قيل لفقير جائع: كم اثنين في اثنين، قال: أربعة أرغفة
1
حادثتان منفصلتان تتعلقان بالدولار الأمريكي أصابت رأسي بالدوار وتركتني في ذهول عمّا يحدث في عالم المال والمصارف والبنوك. الحادثة الأولى، وكنتُ الشاهد الوحيد فيها، حيث صادف وجودي مع توقف سيارة دفع رباعي فارهة على أحد الطرق الفرعية بالقرب من راعي غنم في السفوح الجبلية لقرية "معترم" التابعة لمدينة أريحا في محافظة إدلب شمال غرب سورية، وذلك في أحد أيام الربيع المشمسة قبل سنوات من الآن، بينما كنتُ أُعاين موقعاً أثرياً في هذه السفوح الجبلية على حدود تلك القرية.
ترجّل السائق من سيارته وراح يفاصل الراعي في ثمن رأس الخروف الحي. وبعد جدل قصير، شاهدتُ المُشتري يدفع قطعتين من فئة مئة دولار، ثم يحمل الخروف السوري ويضعه في صندوق سيارته ثمّ يقود سيارته ويُغادر. وقبل أن يغيب الراعي بين أغنامه، سألته عمّا سيفعله بالدولارات الأمريكية في هذه القرية النائية. أجاب الراعي موضحاً: اتفقنا على تسعة آلاف ليرة سورية ثمناً للخروف إلا أن المشتري لا يحمل المبلغ بالليرات السورية، وقد رضيت بتلك الدولارات لأنني الرابح في هذه الصفقة، فهي تساوي أكثر من المبلغ المطلوب. كان الدولار يومها يُعادل أقل من خمسين ليرة سورية -رحم الله تلك الأيام، اليوم الدولار الواحد يُعادل سبعة آلاف وسبعمئة ليرة سورية، وذلك الخروف السوري، بشحمه ولحمة، الذي اشتراه صاحب السيارة لا يزال ثمنه قطعتين من فئة مئة دولار في سوق الحلال اليوم في مدينة إدلب، تسأل: كيف ذلك؟
هو الأمر كذلك- فهمتُ من الراعي أنه يعمل في ورشة بناء في لبنان، ومن الطبيعي أن يتعامل بالدولارات الأمريكية ويعرف قيمتها الشرائية. وقد لا تكون هذه الحادثة فريدة كما نظن، لأن الدولار كعملة يتم تداولها في أنحاء الأرض جميعاً. والعملة في المعاجم، أجرة العمل. يقال: سعيد رديء العملة أي المعاملة إذا كان لا يفي ما عليه من النقود. والنقد مصدر نقد، والجمع نقود ما يعطي من الثمن معجلاً. واليوم انتقل دور العملة التاريخي من وسيلة تبادل في البيع والشراء إلى بضاعة أو سلعة تباع وتُشترى بحد ذاتها، وصار لها مصارف وصيارفة وأسواق فخمة ضخمة في أشهر شوارع مدن العالم، وزبائن من كل أصقاع الأرض. والأدهى من ذلك كله أنك لا تشيل النقود في جيبك أو محفظتك بل معك "كرت بنك" بأشكال وألوان مختلفة تشترى من خلاله ما تشاء وتفعل ذلك في جميع معاملاتك المالية، فأموالك "مودعة" في البنك، في الحفظ والصون. وكلمة "مودعة" اسم، وهو في عرفنا، نحن أهل الفلاحة والزراعة "بيضة دجاج" نتركها في قن الدجاج كي تبيض الدجاجات إلى جنبها حتى لا تُضيّع الدجاجات مكان بيضها، فكثيراً ما تتوه الدجاجات لصغر عقلها، فتبيض خارج القن، إن لم نترك لها "مودعة" بمثابة علامة.
2
الحادثة الثانية جرت وقائعها على شاشة قناة الجزيرة، فقد استضاف أحمد منصور في برنامجه المعروف "بلا حدود" أحد أشهر خبراء الصين في المال والبنوك السيد "سونغ هو نغيينغ" قال فيه بأن حكومته تحتفظ في خزائن مصرفها المركزي في بكين بكمية ضخمة من الدولارات الأمريكية وهو أكبر احتياطيّ من الدولارات في العالم. والصين تستعمل هذه البضاعة "الدولارات" كبيضة قبان-عُدنا إلى البيض- للمحافظة على نمو وتوازن اقتصادها بعيداً عن الهزات المفاجئة، وكي تشتري النفط، الذي يباع في الأسواق العالمية بالعملة الأمريكية.
وفي معرض حديثه عن سيطرة الدولار في المعاملات التجارية العالمية قال: إن تصنيع الورقة الواحدة من فئة مئة دولار يكلّف الحكومة الأمريكية أقل من نصف دولار. والمفاجأة التي أذهلت الخبير الصيني ومن ثم أحمد منصور ومن ثم العبد الفقير الذي يكتب هذه الكلمات هي: يُعتقد بأن الحكومة الأمريكية تملك حق السيطرة على طبع العملة من الدولار. هذا هو الطبيعي والمعهود، الكل يفكر بهذه الطريقة، لأن العملة هي السبيل القانوني المشروع الوحيد لتسوية الديون والمستحقات. إذاً كيف يمكن لهذا الأمر أن يترك بأيدي قطاع خاص أو عائلات وأُسر عريقة في هذا المجال؟
نعم، البنك المركزي الأمريكي يخضع لشراكة مع مُلاك صيارفة من القطاع الخاص، وهذه مفاجأة كبيرة، لأننا نعتقد أن البنوك المركزية التي تطبع العملات يجب أن تكون ملك الدولة بالكامل، لكن الحقيقة غير ذلك أنها وبطريقة ما شريكة مع ملاك من القطاع المصرفي الخاص. لأن القطاع الخاص في الأساس كان سبّاقاً وقامت على عاتقه فكرة تأسيس أول البنوك في العالم، وحتى الدول والحكومات كانت تقترض من هذه البنوك الخاصة، وما زال الأمر كذلك في الكثير من دول العالم. وهذه المعلومات دوختني، وبلبلت عقلي، وجعلتني أفكر على النحو التالي:
3
لو تعاملنا مع العملة الورقية على أنها بضاعة. والظاهر بأنها بضاعة قولاً وفعلاً، بضاعة حقيقية، مثل كل البضائع، حسب تعريف البضاعة في الصفحات الأولى من كتاب كارل ماركس "رأس المال" فالعملات الورقية تُباع وتُشترى. والدولارات هي في حقيقة الأمر بضاعة والقطعة الواحدة من فئة مئة دولار كُلْفة تصنيعها في الولايات المتحدة الأمريكية أقل من نصف دولار، ولكنها تطرح في أسواق المال العالمية بقيمتها الورقية المطبوعة عليها، إن صح التعبير، أو لنقُل هي تشتري بقيمتها المتعارف عليها الكثير من البضائع. وبما أن القطاع المصرفي الخاص في الولايات المتحدة الأمريكية يحتكر صناعة الدولار، فإن بيع كل مئة دولار في السوق يعود عليه بربح قدره تسعة وتسعين دولاراً ونصف الدولار. وهذه لعمري أكبر تجارة رابحة مرت في تاريخ البشرية من يوم عرفت تبادل البضاعة.
وبما أن أصحاب رأس المال في الولايات المتحدة الأمريكية يبادلون النفط والمواد الأولية من مختلف بلدان العالم بعملة ورقية تعرف بالدولار، فماذا يعني هذا؟ والسؤال الآخر هنا هل هذه الكتلة النقدية الضخمة تعادل قيمة البضائع المنتجة؟ أغلب التقديرات تُشير إلى أن الكتلة النقدية المطبوعة بالدولارات الأمريكية تزيد كثيراً عن حاجة الإنتاج الفعلي للتبادل بين الكتلتين العملة والبضاعة. وهذه المعادلة الاقتصادية في نهاية الأمر تكون في صالح أصحاب رأس المال. والنتيجة النهائية لتبادل البضاعة هذا لا يذهب بكل تأكيد إلى جيب الراعي السوري المسكين الذي بادل بضعته تلك الأيام وهي الخروف السوري بدولار أمريكي واحد فقط، وذهبت باقي الدولارات إلى خزينة المصرف المركزي الأمريكي، كيف ذلك؟
هو الأمر كذلك، لأن الراعي السوري أعطى سائق السيارة بضاعة حقيقية خروف بلحمه وشحمه كلّفه الكثير من الجهد والوقت والمال حتى صار خروفاً معتبراً منظره مع رفاقه وهو يرعي العشب الأخضر في الربيع يسرّ الناظرين، وأخذ بدلاً منه ورقتين من فئة مئة دولار كلفة صنعها دولاراً واحداً، صحيح أن الراعي يستطيع شراء ما يشاء بهذه الدولارات، ولكن المفارقة لا يزيلها هذا الأمر "خروف بقطعتين ورقيتين من فئة مئة دولار؟!"... فتأمل يا رعاك الله.
في الصورة: السفوح الجبلية لقرية "معترم" في محافظة إدلب شمال غرب سورية



.png)

.png)






.png)

