عن التين واللغة والدين والسياسة وأشياء أخرى..| إبراهيم طه

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

قبل ثلاثين سنة تقريبًا كنت أزرع تينة سباعيّة في وعرتنا بمنطقة شِكّانة غربي البلد. جاء عمّي محمد الجاد أبو فتحي، ولا يجيء اليوم، رحمه الله وطيّب تربته. جاء من وعرته في منطقة حوزريا يحمل قضيبًا تحت إبطه. وعمّي محمد معروف بإيمانه الفطري السويّ ومشهودٌ له بالورع. فاجأني. رفعت عيني ذاهلا عنه فرأيته واقفًا فوق رأسي تمامًا.. سمّيت يا عمي يا إبراهيم قبل ما تزرع؟! نعم، سمّيت يا عمّي محمد.. مليح، قبل ما تهيل التراب على عرق التينة ابذر حصوات واعيات حوالي العرق. نقّيهن كبار شوي، هيك هالقدّ.. لإيش الحصوات يا عمّي محمد؟! عشان التربة تظلّ خفيفة، رطبة، محلحلة وما تجصّ. إذا التربة الحمرا بتجصّ بتخنق الشروش الطريّة وبتموت التينة يا عمي يا إبراهيم... رحم الله التراب الذي لمّ عظامك يا عمّي محمد!

              لماذا قفزت هذه القصّة إلى مقدّمة الذاكرة الآن؟ لا أعرف. لكنها قفزت، بقوّة قفزت وألحّت.. التقينا دون ميعاد أو تخطيط. وكانت صدفة أحسن من ميعاد. كان أخي أيمن عودة بصحبة الصديق المثقّف فتحي هيبي وشابّ لطيف نسيت اسمه فليسامحني. حكينا كثيرًا. تقافز الحكي ودلف رغم إرادتنا إلى شعابٍ ومسارب عديدة. حكينا في اللغة والدين والسياسة والهوية والانتخابات.. كان بعض الحكي ملفوفًا بلفافة رقيقة من الفلسفة، وبعضه كان على بساطة الفطرة. لم يفاجئني أخي أيمن بحمله الثقيل من الثقافة الممتدّة والمعرفة العرْضية العميقة. يعرف كيف يناقش بعمق هادئ ويحتجّ بالأسئلة الصحيحة بذكاء واضح. ويعرف كيف يصرّ عليها بأدب ظاهر يسم إصراره بالمرونة. لا أقول هذا الكلام كي أمنحه شهادة من عندي، لا سمح الله، بل أقول إنّ بعضًا من النقاشات ظلّت معلّقة لم تُحسم. أسجّلها هنا مخلوطة بتصرّف سعيًا إلى مزيد من النقاش المفتوح والمنفتح:  

 

(1) اللغة العربية وآدابها:

سعدت حين أخبرني أخي أيمن بعشقه للّغة العربية. وكنت قد سمعت مثل هذا الكلام من قبل من الأخوين العزيزين عليّ محمد بركة وعصام مخول في مناسبات مختلفة. وهي فعلا تُحبّ. يسعدني أن ينازعني غيري في حبّها. عشق اللغة العربية عند هؤلاء الإخوة الأعزّاء الثلاثة هو عروبة حقيقية صادقة. وأنا مثلهم أمارس بها عروبتي منذ ولدت. غير أنّ لغتي التي أعشقها ليست حزبًا ولا هي مقدّسة. والويل كلّ الويل لها إن هي ثبتت وجمدت وسكنت واستقرّت. لغة القرآن الكريم في غاية الجمال، مثلما قال أخي أيمن، لكنها ليست من القداسة في شيء. هي حاملة للمشروع الديني الإسلامي. المحمول نفسه مقدّس والحامل متغيّر لأنّ المحمول أكبر من حامله. معيار الدين التقوى وليست اللغة. كتبت غير مرّة عن السلفية اللغوية التي قد نجدها عند بعض اللغويين مشفوعة بالنوايا الحسنة. لكنّ الإصرار على ثبات حالتها الأولى يلقي بها إلى التهلكة. والأدب المكتوب بها جميل، مثل ألوانها المتقافزة جميل. وجمالها في مرونة طبقاتها وحركة إيقاعاتها وبركة نبضها وكثرة ألوانها. فهل عربيّة أدونيس مثل عربيّة إدريس، وهل عربيّة حجازي مثل عربيّة درويش وكلّها ألوان في اللغة نرتضيها في سياقاتها؟!

 

(2) الدين والطوائف والمواقف

 قد يكون التصويت لمنصور عباس لاعتبارات دينية. قد يكون. وقد يكون لاعتبارات طائفية لا علاقة لها بالدين ومنحاه. الدين شيء والطائفية شيء آخر، شيء آخر تمامًا. قد تجد ممّن يصوّتون لمنصور عباس نكاية بالآخرين لا حبًا به ولا بالدين. الدين قواعد فقهية وضوابط سماوية. الطائفية مشاعر وأحاسيس. وهذه قد تكون خبيثة سامّة مسمومة. وهي حالة مزاجية ظرفية مؤقّتة.

الأحزاب الشيوعية في الشرق العربي المحافظ في ورطة لا تُحسد عليها. من جهة أولى، إن هي دفعت بكلّ مواقفها بكلّ قوتها إلى مقدّمة أجندتها، دون أدنى اعتبار لخصوصيّات السياق المحافظ، دخلت في صراع طوعي مع الجانب المحافظ وخسرت على المدى القريب. ومن جهة ثانية، إن هي صنّفت معتقداتها ودرّجتها ورتّبتها بمعايير الأهميّة، من الأهمّ إلى الأقلّ أهمية، فقدّمت بعضها وسكتت عن بعضها الآخر إنصاتًا لحساسيّة الظرف، خسرت على المدى البعيد. وهي أمام خسارتين افتراضيّتين مطالبةٌ بالخيار. والخيار صعب. صحيح، لكنّ السياقات والتاريخ أقوى من المواقف في أحايين كثيرة.. للأمانة العلمية، هذه الجزئية عن ورطة الأحزاب الشيوعية في الشرق العربي لم تكن جزءًا عضويًا من النقاش وإن كانت من لواحقه التي تتذيّل به.

 

(3) الوطنيّة والمدنيّة:

قبل الحديث عن المواطنة والمدنيّة أذكّر من نسي أو كاد أنّ العربية تفهم الترادف بوصفه تتابعًا في المفردات. وهذا هو اسمه. والتتابع يعني المشابهة لا المطابقة. وعليه، لن تجد في العربية لفظتين أو جملتين تحملان معنى واحدًا يغنيهما عن غيره. قد تجد في اللفظة الواحدة معنيين، ولا ينعكس.. قال أبو علي الفارسي: كنتُ بمجلس سيف الدولة بحلَب وبالحضرة جماعةٌ من أهل اللغة وفيهم ابن خالويه، فقال ابن خالويه: إني أحفظ للسيفِ خمسين اسمًا، فتبسّم أبو علي وقال: إني لا أحفظ له إلا اسمًا واحدًا وهو السيف. قال ابن خالويه: فأين المُهَنَّد والصَّارِم وكذا وكذا؟ فقال أبو علي: هذه صفات. وكأنّ الشيخ لا يفرّق بين الاسم والصفة.

المواطنة في اللغة العربية والمدنيّة، التي تحدّث عنها ابن خلدون، تحيلان إلى أمرين مختلفين. والجمع بينهما في معنى واحد مضلّل ومربك في حالتنا كأقلّية فلسطينية. في العبرية لفظة אזרחות ولفظة Citizenship في الإنجليزية مثلا، تعني حالة مدنيّة سياسية تكرّسها الدولة ككيان سياسي يعطي حقوقًا ويطالب بواجبات. في لغتنا العربية، وهي الأغنى، تحمل المواطنة وجهًا جغرافيًا والمدنيّة وجهًا سياسيًا. المواطنة من الوطن الذي نسكن به وفيه وإليه. تنهض المواطنة في لغتنا إذًا على اعتبار الجغرافيا. والجغرافيا لا تنفصل عن التاريخ. والتاريخ حركة الناس في الجغرافيا. وإذا كان هناك ناس يتحرّكون في جغرافيا صاروا قومًا. المواطنة إذًا أقرب إلى القوميّة منها إلى المدنيّة. ولمّا كان من الطبيعي والمنطق السويّ أن يقيم القوم كيانًا سياسيًا على أرض وطنهم انضافت إليهما حالة ثالثة هي المدنيّة تساوقت معهما وتناغمت كلها في هيئة واحدة. وليس هذا هو الوضع في حالتنا نحن الفلسطينيين في إسرائيل. المصري مثلا يحمل الهوية المصرية (وهي علامة الدولة المصرية) على أرض الوطن المصري. وهكذا بقيّة شعوب الأرض وأقوامها.

