غابةٌ لوجوهِ سَفَرِهِ | رجاء بكرية

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

أوراقُ ياسين عَدنان المُسافِرة

لا غراباتٍ كثيرة في الأدب، بل اغتراباتٍ تلتقي لدى الكُتّاب بمثلِ ما تفترقُ لدى الشّعراء، وبِمِثلِ ما تزدحِمُ لدى إعلاميّي الصّوت، الصّورة واللّون. أمّا وقد التقينا بالنّص يفترقُ ويلتئم ويزدحمُ دفعة واحدة، فهذه هي تماما، النُّدرةُ في الغرابة، الواقِعُ في المُتَخيّل، والقوّةُ في الإغتراب لديهِ هوَ تحديدا، الشّاعر، الإعلامي والرّوائي المَغربي ياسين عَدنان. سلسَلتُ القِراءة وفقَ توقيتِ انبِعاثِها كي أُفسِحَ للحكاية بقيّةً من حُلُمٍ وضَوء، وهَرَب.

وكان يجب في مناسبةٍ كهذه أن أتجاسرَ على مِلحِ الفرادة الّتي لِحَرفِهِ بما يُدهِشُ. بالعادةِ سيفتنُنِي في عًصفِ الشّاعر كسرَهُ للرّاهِن، وفي تأمّلاتِ الرّوائيّ تجربتُهُ من الحاصل، وفي تقريرِ الإعلاميّ تخييلُهُ للواقِع، بحيث يوهمكَ أنّ حوارَهُ نُزهةٌ مسائيّة لا مساءلةٌ تقريريّةٌ، وسفرٌ لا إقامة. فَحينَ يكسِرُ الشّاعرُ تابو النّمَطِ يفِجّ روافدَ جديدة للقلب. وحينَ يُجرِّبُ الرّوائيُّ مسافةَ الأُفُق يُعَوِّدُ جيلاً جاهلا كيفَ يغمِسُ من لُقمةِ القاضي والرّاعي والملك. فما ينقصُنا اليومَ في تجربة الكتابة الإلمامَ السّافرَ بالأذواقِ والمذاقاتِ، واستكناهِ الفُروقاتِ بينها، فالتّفنينُ الخاسِرُ في رِهانِ المُجتَزىء على الشّامل أرهقَنا وأَسقَطَ نسَبَهُ.

هكذا إذن، نحن نناقِشُ شخصيّةً تتداخل في مناخاتِها وتُشتّي سَردِيّاتِها. وإذ نضعُ في مركِزِ عنايتنا دفترَ العابر) كمُنطلقٍ لمُداخلتِنا، وليسَ أيًّ ديوانِ آخرَ، فلأنّ الكَسرَ بدأ هنا فأحالَ الشّعرَ إلى مُناورَةٍ تسطو عليكَ بمثلِ ما تتخلّى عنك تماما. تُغرِقُكَ في التّفاصيلِ بمثلِ ما تأخُذُها منك. تسحبُكَ إلى عَينِ ماءٍ عذب تطوفُ بهِ غوانٍ بأباريقَ حِسانٍ تُتخِمُ شهوتَكَ بحَبِّها وتترُكُكَ عَطِشا. على تخطيط أو على صُدفةٍ مارقة، هكذا اتّسعَ مفهومُ القصيدة العابرةِ عندَ ياسين عَدنان، لتصيرَ ممرّا مقيماً مُسجّلا في دفاترِ العِشقِ والفُراق، ومعها مُغامراتٌ لا تفهَمُ ضمنا أنّها تصلًحُ أن تعيشَ في مدُنٍ للضّجيجِ والعُزلةِ معا. هكذا أيضا يصيرُ الطّوافُ الرّوحيّ مُرادفا للشّغفِ الجسديّ وللتصوّفِ الفِكريّ ويتنزّه، وأنت مشغولٌ تماما بأقصرِ الطّرُقِ للإمتلاء.

تحكُمُ السّرديّةَ الشّعريّةَ هنا تقنيّةٌ أسلوبيّة أصطلحُ على تسميتها بفنيّة الخَواءِ إذ تنفتحُ على مصراعيها لريحِ الإيهام والمُتخيّل لتمتلىء، تُسعِفُها على طول المسار الدّراميّ شعلةُ الإشتهاء منَ السّاردِ إلى المُتلقّي، اشتِعالٌ مضمونيّ، وبالعكس. فهل سرّ اشتعالِ "العابرِ" كَرِحلةٍ سيرذاتيّة، يتزامنُ مع حاجةِ رحال العوينَة في "روايتهِ "هوت ماروك" إلى المغامرةِ في سيرتهِ الشّخصيّة هوَ أيضا، لكن بلُغةٍ غيرِ لُغَتهِ؟ هل استفاقت سيرتُهُ الآنَ بالتّزامنِ مع ايقاعِ الرّطنِ الدّخيل لسيرةِ أخرى تجعلُ من المُدُن الغريبة بعضَ أحياءِ مرّاكُش الّتي يدلّلُ فيها رحّال، بطلُ "المَغربِ السّاخِن"ِ، على حِذقِهِ النّادرِ في النّبش؟ لا أعرفُ من ينبُشُ من، لكنَ استعراضا سريعا لأوراقِ عدنان ستكشفُ أنّ لغتَهُ بما فيها قصصَهُ الغريبة، المُفاجِئة في شفافيّةِ عوالِمها مشروعُ نبش غامر عامر بأسرارِ النّساء والرّجال، العابرين والمقيمين، والدُّخلاء واستبطانٌ شهيّ نهريّ للتيّارِ غيرِ الواعي في المبنى السيكولوجيّ لشخوصِهِ. وقد نخلُصُ للإعتقاد أنّ انشغالَهُ التّلقائيَّ به، هوَ تحصيلٌ حاصل لتمريناتٍ يُخضعُ مَلَكَتهُ الفكريّةِ لها مدَداً لمنظومة التمهّن الإجتماعيّ الّذي لا يُنافَسُ فيهِ مهما تدرّبَ عليهِ مُنافِسوهُ الأَشاوِس. ذات التّمرين الّذي يشهدُ حوارَهُ مع محمّد ضروس أنّه عكفَ عليهِ تهذيبا ومتابعةً وفق انفعالاتِ جسدهِ، ونحن نعني دَورَ المُحاوِر في شكلٍ إخراجيّ جاذب لسينما مفتَرَضة في برنامَجِهِ "بيت ياسين.". فهل أمكن لنا أن نتجزّأ بالشّكل الّذي يليقُ بمَحَاوِرَ زَخِمة، وأعني الّتي أنجزَها قلمُهُ وفِكرُهُ؟ سنفّكر كثيرا قبل أن نجترىءَ على إجابة، ألم يكُن سفرَهُ الأوّلُ كتابة سريعة على جدار اللّجوءِ الفلسطينيّ، وحُلُمهُ أن يناضلَ ضدّ خَوذةِ الجلّاد؟ لعلّ أجمل ما سجّلهُ عَدنان في مشروعِهِ الإبداعيّ الشِّعريِّ، تلاحُمُ الفِكرة مع برودةِ أو دفء الحُلًم حين يقولُ مثلا:

لو أني ولدت فلسطينيا

كنت سأبدو صاحب قضيةٍ   

وكان النُقّاد

سيجِدُّون في البحث

عن معنى عميق

لقصائدي

وسيفتشون فيها

عن تلابيب الجرح

ومدائح البرتقال

نحنُ لا نجمعُ أوراقاً من استراحاتِ الأماكن الّتي تذكّرتهُ حين تجاوزَها أو عَبَرها، ولكنّنا ننثُرُ على هوامِشِها ورقا وحَبَقا، نُغرقُهُ فواصِلَ كثيرةً سقطت من عينيهِ وهو يتأمّلُ النّملَ الهاجِمَ على َقدميهِ ليصيرَ غابة يشتهي أن يختَفي فيها الأدَب.

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين