عن الانزلاق البكتيري نحو معادلات "القنبلة الديموغرافية".. عيساوي فريج مثلًا| مريم أبو الهيجاء

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

"أتحدّث من مفهومكم.."، هكذا حاول ما يسمّى بوزير التعاون الإقليمي عضو "ميرتس"، النائب عيساوي فريج، أمس الأول الأربعاء، أن يُبرز حضوره الانبطاحي الذي بات يتدنى يومًا بعد آخر دون قاع يمكننا حساب عمقه، في جلسة لجنة الأمن الداخلي التي ناقشت بالأساس موضوع "الجريمة في المجتمع العربي"، القضيّة الأكثر حرقةً في حياتنا الراهنة والتي باتت ترعد وجودنا وبقاءنا نحن الفلسطينيين، أصحاب هذه الأرض في وطننا، مع كفاحنا المستمر كي نحظى بقليلٍ من الأمان المغموس بكثير من الكرامة التي لم ينسها فريج لوحده، إنّما هو وزمرة أخرى تُشاطره التصريحات والسلوكيّات "الستوكهولمية" الأكثر استهجانًا في حكومة الاحتلال، ضمن حرب طاحنة على النجوميّة على شاكلة اللهث وراء الحلم الأمريكي المغلّف هاهنا بوُجهة الأغلبية القامعة، المستعمرة والصهيونية.

فريج، بدا كمن لم تُثره الجريمة وعصاباتها المتآمرة على شعبنا مع الشاباك، والتي يريد هو بنفسه أن يحلّها بواسطة نفس اليد الّتي تغذيها، بل ولا مانع لديه من ادخال وكالة الاستخبارات الأمريكية لإنقاذنا نحن، مع أنّه "ناضل" حتّى حصل على حقيبة وزارية وساهم وحزبه في تقوية العصب الكولونيالي لهذه الحكومة التي يمكنها أن تقرّ خطوات فعليّة لمعالجة هذه الآفة دون ايعازات الجيش وجهاز الأمن العام واقتحامهما لحيزنا الشخصي الذي يهددونه كذلك بشتّى الطرق، ولم يخجل من أن يتحدّث بدونيّة العربي الذليل داخل الكنيست وأمام روّاد الاستيطان وأصحاب معادلات القنبلة الديموغرافية والخطر الوجودي والقومي على الأكثرية الفوقية اليهودية بقيادة العرب… الأصحاب الأصلانيين لهذه البلاد.

ولو بدأتُ بالاقتباس التّالي، لظنّ القرّاء أنه يعود لربّما للسّنوات الّتي تلت النّكبة، لتصريحات قادة صهيونيّين انشغلوا بتحديد معالم الفوقية اليهوديّة حتّى بلغت ذروة قوننتها رسميًا بقانون القومية وباتت تتكرّر اليوم من أفواه الفاشيين القابعين على سدة الحكم. ولعلّ الخطر الكامن في تصريحات فريج -الّذي جلس صاغرًا أمام الإعلام الإسرائيلي محاولًا تجميل عدوانية الكاهاني رئيس حزب الصهيونية الدينية الفاشي ايتمار بن غفير أمام محاولات التصدي لاستفزازه للأسير مقداد القواسمة الذي يخوض معركةً بطولية ليس على خلاصه الفردي من خلال رفضه لاعتقاله الإداري التعسفي، بل على قضيّته العادلة التي أسس وما زال يؤسس لها الأسرى والأسيرات الباسلات-، هذه الخطورة ليست فقط في تكريس التبجحات الصهيونية والقلق الداهم على يهودية الدولة وتمددها وتفوقها الجيوسياسي، إنّما في تثبيت الرواية الّتي تديننا نحنُ وتصوّرنا على أننا وحوش تنقضّ على حيوات الآخرين وتهدّد أمنهم ومكان سكناهم وتشكّل خطرًا على معادلات وتوازنات حضور الأغلبية اليهودية الّتي تضمن ثبات مؤسسة القهر القومي، تمامًا كما تضمن المؤسسات الإعلامية الإسرائيلية التي تستضيفه بقاء قنواتها مفتوحة بالتجند الكامل لصالح رواية الاحتلال وفتح مقارها كمكاتب تحقيق مخافة ضعضعة السلطة وضياع مصالحها فيها.