 

(4) القومية:

تركت الحديث عن القومية لآخر المقال لغايةٍ في نفسي. القومية على ضربين اثنين: الأول فطري يتوالى بالتوارث، يُمارس بصفة يومية. والثاني تنظيمي محسوب ومُحَوْسَب. الأول أمارسه باللغة والتاريخ والثقافة ومستلزماتها وتوابعها. والثاني ردّ فعل مؤدلج، وليس فعلا مستقلا في ذاته. أعني أنّ القومية العربية المنتظمة والمتحزّبة مردودة في أصلها التاريخي إلى باعثين اثنين: مناهضة الاستعمار العثماني، وتحييد الدين الإسلامي كما لو كان عائقًا أمام الوحدة والتوحيد. تحت راية العروبة التي تسبق الإسلام يتّحد العرب كلهم بكلّ طوائفهم وأطيافهم. وفي الحالتين كانت القومية العربية ردّ فعل استجابة لظرف سياقي تاريخي. ما يعني أنها ظهرت كفعل مقاومة ضدّ الهيمنة العرقية والسياسية العثمانية وضدّ هيمنة الدين الواحد على بقيّة الديانات الأخرى. ومقاومة الهيمنة هي فعل تحرّري على مستوى المبدأ. غير أنّ الأسئلة التي ترافق هذا النقاش كثيرة ومعقّدة: كيف تصير القومية العربية استراتيجية إجرائية قادرة على حمل المشروع التحرّري والوحدوي؟ علمًا بأنّ تحويل العروبة إلى عقيدة ليس أمرًا سهلا رغم كلّ محاولات التنظير الجدّية. وهل هذا المشروع يسعى إلى غايات بعديّة، أعني بعد تحقيق الوحدة العربية؟ على العموم، يدرك القوميّون أنّ كلّ قومية فطرية تتحزّب أيديولوجيًا قد تخاطر أو تغامر أو تقامر. وحتى تحتمي من نفسها ينبغي أن تسائل نفسها باستمرار: هل هناك ضوابط محسوبة تكبح التفكير القومي العصبي وتمنع انزلاقه إلى حدود العنصرية العرقية التدميرية في سياقات تاريخية معينة، ولنا في النازية مثالٌ قريب؟ هل القومية علّة أم معلول؟ هل هي وسيلة لتحقيق مشروع أيديولوجي أم هي غاية في ذاتها ولذاتها؟ هل هي مشروع ثقافي حضاري أم سياسي؟ هل هي مشروع حماية وصيانة مستمرّة، ولنا في الصهيونية مثالٌ حيّ يسعى باستمرار وإصرار إلى تبرير الاحتلال وتسويغ القهر وصيانته؟ سألني طالب عبري مرّة "ماذا سيكتب الأديب الفلسطيني حين يزول الاحتلال؟" قلت له عِدني بأن يزول أعدك بألا نعود للكتابة عنه!

أنا أفاخر بعروبتي وأتشبّث بها فوق العادة لأنها تحميني، تمنحي سندًا حضاريًا وعمقًا ثقافيًا قويًا. أفاخر بعروبتي لأنها مشروع حضاري قدّم للإنسانية الكثير في كلّ مجالات المعرفة. والتاريخ يشهد على ما أقول. وأنا أتشبّث بها الآن، أكثر من أيّ وقت مضى، لأني مهدّد بها وبسببها من الداخل والخارج على حدّ سواء. انتمائي العروبي هو حالة حضارية وثقافية في المقام الأول، وليس مشروعًا لا لتحقيق غاية ولا لحماية هذه الغاية وصيانتها بعد تحقيقها. حتى مشروع عبد الناصر القومي ما كان ليحظى بكلّ هذا التماهي الشعوري والتأييد الفطري الجارف لو كان هجوميًا عدوانيًا ولم يكن دفاعًا عن أمّة ترزح تحت ثقل الاستعمار. أدلجة القوميّة هي فعل مؤقّت. أخشى أن يجعلوا عروبتي، مثلما أخشى أن يجعلوا ديني، مشروعًا لفعل خرابٍ كلّي. الداعشيّة مثال حيّ على هذا الموت والخراب. العروبة حقيقة ثابتة لا يماري فيها أحد ولا يجحدها أحد، لكنها مرنة لأنها خيارٌ ضمن خيارات. بعضنا يختارها الآن لقناعته التامة بحاجته الملحّة إليها. غير أننا نرى من دول الخليج مثلا من تنازل عنها ب"القرار والمشيئة" لأنهم لا يرونها من الثوابت التي يحتاجونها في مشروع الذلّ والهوان. وهي مرنة لأنها كيان دينامي حيّ نشوئي بطبعه ارتقائي يتراكم بالاجتهادات المستمرّة في العلوم والإبداع. وهي مرنة مرّة ثالثة لأنها ظرفية يتمسّك بها العربي ويقدّمها على كلّ الاعتبارات الأخرى وفقًا للظرف. والظرف متغيّر ومتبدّل بفطرته. وهي مرنة مرّة رابعة لأنّ القوميّات كلها موسومة بالفئوية. وهي فئوية لأنها خاصّة بحاجات أقوامٍ دون أقوام. والأقوام مختلفة وحاجاتها من المتغيّرات. 

رحمك الله يا عمّي محمد، ولك طول العمر وعرضه يا أخي أيمن...

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين