صعب أن تجد في الرزنامة الفلسطينية، في أيام السنة الـ 365، يومًا لم تقع فيه واحدة من جرائم عصابات الحركة الصهيونية، ومن ثم وليدتها إسرائيل، إلا أن عددا من تلك الجرائم الإرهابية، شكلت محطات فارقة، إما لحجمها أو لهدفها العيني، حتى أن كل الجرائم الصهيونية، من سلب الأرض والقتل والمجازر، وسياسات التمييز العنصري، ضد جماهيرنا العربية، قائمة على ما ترتكز الحركة الصهيونية عليه، من عقلية اقتلاع شعب بأكمله من وطنه، وسحب شرعية وجوده؛ هذه العقلية، التي انعكست في وعد بلفور، وما تسمى بـ "وثيقة الاستقلال"، وأخيرا، وليس آخرا، في قانون القومية، وقبله عشرت القوانين العنصرية، التي قوننت التمييز والاضطهاد.
مجزرة كفر قاسم، هي واحدة من الجرائم الإرهابية التي كان لها هدف واضح، بعد ثماني سنوات من الإعلان عن قيام إسرائيل، واستيعاب الحركة الصهيونية والحُكم الإسرائيلي، حقيقة أن جريمة الاقتلاع لم تكتمل: "الخطأ التاريخي الذي ارتكبته الصهيونية، هو بقاء 153 ألف فلسطيني في وطنهم"، مقولة جاءت على لسان دافيد بن غريون، وأمثاله. وكان القصد المناطق التي بسط الحُكم الإسرائيلي نفوذه عليها في عام النكبة 1948.
وكان الهدف استئناف جرائم الترحيل تحت الترهيب، بذات الأسلوب الذي استخدمته العصابات الصهيونية حتى العام 1948، ليواصل المهمة "الجيش الإسرائيلي"، الذي جاءت عناصره وقيادته من عناصر وقيادات تلك العصابات: مجزرة مروّعة في مكان ما، تخيف أهل البلدة وجوارها، ويبدأ الرحيل. لذا فإن محاصرة قرية كفر قاسم، لارتكاب المجزرة، كان من ثلاث جهات، وإبقاء الجهة الغربية مفتوحة، لإتاحة الفرصة لأهالي القرية ليهربوا نحو الضفة، ثم اغلاق الحدود عليهم، ولكن هذا لم يتم، رغم سقوط 49 شهيدا، وعدد من المصابين، الذين منهم من أظهر نفسه ميتا، كي لا يجهزوا عليها في ذلك اليوم الدموي.
الجريمة لم تنته في ذلك اليوم، بل استمرت في محاصرة القرية لمنع شيوع النبأ، حتى تسلل الرفيقان ماير فلنر وتوفيق طوبي، عضوا الكنيست في حينه عن كتلة الحزب الشيوعي، إلى القرية، ويكشفا عن هول الجريمة.
ثم استخدم الحُكم العسكري سطوته على أهالي القرية الصغيرة، وفرض عليهم تمثيلية "مصالحة"، في مشهد استبدادي استعلائي عنصري بغيض. والمحطة الثالثة، هي المحاكمة الصورية التي جرت للمسؤولين الميدانيين، وأبرزهم الضابط شدمي، الذي حكمت عليه المحكمة غرامة بدفع قرش واحد. وهو حُكم رآه الصهاينة أنه "ظالم"، لأن حياة الفلسطيني وملايين الفلسطينيين، لا تساوي حتى قرش إسرائيليا، ومن هنا جاء "قرش شدمي" كإحدى تسميات العقلية الصهيونية الاقتلاعية الإرهابية.
قبل وبعد مجزرة كفر قاسم، وقعت وما تزال الجرائم الصهيونية الإسرائيلية، وقتل الشعب الفلسطيني، إما مباشرة، أو من خلال ممارسات القتل البطيء بالحصار والتجويع والحرمان من الحق بالعيش الكريم، ومحاصرة المهجّرين من وطنهم وفي وطنهم.
إن عقلية التهجير والاقتلاع قائمة في مخطط تضييق الحياة على كل فلسطيني في وطنه، أيا كان في فلسطين التاريخية، إن كان في المناطق المحتلة منذ العام 1967، بأدوات الحكم العسكري والحصار والجدار، وسلب الأراضي ومحاصرة البلدات في القطاع، والحصار التجويعي في قطاع غزة، وكل هذا لإبقاء الفلسطيني يغوص في دائرة الجوع، يركض وراء قوت يومه، بهدف شله عن مقاومة الاحتلال.
وأيضا في حالة جماهيرنا العربية، فالحصار قائم على جميع مدننا وقرانا العربية، ومنع توسيع مناطق نفوذها، باسترداد ولو جزء مما سلب منها على مر السنين، وجعلها تعيش في ظروف اختناق سكاني، لتبقى بلداتنا من دون فرص التطور العصري. وبموازاة ذلك، التمييز العنصري في الميزانيات في كافة مجالات الحياة، مع استهداف واضح لميزانيات التعليم، وضرب جهاز التعليم العربي برمته.
ومن هناك التضييق على فرص التعليم في المعاهد العليا، لعشرات السنين، الى جانب حاجز الرسوم الباهظة، التي لا تتناسب مع الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية السائدة في مجتمعنا العربي.
ثم سوق العمل، الذي ترتكب فيها أبشع الجرائم ضد الإنسانية: الحرمان من مناطق صناعية وفرص عمل في البلدات والمناطق العربية، وحرمان المرأة العربية من فرص عمل كافية وملائمة، ونسبة بطالة تعادل أربعة إلى خمسة اضعافها بين اليهود، بينما معدل رواتب العرب، أقل من 60% من معدل رواتب اليهود، و67% من معدل الرواتب العام.
هذا كله هدفه تضييق فرص الحياة، لدفع الأجيال الصاعدة على هجرة الوطن، ويسمونها "هجرة طوعية"، ولكن هذا ما أفشلناه على مر 7 عقود ونيّف، بفضل النضال الصلب والعنيد، الذي وضع أسسه الحزب الشيوعي في العقود الثلاثة الأولى ما بعد النكبة، وما تزال أسسه هي قاعدة نضالنا الجماهيري، مع تطور آلياته وفق تطور التحديات.
أما عقلية "قرش شدمي" فهذه نواجها كل الأيام وعلى مر السنين، هذه العقلية القائمة في أوامر السهولة في الضغط على الزناد ضد كل عربي، قبل العام 2000 وبعده. وهي العقلية التي وراء غض الطرف عن جرائم المستوطنين، ضد أهلنا في الضفة والقدس، وحتى في بعض بلداتنا التي طالها احراق مساجد والاعتداء على ممتلكات.
عشرات الجرائم تسجل ضد مجهول، مثل الجرائم السنوية الجارية في هذه الأيام، في موسم قطف الزيتون، تحت سمع وبصر جيش الاحتلال في جميع أنحاء الضفة. ولا يلاحظ كثيرون الى أن ضحايا مجزرة كفر قاسم الإرهابية، كانوا هم أيضًا عائدين في ساعات المساء الأولى من كروم الزيتون في موسم قطفه.
في الذكرى الـ 64 لمجزرة كفر قاسم، وبعد 72 عاما وأكثر من عام النكبة فإن العقلية ما زالت على أسسها، وأدواتها زادت شراسة، وهناك من يريد أنسنة الصهيونية، وآخرون يريدون "مصالحة" مع الصهيونية، وكأن القضية طوشة عمومية، والمسألة مسألة "تفاهم وصلحة"، كتلك "الصلحة" التي جرت في كفر قاسم.
أمام كل هذا، فإن بقاءنا واصرارنا على العيش بكرامة، وتطبيق حقوق شعبنا المشروعة، تحتاج منا أن لا نضيّع البوصلة، تلك البوصلة التي أشار لها الاولون، نضال عنيد دون مهادنة، فكل ما أنجزناه اليوم، من بقاء والحفاظ على الهوية، والتطور رغم عدم كفايته، هو على الرغم من أنف الصهيونية وليس بفضلها.



.png)

.png)






.png)