فقد صرّح فريج خشيةً على مشاعر وترهات بينيت وشاكيد وغيرهما ممّن يرعاهم بوجوده في الحكومة، ان "انعدام الأمن الشخصي في المجتمع العربيّ يسبّب هجرةً إلى البلدات اليهودية"، وعن السببية والمنطق في هرطقاته لا يُمكن خوض نقاش موسّع، إلا أنّه تابع بنبرة الحارس الشّخصي للمشروع الصهيوني متخوفًا من صرر الدنانير التي تدرها علينا المؤسسة من أن تذهب هباءً، قائلًا: "حينها يجب عليكم فتح مدارس عربية هناك، في نوف هجليل، في كرمئيل، عكا وحيفا، وفي كل مكان. عشرات الأزواج الشابة اشترت منازل".

وواصل فريج تصريحاته المشينة مذهولًا من احتمال تبدل حال الهوية الاثنية مع "تفاقم" الأقلية وانتشارها في محاولة تذلل تدفع مؤسسته لبذل مزيد من الجهد للاستثمار الفعلي في البلدات العربيّة منعًا لاكتساح عربي فلسطيني، قائلًا: "أريد أن أقول للأغلبية اليهودية في هذه الدولة أمرين، الأغلبية اليهودية والفكرة الصهيونية التي تقضي بالحفاظ على أغلبية أبدية يهودية تواجه خطرًا، أقول لكم ذلك بشكل مباشر، يوجد توجّه عندنا برفع وتيرة الإنجاب، نحن نريد إنجاب المزيد من الأبناء، لأن الطفل الأول أو الثاني يواجه خطر الموت، نحن نريد إنجاب الثالث لنضمن استمراريتنا لذلك، الأغلبية في خطر"، وكأنّ "فطنته" هذه قد تزلزل أركان الدولة وترشد حماتها لإسعاف جرحنا بأي طريقة يراها بنفسه مناسبة، متعمدًا التجاهل أن في ذلك مخططًا يدفع لتهجيرنا من البلاد برمتها، بل وتفتيتنا لنلهو في أمننا الشخصي ونطوّر منظومات دفاع فردانية غير ملتحمة مع الهم الجمعي، تلقي بنا عنوةً بعيدًا عن معاركنا السياسية الحقّة التي يجب أن نخوضها وسط مساعي تصفية وجودنا، بينما يقف فريج وغيره على الضفة المقابلة لنا.

لا يُمكن سماع هذه الأقوال الخطيرة، والمرور عليها مرّ الكرام بمعزل عن السّياق الأكبر في محاولة تطبيعنا على أنها وجهات نظر قابلة للنقاش في "قهوة" أو حتى صالون سياسي "ثقافي"، حتّى ولو باتت جزءًا من منظومة التشويهات السياسية والاجتماعية الممنهجة التي يمارسها "أبناء جلدتنا" المنزوعين عن الواقع، اللاهثين وراء صورةٍ هنا وتغطية هناك بأي ثمنٍ، ولمَ الحديث عن ثمنٍ أصلًا طالما الجباية في أن تمارس دور القاهر وتتطبع بخصاله وتكون جزءًا من حكومته وأقصى دور تلعبه هو الـ"كومبارس"؟، فريج لم يأتِ بتصريحاته عبثًا حتّى لو بدا كما شخصية "المتحامق" في الروايات، ولا يمكن اعتبار ما يأتي به على الدّوام على أنه "ساتيرا" متحذلقة في واقع مظلم، انّما جاءت أقواله تحت مظلة "النهج الجديد" البكتيري، هذا النّهج الّذي روّجت له القائمة "الموحدة" وذهبت به بعيدًا إلى أن تعرّت تمامًا حتّى أمام حُججها هي باسم "الفتات" وأوهام المصلحة العامة، وهذا لا يبعث بالطبع على التأمل من "ميرتس" لإدانة تصريحاته حتّى مع وجود هذا التباين في ما يُدلى من آراء ومواقف تُحسب لبعض أفراده، لكنّ ميكرو التفاصيل أشدّ وأقوى حينما نستذكر أقوال فريج: "حزبي...حزب صهيوني" وهنا الخلاصة.

 

الصورة: بالنضال وليس بالتذلّل! – مظاهرة في المثلث الشمالي ضد الجريمة، تشرين الأول 2019 (تصوير: أورن زيف، أكتتفستيلز)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين