود" الإسرائيلي، ومحاولة الحكم العسكري في حينه بأوامر حكومته، التستر على الجريمة وإخفائها، في هذه الذكرى حاورت صحيفة "الاتحاد" وابن مدينة كفر قاسم.

 

"الاتحاد": جاءت الذكرى الـ 64 لمجزرة كفر قاسم في ظل جائحة كورونا والإغلاق، كيف أثر ذلك على إحياء الذكرى؟

عامر: "بطبيعة الحال جائحة كورونا لها تأثير على مجمل العمل السياسي والاجتماعي، وعلى الحياة السياسية، لكن كان هناك إصرار من قبل أهالي كفر قاسم على أن تستمر المسيرة التقليدية لإحياء ذكرى شهداء كفر قاسم الـ 64، رغم هذه الجائحة مع الحفاظ على التعليمات الصحية، وقد وجهنا طلبًا إلى كبار السن من أهالينا بعدم المشاركة في المسيرة، حفاظًا على صحتهم، وكذلك بالنسبة لطلاب المدارس والشباب والأطفال بعدم المشاركة هذه السنة. لكن المسيرة جرت في ساعتها ومسارها التقليدي من مركز القرية إلى النصب التذكارية، ومن هناك إلى مراسيم مقلّصة وكلمات قصيرة ومن ثم إلى مقبرة الشهداء".

 

"الاتحاد": مع مرور عشرات السنين وتبدل أجيال مختلفة، كيف تنظر الأجيال الشابة في كفر قاسم، عائلات الضحايا والأهل عامة في المدينة، للمجزرة واسقاطاتها اليوم؟ هل تأثير المجزرة ما زال موجودا؟ وكيف؟

عامر: "بالتأكيد، بعد مرور 64 عامًا ما زال هناك تأثير كبير للمجزرة على الأجيال الشابة، ونحن نحرص بشكل دائم على أن تكون ذكرى مجزرة كفر قاسم حاضرة، ومرفقة برسائلها السياسية والوطنية الواضحة، لأنه للأسف الشديد هناك من يسعى إلى حرف ذكرى الشهداء، وأهداف المجزرة عن حقيقتها التي ارتكبت بسببها.

 ونحن ما زلنا نوصل الرسائل بأن اهداف المجزرة التي ارتكبت بعد 8 سنوات من نكبة شعبنا، كانت لإتمام المخطط الشيطاني لترحيل ما تبقّى من أبناء شعبنا العربي الفلسطيني في قرى المثلث قاطبة، مثلما حدث في النكبة عام 48. صحيح ان العدد الأكبر في أكتوبر 1956 قد سقط في كفر قاسم، لكن سقط هناك العديد من الشهداء في مناطق متفرقة في المثلث.

في المجمل نعم، نحن بعد 64 عامًا لا زلنا نخوض المعركة السياسية لكي نواجه أولًا مخططات السلطة التي تريد قبر هذه الذكرى وكذلك لإنعاش ذاكرة شبابنا بأن الأهداف بالقمع والاضطهاد والترحيل ما زالت خطرًا جاثمًا أمام شبابنا ومجتمعنا، وعلينا الاستعداد لمتابعة مواصلتها. مؤسف جدًا انه اليوم ظهر منشور لقائد شرطة كفر قاسم يعزي أهالي كفر قاسم بشكل وقح، ويصف ما حدث بالضبط مثلما وصف أسياده هذا المجزرة بالـ "حدث المؤسف". نحن نقول لهذا الضابط، نرفض مواساتك ونرفض تعزيتك، فهذه مجزرة وليست حدثًا مؤسفًا، ومن ارتكبه هم أسلافك من أفراد الشرطة وحرس الحدود".

 

"الاتحاد": برأيك ما هي العبرة الأبرز من أحداث المجزرة وما لحقها من محاكمة؟ وكيف أثرت المجزرة وما تلاها على صقل وعي الجماهير العربية بعدها؟

عامر: "مجزرة كفر قاسم هي حدث مؤسس في الذاكرة الجمعية لجماهير شعبنا العربي الفلسطيني، الذي بقي في وطنه في الجليل والمثلث والنقب، لأنها كما ذكرت كانت المجزرة الأكبر والأبشع التي ارتكبت بعد ثمان سنوات من نكبة شعبنا، وإذا المخطط الصهيوني قد نجح بترحيل الأغلبية الساحقة من أبناء شعبنا الفلسطيني، من خلال ارتكاب المجازر والقتل والتهجير ونجح بذلك، فمجزرة كفر قاسم قد كسرت هذه السلسلة، وقطعت هذا النجاح للحركة الصهيونيّة بتهجير شعبنا عندما تصرّف أبناء كفر قاسم بقمّة الوطنيّة وقمّة الانتماء.

ربما لم يكن هناك الوعي السياسي الكبير، لكن الغريزة البديهيّة كانت ونتيجة أن ذاكرة النكبة واللجوء كانت ما زالت حاضرة في شكلها الملح في أذهان أبناء كفر قاسم دفعهم إلى البقاء في بيوتهم، وطنهم وبلدهم رغم معرفتهم بالقتل الذي يجري بحق أبناء كفر قاسم، ولهذا السبب هذه المجزرة هي حدث مؤسس بذاكرة جماهيرنا العربية لأنها أفشلت تسلسل ومواصلة عمليّة التهجير، وأصبحت دافعًا للنجاح في معركة البقاء والتطور في مجتمعنا.

إن النضال والبقاء في الوطن هي احدى العبر الأساسية رغم مرارة الحياة ورغم مرارة القمع والتمييز العنصري الا ان البقاء في الوطن هو العبرة الأمثل والأعمق التي خرجنا منها في هذه المجزرة".

 

"الاتحاد": كان للحزب الشيوعي دور مفصلي في فضح المجزرة، ما هو دور الحزب اليوم، بالإضافة إلى إحياء الذكرى وصيانتها بذاكرة الأجيال القادمة؟

عامر: "نعم للحزب كان دور كبير في فضح المجزرة وهنا أريد أن أتوقف قليلًا لأقول بأن من أبرز بشكل واضح وفهم فهمًا عميقًا الأهداف الحقيقية من وراء المجزرة كان حزبنا الشيوعي وقيادته آنذاك مئير فلنر، اميل حبيبي وتوفيق طوبي.

 وعندما اقتحم طوبي وفلنر كفر قاسم للتأكد مما حدث وجمع المعطيات والتفاصيل كانوا على يقين أن هذه المجزرة مخطط لها مسبقًا وليست عفوية وهي ليست وليدة قرار محلّي لهذا الضابط أو ذلك، وإنما هي قرار نابع من أعلى المستويات السياسية في إسرائيل، وهذا ما كشف عنه مخطط "حفرفيرت" - الخلد الذي فُضح في الذكرى الثلاثين للمجزرة وهنا تكمن أهمية من يروي رواية المجزرة، وأنها كشفت عن الأهداف الحقيقية للمجزرة وهي تنظيف المثلث من أهله، وإتمام عملية النكبة بتهجير من بقي في وطنه، لذلك الصراع اليوم ما زال موجودا لترسيخ الرواية الحقيقية، مقابل ما تسعى إليه السلطة وبعض أعوانها لخلق رواية  بديلة بأسوأ الأحوال، وفي بعض الأحيان خلق روايات مختلفة ومشوهة لما حدث في هذه المجزرة.

وعندما يجري خلق روايات متعددة تصبح المهمة صعبة لترسيخ الرواية الحقيقية ولكن أدبيات المجزرة منذ اليوم الأول حينما نشر توفيق طوبي وثيقته التاريخية وحتى يومنا هذا، هي روايات تروى على لسان الجرحى والناجين أي بمعنى من مصادرها الأساسية من المشاركين، الذين كان لهم حيز في هذه الذكرى، وهذا امر مهم جدًا لأنه ايضًا هناك قوى عظيمة جدًا على المستوى المحلي في كفر قاسم، بالتعاون الوثيق مع حزبنا الشيوعي في سنوات الخمسين والستين والسبعين، حملت شعلة المجزرة في ظل القمع والاعتقالات وأصرت المحافظة على ذكرى الشهداء برسالتها السياسية العميقة، وليس مجرد ذكرى للبكاء والألم وهذا أمر في غاية الأهمية، لكن يبقى بعد الألم وبعد الوجع اهداف سياسية يجب ان تبقى حاضرة في وجدان شعبنا".

 

"الاتحاد": من محاكمة مرتكبي المجزرة وحتى ملف اياد الحلاق، هل يمكننا القول ان عقلية التغطية على الجريمة مستمرة؟ كيف يمكن مواجهة هذه العقلية وهذا الإهمال القاتل؟

عامر: "اعتقد أن ما قلته على ان المجزرة كانت حدث مؤسس في وجدان وعقول أبناء شعبنا كمعركة صمود وتصدي وكسر حلقة النكبة، من خلال إفشال الترحيل والنجاح في البقاء في الوطن، على ما يبدو أن ما جرى في محاكمة والتغطية على مجزرة كفر قاسم ومرتكبيها الفعليين والحقيقيين هي حجر مؤسس في ذهنيّة المؤسسة الصهيونيّة الحاكمة، بحيث ان الدعم الذي تلقاه القادة الميدانيين من عوفر وشدمي وملينكي، هي التي أصبحت نموذجًا يحتذي به في مقتل اياد الحلاق ومقتل يعقوب أبو القيعان.

نعم على ما يبدو انه في مجزرة كفر قاسم والتغطية والدعم الذي تلقاه المجرمون الميدانيون من قبل أصحاب الشأن والسطوة في الحكومة الإسرائيلي هي أصبحت النموذج الذي تتبناه شرطة إسرائيل في تعاملها مع القتلة في ملفات اياد الحلاق ويعقوب أبو القيعان وكذلك في مجزرة أكتوبر 2000 بحيث لم يجر معاقبة ومحاكمة أي من مرتكبي هذه الجرائم.

مواجهة هذه العقلية هي بالإصرار هي بالإيمان المطلق بعدالة قضيتنا وبقدرتنا على المواجهة وانه عاجلا ام اجلا سيتم كشف الحقيقة مثلما حصل مع يعقوب أبو القيعان، ومثلما فضحت كل المؤامرة والتغطية التي قام بها بن غوريون على القتلة ومكافأتهم، مثل ملينكي وشدمي الذين تبوؤوا مصادر أمنية رفيعة بعد قضائهم فترات قصيرة جدا في السجن، ومحاكمتهم الصورية التي جرت لهم.

نعم الإصرار والايمان المطلق بعدالة قضيتنا والنضال الحقيقي لكسر هذه العقلية هي الأداة الأفضل والأنجع لمواجهة هذه العقلية وافشالها فشلا ذريعًا.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب