هي حكاية واحد من اللاجئين، بل هي في الحقيقة حكاية كل اللاجئين، الذين لجئوا إلى خارج وطنهم والذين لجئوا في وطنهم وأيضًا هي حكاية كل الباقين فيه.
عودة لاجئ هي حكاية شعب شردته الصهيونية بدعم كامل من الانتداب البريطاني وعملائها من الأنظمة العربية الخائنة. هو لاجئ كان يعيش في بلد اسمها "ميعار" قبل أن يتحول اسمها إلى "نكبة" وما زال يعيش في بلد اسمها "كابول".
كان يعيش ووالده وقبلهم أجداده يعيشون في "ميعار" التي صار اسمها "نكبة" وليس فقط قرية "ميعار" المهجرة هي التي نكبت بل أيضًا قرية "كابول" نُكبت وكل القرى والمدن الفلسطينية التي هجرت والتي بقيت.
لاجئ رحل من قرية "نكبة" إلى لبنان و"شاف الويل وهو مشمل للشمال"، كان دائمًا وعلى طول الطريق يلتفت إلى الخلف إلى وطنه غير مصدق أنه يرحل عنه لكنه أخيرًا وبعد طريق شاقة ومضنية وصل الحدود اللبنانية الفلسطينية ومنها استمر في المشي لمخيم "عين الحلوة". لا أدري إن ساعدوه في بناء خيمته أو بناها هو لوحده لكن وعلى ما يبدو أنهم "ساعدوه"، الويل له على لجوئه والويل لمن "ساعده" عليه، تبًا لهم لم يساعدوه على البقاء والأمرّ من ذلك أنهم ساعدوه على اللجوء، كان نهجهم جديدًا في ذاك الزمن حين قالوا له "أسبوعين أو ثلاثة وبالكثير شهر" وسيعود إلى وطنه وسيعود الاسم ميعار كما كان. وهو "بالشادر" يعني الخيمة! التي ساعدوه على بنائها بمخيم "عين الحلوة" لِيبقى هناك وإلى "الأبد".
سنه ونصف لم يتمكن من البقاء أكثر في مخيم "عين الحلوة" ولا دقيقة غيرها، وعاد لكن بدون أن يعود الاسم ميعار وبقي الاسم "نكبة". أبدًا لم ينس وفاء واخلاص زوجته التي طلب منها اخوانها اللجوء معهم إلى "الشام" ولم توافق وبقيت معه ومع ابنهما. عمل بكل شيء من أجل زوجته وابنه طوال سنة ونصف، عاشهم في المخيم وكأنهم خمسة عشر عامًا لكن أبدًا لم ينس تلك الالتفاتة الى الخلف حين كان قادمًا إلى لبنان، إلى اللجوء، إلى مخيم عين الحلوة، ودائمًا كان قراره حاسمًا بأنه لا بد وأن يعود ولم يتحمل أكثر، ولم يتحمل الفراق، لا فراق وطنه ولا فراق ناسه وعاد.
عاد من مخيم "عين الحلوة" لأنه لم يتمكن من العيش خارج وطنه وبعيدًا عن أهله وناسه. وكما حدّث أبناءه كان يقف مستندًا على عمود "الشادر" ويبكي حظه التعيس في الابتعاد عن بلده، وحدثهم بأنه لم يكن هناك يوم واحد لم يبك فيه مستندًا على العمود يندب حظه خوفًا من الحاجة والعوز. .
ولم يكن هناك يوم واحد طوال السنة ونصف التي قضاها في مخيم "عين الحلوة" في لبنان لم يفكر في العودة إلى وطنه فِلسطين وحدثهم أيضًا بأنه حين كان عائدًا هو وزوجته وابنه البِكر لم يتوقفوا إلا إذا كان أحدهما يريد قضاء حاجته. وحدثهم بأن أخاهم البكر كان يقضي حاجته وهو يحمله على رقبته فتجري "المياه" إلى ظهره ثمّ حذائه وبأنه لم يكن يقف حين يقوم ابنه بفعلته. ولم ينس أن يحدث أبناءه عن كرم أهل القرى العربية في شمال فلسطين التي لم يتمكن الصهاينة والانجليز من تهجيرهم عن قراهم.
وحين وصل وبعد جهد ونضال عنيد تسلم "الهوية الحمراء" مرغمًا أخاك لا بطل، وبدأ بشق طريقه في العيش بعد تهجيره مثل بقية أهل بلده "نكبة" ومثل كل المدن والقرى التي هجرت وكان على علم بأن عودته لم تكن كاملة، إذ أنه لم يعُد إلى قريته ليعيد لها اسمها الأوّل والحقيقي "ميعار" بدل الاسم "نكبة" الذي حل بها. وسكن في "طمرة" البلد الكريم الذي يكرم ضيوفه، أنا ابن طمرة لكن لا يمكن أن أنسى "البلد". فنسيان البلد نسيان للتاريخ على أقل تقدير وخيانة للأمانة وأي أمانة! بل نسيان للأمانة التاريخية وأكثر من ذلك فنسيان البلد موافقه على نكران حق العودة. وليست طويلة هي الفترة الزمنية التي سكن فيها في طمرة، وبعدها سكن في كابول المجاورة. أنا من كابول البلد الكريم البلد المضياف لكني لا أنسى "البلد". ومثل ما عمل في لبنان مارس عمله هنا في وطنه الذي فقد فيه كل شيء، لأن عودته لم تكن كاملة.
وباشر عمله في "تون" الشيد في "الكبانية" يعني المستعمرة القريبة من كابول. وعمل في جمع الزيتون في الموسم كأجير في زيتون شعب الذي صادروه بعد أن شردوا أصحابه عن بلدهم. وعمل حصادًا أيضًا كأجير عند الفلاحين في كابول وغيرها من القرى المجاورة. لقد كان حصادًا ماهرًا. وتذكر أيام "البلد" حين كانت أمه تُغريه بشرائها السجائر له من أجل أن ينزل على الحصيدة في ارضه، وتأكله الحسرة على ذلك الزمن الذي كانت له فيه أرض رغم أنه عاد لوطنه ويعيش فيه.
لكن ورغم صعوبة العيش داخل الوطن هو يشعر بأن وطنه يعيش بداخله، يعيش فيه، يا لصعوبة هذه المعادلة، تعيش بوطنكَ ولا تملك منه شيئًا، ورغم أنك لا تملك منه أي شيء فإنّه يعيش فيك! كان يملك صوتًا جبليًا جميلًا لم يفكر أبدًا بأن صوتَه سيكون مصدر رزق له ولزوجته وأولاده فكر بأن صوته من الممكن أن يطربه ويطرب أترابه من الحصادين حين يكون يحصد القمح والشعير بأرضه أو حين يكون عائدًا من الأرض في المساء أو من إحدى القرى المجاورة لكنه أبدًا لم يفكر أن صوته قد يكون مصدر رزق هذا وهو يعيش في بلده "ميعار"، أما الآن وحين أصبح اسمها نكبة وأرضه فيها نهبت فليس أمامه إلا بأن يقبل بأن يكون صوته الجبلي الجميل مصدر رزقه ورزق زوجته وأولاده. وبالصدفة طلب منه أحد الشعراء الشعبيين أن يشاركه في أحد الأعراس حين علم بأنه يمتلك صوتًا جبليًا جميلًا، وبدون تردد وافق على الطلب ليس لأجل الفن أو لأجل الطرب بل وبالذات لأجل لقمة العيش. وقبل أن يغني بأول "فرح" عرس كان قد اتفق مع جارته الحاجة بأن يحصد لها العديد من الدونمات مقابل أربع ليرات وحدثت الصدفة مما يثبت بالدليل القاطع بأن هناك "صدفة" والصدفة تحدث وفي الوقت الذي هو في حاجتها أن تحدث. يا الله لولا أنك أنعمت عليّ صوتي الجبلي الجميل ما كان من الممكن أن تحدث هذه الصدفة والتي أنا بحاجة إليها. يا رب يا كريم انت العالم بحقيقة الأمور لكن مع أني آمنت بك وما زلت وسأبقى أؤمن بك. أريد أن أسأل لماذا وافقت على ما حصل لنا؟ لماذا وافقت على النكبة، لماذا وافقت على تغيير اسم "البلد" بلدي وانا الذي أعبدك لماذا وافقت على أن يصبح اسمها "نكبة" بعد أن كان ميعار لماذا؟ قلي إسا إسا بدي أعرف. أريد جوابك ليطمئن قلبي. الحاجة تنتظر وهو الحادي الجديد ذهب إلى أول عرس ليس كضيف بل كحادٍ يحيي الافراح. وكان العرس في قرية مجاورة قريبة من كابول وكان الحادي الذي طلبه أن يشاركه احياء الفرح "أبو الأمين" الريناوي وكان من الشعراء الشعبيين المشهورين والذي شاءت الصدفة بأن لا يكون لديه "زميل" في ذاك الفرح وسمع عن شاب صوته جميل ويعرف الغناء ومن الممكن أن "يمشّي" معه العرس في القرية المجاورة. وصلا القرية المجاورة وأحيا الفرح وقبض ولِأول مرة في حياته مالًا مقابل غنائه في "فرح". وكان المبلغ خمس عشرة ليرة، وشاءت الصدف ان طلب أحد معازيم العرس في تلك القرية المجاورة إحياء عرس ابنه في قرية غير بعيدة. وفي اليوم التالي سافر الشعراء مع "معزبهم" لِإحياء عرس ابنه والذي عدل عن أن يكون عرس ابنه بدون "حدايّ" وكان أن أحيا حفلة العرس في ذلك البلد غير البعيد، ومرة أخرى يتقاضى الشاعر الجديد خمس عشرة ليرة أخرى ليصبح في جيبه ثلاثون ليرة. ومن محاسن الصدف أن يَطلبوه لإحياء أحد الاعراس في قرية مجاورة أُخرى. أمر يشبه الكذب لكن هذا ما حدث فعلًا. ويبدو أن والد العريس كان ميسورًا مما جعله يعطي كلًا من الشاعرين ثلاثين ليرة.
ورجع الحادي الجديد لِـ "بيته" في كابول. كان هذا في النصف الأول من العام الرابع والخمسين أو قبلها بعام، بعد النكبة بست سنوات. وكانت الحاجة ما زالت تنتظره ليحصد لها القمح حسب الاتفاق الذي أُبرم بينها وبينه قبل ان تحدث الصدفة. وعاد إلى قريته الجديدة كابول وما أن حط "بدنه" ليرتاح في "الخشة" التي يسكنها وبعد أن استلقى ومدد جسده على "الطراحة" بعد أن كان التعب قد نال منه بعد ثلاثة أعراس وما كادت عيناه تسهوان وإذ به يسمع صوتًا يناديه وكأنه حلم، هذا ليس حلمًا، إنه صوت جارته التي كان قد اتفق معها أن يحصد لها عدة مارس القمح مقابل أربع ليرات، "فش خلاص لازم يرُد فليس من أخلاقه بأن يعمل حاله مش سامع في الوقت الذي يسمعها فيه تناديه وهي المرأة الكبيرة والمحترمة". وقبل أن يرد عليها سمع صوت زوجته ترد عليها، تفضلي يا حاجة.
وين أحمد؟ سألت الحاجة. نايم ولله تفضلي. وبعد أن حسس على النقود في جيب سرواله نادى على زوجته وقال لها بأنه ليس نائمًا ودخلت الحاجة وطرحت السلام. مسا الخير "يما" يحمد. أهلًا وسهلًا يا حاجة، تفضلي يا حاجة. يزيد فضلك يما يحمد بدكاش تنزل تحصد القمحات؟ تحسس النقود في جيب سرواله مره أخرى وفكر بينه وبين نفسه شو أنا مجنون أحصد مارس أرض بأربع ليرات بدو جمعة حصيدة على الأقل، وفي ثلاثة أيام مقابل غناء بالأفراح ماكل شارب نايم ومدخن يا سيدي وشعور بالاحترام لم يشعره منذ أن هجر من بلده "نكبة". يا حاجة في بالجيبة ويده مرة أخرى تتحسس النقود ستين ليرة وبدك اياني أحصد مارس قمح بدو جمعة شغل باربع ليرات لا لا دخيلك ما بغدر.
ورغم أنه يعلم أنه نكث بالاتفاق إلا أنه لم يستطع تلبية طلب الحاجة وشعر بشيء يؤنبه! وخزة في داخله ورغم ذلك ولا يدري لماذا قبل على نفسه هذه الفعلة. وبدأ يعتاد الحياة في كابول ويعتاد العيش فيها على أنها بلده بعد بلده "ميعار"، وذات مرة بينما كان عائدًا من قرية سخنين مر على قريته "نكبة" التي نكبوها وهدموها وسلبوها منه ووقف على أنقاضها وحلف اليمين أنه سوف يعود ويزيل اسم "نكبة" عن بلده ويعيد لها اسمها الحقيقي ميعار.
ملاحظة: إن الوطنيّين الشرفاء إذا سلب وطنهم منهم يعيش الوطن فيهم حتى لو طردوا منه، وإذا باع ضعفاء النفوس حتى ولو ذرة من ذرات ترابه فالوطن يرفض أن يعيش فيهم حتى لو عاشوا فيه.



.png)

.png)






.png)
