عشر سنوات على رحيل القائد الشيوعي الرفيق نمر مرقس: أقوى من النسيان (2) – نص من سيرته الذاتية يُنشر لأول مرة

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

وهكذا كما ابلغتك في نهاية رسالتي السابقة، بدأت في مطلع العام 1979 أمارس عملي في موقع أضافي، جديد، من مواقع الخدمة في حقل "السيد الشعب" – رئيساً لسلطة محلية وعضواً في لجنة رؤساء السلطات المحلية العربية وسكرتيراً لها. ورغم ضخامة هاتين المهمتين الجماهيريتين اللتين جدتا على حياتي فقد ارتأى رفاقي في الحزب ان أستمر في تحمل مسؤولياتي الحزبية التي كنت أشغلها قبل انتخابي لهما. وهكذا استمريت عضواً في لجنة حزبنا المركزية وفي لجنة منطقة عكا الحزبية وسكرتاريتها، وسكرتيراً لمنظمة حزبنا المحلية. وارتباطاً بذلك استمررت عضواً في الهيئات القيادية للجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة في المستويات الثلاث.

أكاد اسمعك تقرأين هذا الكلام تتساءلين: وكيف قدرت على كل ذلك؟!

ليس بالأمر العجيب. فأذا برمج المرء وقته بدقة، واستغنى عن أيام الراحة- الا اذا سقط مريضاً- فأنه يغدو قادراً على تحمل أكثر من مسؤولية، خصوصاً أذا كان كدحه فكرياً. فهذا العضو العجيب الكامن في قمة جسد الأنسان والمسمى دماغاً، لا حصر لقدراته.  أنه ليس يداً ليعجز عن حمل أكثر من بطيخة في الوقت نفسه. وليس رِجلاً ليعجز عن الخطو الى الأمام والى الخلف، أو الى اليمين والشمال في الوقت نفسه.

أما الجسد الخاضع لأوامر وتوجيهات هذا الدماغ فهو أيضاً قابل للعمل والتحمل أكثر مما نعتقد. "هذه لحمة شدها تشتد"- كانت أمي تقول لأخي ولي في أيام صبانا عندما نتذمر من كثرة ما كان الوالد يطالبنا بعمله.

بالفعل، إذا كنت قادراً عضلياً أن ترفع جسماً يزن خمسين رطلاً، فانك اذا مرنت جسدك على رفع الستين والسبعين، فستغدو قادراً عليها.

ومن حسن حظي انني كنت قد عبرت الكثير من التمرينات خلال الستة وعشرين عاماً التي كانت قد انقضت آنذاك على عضويتي في الحزب. وهكذا لم تثقل علي المسؤوليتان الجماهيريتان الجديدتان كثيراً، سوى ما تبقى لي من وقت للراحة كنت غالباً ما اشتهيه.

"ما في راحة والزرع واقف" أيها الثوري! هكذا قالها أجدادك الفلاحون. فكيف والزرع في حقل شعبك قد صرحت بعرضه رياح السموم وتصارع الأشواك بعرضه الباقي في كل جانب؟!

بهذا كنت أحدث نفسي وأقنعها امام كثافة العمل الذي غرقت فيه. ولكن فوق هذا كله هنالك قرارات الدماغ الجماعي للحزب- هيئاته القيادية المنتخبة. فما تراه وتقرره هذه الهيئات يكون صحيحاً وصائباً ألا فيما ندر. فكم بالحري وان اعضاء هذه الهيئات في ذلك الزمان كانوا بأغلبيتهم الساحقة يتنافسون على العطاء، ناقلين عدوى تنافسهم الرفاقي الثوري هذا الى قواعده. واتذكر من تلك الأيام كيف درج على لساني وعلى ألسنة رفاقي المتفرغين مثلي للعمل الحزبي، ذلك الجواب الخاص على "كيف حالك؟" عندما كنا نلتقي: "لا بأس.. مش فاضي أمرض"!

**

عندما بدأت في مطلع العام 1979  أمارس مسؤوليتي الجديدة رئيساً لسلطة محلية عربية في أسرائيل، وسكرتيراً للجنة رؤساء السلطات المحلية العربية فيها، كانت الدولة قد انها العقود الثلاثة الأولى من عمرها وقطعت معظم العام الأول من عقدها الرابع. دولة حديثة العهد مثل عشرات الدول التي نشأت قبلها وبعدها في العقود الثلاثة التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية. ولكنها برزت غير عادية بين مثيلاتها هذه. فبينما كانت تلك الدول تكابد الإرث الثقيل الذي خلفه لها حكم لصوص الاستعمار القديم المنهار وتجاهد في حياتها الجديدة، كانت "دولتنا" قد غدت كاملة البناء، وتحتل مكاناً مرموقاً بين دول رأس المال المتقدمة، تماماً كإحدى دول غرب اوروبا والشمال الأمريكي العتيقة. ولا تفرق عنها الا بجوانب تبدو وكأنها ليست بذات بال ولكنها- أي هذه الفوارق- لم تكن محض صدفة، وانما من مستلزمات استراتيجية منشئيها. ومنها مثلاً أنه لم تكن للدولة بعد حدود ثابتة ونهائية. فما جرى التعارف عليه حتى الرابع من حزيران 1967 بأنه حدود، كان عملياً خطوطاً لاتفاقيات الهدنة التي وقعها سادة الدولة مع سادة الدول العربية المجاورة – مصر والمملكة الأردنية وسوريا ولبنان- في العام 1949، واختتموا بها تمثيلية حرب 1948. وبعد حرب الخامس من حزيران 1967 – حرب الأيام الستة- التي شنها سادة الدولة على الدول الثلاثة الولى، واحتلالهم لشبه جزيرة سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية وكل الأراضي الفلسطينية التي ألحقت بمصر وبالمملكة الأردنية الهاشمية بعد اتفاقيات الهدنة المذكورة لقاء مساهمة اسيادهم في منع قيام الدولة الفلسطينية.  صارت تلك الخطوط – الحدود الشمالية تسمى " الخط الأخضر"! لماذا الأخضر؟! لا أدري. قد يكون المقصود بهذه التسمية الإشارة الى انها خطوط يمكن تجاوزها. فاللون الخضر في تنظيم السير يعني للسائق جواز المرور! فالطريق سالكة!

والحقيقة أن الطريق كانت سالكة أمام سادة الدولة وآلتهم العسكرية، فاجتازوا ذلك الخط الأخضر الى مواقع أعمق ليقيموا خطوطاً حدودية جديدة للهدنة، "فحيث يصل جيشنا تكون هناك حدودنا" كما قالها ألمع عسكرييهم، موشيه ديان. لذا فلا حاجة لرسم حدود ثابتة ونهائية للدولة- كما هو قائم في كل دول الرض- ما دامت المكانيات متيسرة للتوسع على حساب اوطان الآخرين!

ففي العام 1948 كانت الإمكانيات قائمة، فضم سادة الدولة نصف ما كان مخصصاً من الأرض لقيام الدولة الفلسطينية وسمحوا لمصر الفاروقية ولشرق الأردن الهاشمية بضم النصف الباقي، وفقاً لتفاهمات بريطانيا العظمى وأمريكا الأعظم آنذاك. وفي حزيران 1967 سنحت الفرصة من جديد "فاستردوا الأمانة" مع اضافات أكبر. ومن يدري الا تسنح الفرصة مستقبلاً ما دام بقايا الاستعمار، القديم والجديد، وشركاؤه الصغار في قمع شعوبهم ولصَ ثمار كدحها وموارد اوطانها هم الحاكمون في هذه الأوطان؟! فها هم اليوم- في مطلع العام 1979- ولما ينقضي عقد واحد على رحيل عبد الناصر، يهرعون لتقديم رأس الثورة المصرية – رأس حركة التحرر الوطني العربية- الى السيد وشريكه الأعظم في المنطقة ينتظرانهم في كامب ديفيد مع كامل الاستعدادات لطقس التسلم والتسليم. لقد كان ممثلو هؤلاء- انور السادات وقطط مصر السمان- مستعدين لإتمام هذا الطقس منذ حجيجه الى الكنيست. ولكن "الأصدقاء" في واشنطن وتل ابيب ارادوا امتحان اخلاصه ومن يمثل. هل تقف مصر صامته اذا نفذوا عدوانات جديدة على شعوب المنطقة؟  فشنوا اجتياحهم على جنوب لبنان واحتلوه في ربيع 1978. وكان هذا هو الامتحان وقد نجح انور السادات وقططه السمان فيه نجاحاً مدوياً. وسلكوا وكان شيئاً لم يحدث. لا دمار ولا تشريد ولا سفك دماء. فمن نفذ الاجتياح جيش متنور طاهر السلاح، يحتل اراضي الاخرين بالبسمات والورود!

آه يا بنية! ما زالت زعقة مناحم بيغن في خطابه عند استقبال السادات بالكنيست "نو مور وور... نو مور بلدشيت" تصر في آذاني. "لا حرب بعد ولا سفك دماء"!  فهل كانت حرب الليطاني تلك حرباً بالإسم فقط؟! وهل كان الدم اللبناني والفلسطيني الذي سفكوه فيها، ماءً؟!

وعلى تلك الأراضي المصرية والسورية والفلسطينية اقامت المستوطنات ومشاريع وكأنها ملكها الأبدي- واما في الجنوب اللبناني فقد اقامت دويلة ثابتة برئيس وجيش وسجون واذاعة وتلفزيون.

وهكذا غدا واضحاً ان الدولة "الملجاً" لشعب مضطهد ومطارد، كما وصفها سادتها قبل وبعد انشائها- قد تحولت وبسرعة مذهلة، الى دولة لاضطهاد الشعوب الأخرى ومطاردتها! وتمارس حكماً استعمارياً مباشراً في زمن انهيار الاستعمار الكولونيالي القديم بكل ما يعنيه هذا لحكم من قمع وتدمير وتشويه واذلال.

غدا واضحاً في نهاية العقد الثالث من عمر الدولة ان اسيادها لا يريدونها دولة عادية تعيش سلام ووئام مع الشعوب المجاورة، وانما شريكاً للدول الإمبريالية العتيقة في قمع هذه الشعوب ونهبها وعرقلة تطور اوطانها. وهل هناك وسيلة لتحقيق هذه الهدف اقوى من الحروب المتواصلة المنهكة؟!

وهذه هي الوسيلة التي لجاً اليها سادة "دولتنا" لتامين تلك الاهداف للصوص الامبريالية العالمية، الأوروبيين والأمريكان والجنوب افريقيين، اليهود وغير اليهود، ولعقود عديدة قادمة.

ومن يختر الحرب وسيلة، يخلق المبررات لشنها. فكيف اذا كان يتحكم بوسائل الإعلام النافذة كما هو الحال مع سادة اسرائيل وشركائهم في غرب اوروبا والولايات المتحدة الأمريكي- ومراكز الأبحاث والخبراء والبروفيسوريين والدكاترة وكل ما يريدون من صحفيين واعلاميين الذين يتقنون التزوير والتدليس ويجعلون من الباطل حقاً ومن الحق باطلاً؟!  ويوهمون الناس العاديين ان الليل نهار والنهار ليلاً؟!

 

 

الرفيق نمر مرقس

تاريخ الميلاد ؛ 15 شباط 1930

• أنهى تعليمه الابتدائي في مدرسة القرية عام 1943.

• أنهى تعليمه الثانوي في مدرسة عكا الثانوية الحكومية عام 1945.

• من ايلول 1946- وحتى نيسان 1948

عمل معلماً اضافياً في مدرسة دالية الكرمل الإبتدائية  كان عمره 16 عندما بدأ يعلم.

• من ايار عام 1948 عام النكبة وحتى خريف 1950 عاش عاطلاً عن العمل.

• في عام 1949 شارك والمرحوم حنا نقولا دلة ومجموعة من الشباب المتعلم في تأسيس النادي الثقافي "في القرية وقد نشط هذا النادي طيلة الأعوام سنوات الخمسين بتنظيم فعاليات ثقافية عامة، اشتهر منها مهرجانات الشعر الجماهيرية.

• في عامي 51\1950 دخل دورة إعداد المعلمين العرب في يافا وتخرج منها.

• من عام 1951 وحتى 1958 عمل معلماً في عدة مدارس ابتدائية ( وسكن في القرى) : عرابة البطوف، البعنة، دير الأسد، كفرياسيف، برطعه، البير المكسور).

• عام 1952 أقام مع زملاء له كتلة المعلمين الديمقراطيين التي نشطت في الدفاع عن حقوق المعلمين وعن احتياجات التعليم في المدارس العربية. وهو من مؤسسي لجنة متابعة قضايا التعليم العربي

• عام 1953 انتسب لعضوية الحزب الشيوعي

1958 تزوج من رفيقة دربه نبيهة دلة مرقس ولهم ستة بنات واربعة عشر حفيد وحفيدة

• عام 1958 فصلته وزارة المعارف من العمل لأسباب سياسية

• في انتخابات مجلس كفرياسيف المحلي في خريف العام 1959 تم انتخابه عضواً للمجلس المحلي من قِبل كتلة كفرياسيف الديمقراطية، التي كان يرأسها يني قسطندي يني (رئيس المجلس) بالإضافة إلى رفيقيه يوسف توفيق شحادة ومحمد نايف الحاج.

• عام 1959 وحتى 1978 عمل متفرغاً في الحزب الشيوعي وضمن عمله هذا اشتغل في تحرير مجلة" الغد لمدة 15 عام.

• 1967- درس في المدرسة الحزبية في موسكو ستة أشهر.

• في 1975 سنة اليوبيل الذهبي لتأسيس مجلس كفرياسيف المحلي، أقام مع فريق من الشباب العمال ومن المتعلمين في القرية، "لجنة اليوبيل الاهلية" التي بادرت الى اعمال تطوعية عديدة ونشاطات عديدة احتفالًا بالمناسبة.

• في أيار 1978 بادر ورفاقه في فرع الحزب الشيوعي إلى إقامة فرع الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة في كفرياسيف.

• في انتخابات مجلس كفرياسيف المحلي في خريف 1978

تم انتخابه رئيساً مجلس كفرياسيف المحلي، وقد أُعيد انتخابه رئيساً للمجلس المحلي في عام 1983 وانتخابات عام 1990، وانتخابات عام 1993. وعمل في تلك الفترة سكرتيراً للجنة الرؤساء القطرية

• في 1999\1\9 خرج للتقاعد بعد أن شارف عمره على السبعين

من هواياته البستنة والعمل الزراعي وفد غرس في فترة تقاعده 100 شجرة زيتون.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين