غرفة في نيويورك وصقور الليل، إدوارد هوبر| هشام روحانا

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

"الفن العظيم هو التعبير الخارجي عن حياة الفنان الداخلية، هذه الحياة الداخلية هي ما سوف ينتج رؤيته الذاتية للعالم"

ادوارد هوبر

 لكنَّ " كل فن يحمل بصمة حقبته التاريخية"

الرسام هنري ماتيس

الوحدة وطنا. 

 

سأتناول هنا عملين فارقين للفنان الأمريكي إدوارد هوبر (1882-1967) يفصلهما عقد من الزمن لكن ما يجمعهما في وحدة واحدة هو الموضوع الأثير لهذا الفنان؛ شعور الانسان المعاصر بالوحدة واغترابه.

اللوحة الأولى التي سوف أستعرضها هي لوحة " غرفة في نيويورك" (1932). وكأن الفنان مؤرخٌ يفتتح بها عصر الوحدة؛ مبشرًا بعصر الهواتف الذكية القادمة لتقضي على أيّة بقية لإمكانية تواصل بين الذوات البشرية. الشخصان؛ رجل وامرأة محتجزان داخل جدران سوداء قاتمة تحيط بنافذة كبيرة تطل عليهما. اللوحة تظهر كبناء هندسي، خطوط عامودية وأفقية تطوع الفضاء البيني لمعادلات رياضية. المائدة القائمة بينهما مستديرة وفارغة، هي حدود الحيز الفاصل تقف حاجزًا بينهما، يرتفع الصمت كثيفًا ككتلة جليد. هو منكب على جريدة المساء، في وضعية بعيدة عن الراحة، ينحني بكتفيه وكامل جزء جسده العلوي نحو هذا الانهماك في القراءة، انهماك يبدو مصطنعًا. وجهه وجهة ميت فاقد التعابير. وجهها كذلك. لكن بقية حياة ما زالت تعتمل فيها وتحاول الخروج؛ فستان أحمر ينادي، وإصبع وحيدة تحاول الضرب على مفتاح البيانو الصامت. لا فرح هنا. ألوان اللوحة الكئيبة ألوان باردة تكاد تحتل مجمل عناصرها الشكلية. يقف الباب هو أيضًا حاجزًا دون الخروج من هذه العزلة، مرتفع ارتفاعًا غير عادي يبدو وكأنه بوابة سور ما. على كل جانب من الغرفة نشاهد لوحتين معلقتين مكتومتي التفاصيل. وحدها اللوحة فوق الرجل تظهر بعض تفاصيل مناظر طبيعة مهشمة قد تشكل مهربًا ما أو موقعًا قد يتيح تواصلًا ممكنًا.

يعبر الفنان عن فقدان التناغم بين الشخصيتين ليس فقط من خلال العناصر التشكيلية للوحة؛ الألوان القاتمة والباردة، الخطوط الحادة والموضوعات الفاصلة بينهما بل أيضًا من خلال طمس معالم وجهيهما وأي تعبير ممكن لاستقراء مشاعرهما، فتبدوان كدمى العرض البلاستيكية.  لكنه يضيف عنصرًا آخر، عنصر الصوت. تبقى النوتة التي تطلقها إصبع المرأة وحيدة يتيمة، قرارٌ بدون جواب، فمن أجل نشوء لحن ما، تناغم ما، هنالك حاجة لنوتة إضافية، لكن النغمة التي ترسلها إلى الفضاء تبقى وحيدة دون رد، أسيرة صدى يمتصها فلا يُسمع تردّده.  التناغم الوحيد في اللوحة هو تناغم مصطنع مُقحم يحرص عليه الرسام بوصفه حرفيا متمكنا؛ تردد اللون الأحمر على كلا جانبي اللوحة بدرجات متفاوتة.   

يبني الفنان لوحته من الناحية التشكيلية كنافذة عرض، نافذة عرض أمام ناظر مفترض يتجول متنقلاً بين محلات بيع البضائع في شوارع نيويورك التجارية. ومن خلال هذا فإنه يخلق مشهدًا يُنظر إليه من زاويتي نظر ممكنتين؛ المشاهد العادي الذي هو أنا وأنت وأي زائر للمتحف، ومشاهد داخلي غير مرئي من قبلنا ولكن وجوده مؤكد بما أننا أمام نافذة عرض. هذا ما سيفعله أيضًا في اللوحة الأخرى التي سنستعرضها لاحقًا. إن هذه المشاركة بين المشاهد الخارجي للوحة والمشاهد مسترق النظر من داخلها يخلق نوعًا من التآمر بينهما وكأن هذا التآمر يثير فينا دافع البصر وحب النظر (Scopophilia) (1)، يحاولان من خلاله سبر أغوار نفسية الشخصيتين وبرامجهما المقبلة؛ هل هما عائدان من عالم خارجي شرس إلى غرفة باردة لا تحميهما منه، أم العكس؟ وهل من الممكن والوضع كهذا إعادة ما انقطع من تواصل وحميمية؟ وما السبيل إلى ذلك؟ 

 

في اللوحة الثانية؛ صقور الليل، والتي أنجزها الرسام عام 1942 توضع الشخصيات الأربعة في مكعب مضاء بالكامل تحت عين مراقب خارجي على تقاطع شارعين على جادة غرينويتش في نيويورك(1).

تشير العتمة المحيطة بالبار والتي بالكاد تتأثر من فائض الإضاءة فيه وكذلك يشير خلو الشارعين من أية نفس بشرية إلى فترة محددة في التاريخ الأمريكي وهي دخول الولايات الأمريكية في الحرب العالمية الثانية قبل هجوم اليابان على ميناء بيل هاربر وتدمير الأسطول البحري والجوي فيه، بقليل، ولكن نيويورك كانت تحت تهديد القصف هي أيضًا، مما اقتضى الاقتصاد في إنارة البيوت والشوارع منعًا لاستدلال الطائرات المعادية إلى مواقع المدن والتجمعات السكانية. وحده البار يبقى مضاء بضوء فلورسنت تم إدخاله حديثًا. إن ما يجعل البار وحدة واحدة قائمة بذاتها ومنعزلة عما يدور خارجها هو شدة الإضاءة فيه وحدوده الهندسية الحادة. لكنه يبقى مكشوفًا من معظم جوانبه لمن قد يريد أن يسترق النظر ليرى تفاصيله. وهو ومن وجهة النظر هذه يشكل نموذجًا للاشتمال (Panopticism )  لدى فوكو، كمفهوم عام لما قد يجري في سجن نموذجيّ، يكون نُزلاؤُه عِرضة للمُراقبة المُستمرة، مكشوفين بالكامل ومُعرّضين للمسائلة(3). تحشر الشخوص الأربعة إذا داخل مجال مفعم بالضوء، نادل وثلاثة رواد وكأنهم داخل فقاعة، تحت مجهر المراقب المستكشف، فقاعةٌ مغلقة تمامًا فنحن لا نرى مدخلا أو مخرجا لهذا المكان. وكأننا أمام تناقض يصيغه الفنان بالرسم؛ كلما ازداد انكشاف الذات الحديثة ازداد شعورها بالعزلة.   

رتابة تردد النوافذ المعتمة في الشارع المقابل للبار تثير الشعور بالملل المسيطر خارجه. قد تكون ثمة حياة في الداخل؟ نحن نستطيع مشاهدة أدق التفاصيل؛ المملحة الكؤوس جريدة مطوية تحت ذراع الشخص الذي يمنحنا ظهره، هل قرأ للتو اخبار الحرب؟ المرأة تبدو غريبة عن الرجل الجالس بجانبها، أصابع يديهما تكاد تتلامس لكن ليس تمامًا، الرداء الأحمر الحيّ يكسر رتابة وسيطرة الألوان الباردة على مجمل اللوحة، الرجل بجانبها يبدو غير مهتم بها، انفه معقوف كمنقار صقر. لافتة تروج لتبغ سيجار من النوع الفخم تعلو البار. يذكرنا توزيع الألوان والضوء في اللوحة بلوحة كنا قد تطرقنا لها سابقًا؛ شرفة مقهى في الليل لفان كوخ (4) والتي كانت قد عرضت في نيويورك في نفس العام ومن المرجح أن يكون الفنان قد شاهدها.  إن المهارة التي يبديها هوبر في توزيع تدرج الضوء واللون من مستوى الإنارة القصوى داخل البار وتدرجهما إلى خارجه تبدو خلاقة. انظر كيف استطاع الإيحاء للمشاهد بوجود حاجز زجاجي، بل رسمه، في لعبة الضوء وتدرجات اللون الأزرق والأخضر في زاوية البار المقابلة للرجل الجالس وحيدًا. ستضع هذه المهارة والحرفية العالية هذه اللوحة ضمن الأعمال الفنية الخالدة.

إن تكوين اللوحة يبدو وكأنه تم على يد مخرج سينمائي بتقنية التركيب المشهدي mise in scene   مما يوحي بأننا لسنا أمام مجرد لحظة حدثت تمت وانقضت بل بأننا أمام مشهد في فيلم سينمائي يؤسس لأحداث قادمة. وهذا ما يحدث بالفعل فإن تأثير هذه اللوحة يتجاوز مجال الرسم إلى السينما.  يُصرح ادوارد هوبر مرة بأنه "وبدون وعي، على الأرجح، [كان] يرسم الشعور بالوحدة في مدينة كبيرة ". مما يؤكد أننا أمام سردية محددة؛ سردية الذات الحديثة ذرةً في محيط حضري، سردية فقدان تواصل انساني حميمي يبدو وكأنه لن يعود أبدًا. سردية عزلة لن تنتهي.

 

صقور الليل، إدوارد هوبر 1942

//إحالات ______________________________________________

  1. Scopophilia (حُب النظر) في مقالته الأصلية " ثلاثة مباحث حول نظرية الجنس"، حدد فرويد "حُب النظر" كمكون من مكونات الغرائز الجنسية والموجودة كدافع قائم بشكل مستقل، وربط فرويد انحرافات الدافع البَصري باتخاذ أناس آخرين مواضيعاً، مُعرِضا اياهم للنَظرة المُحدِقة المُراقِبة والفُضولية.
  2. https://www.artic.edu/artworks/111628/nighthawks

 

(3) للمزيد ينظر في مدخل لاستخدامات التحليل النفسي في النقد السينمائي؛ سيكولوجيا السينما، هشام روحانا، دار تبارك القاهرة 2021).

(4)  https://www.alittihad44.com/index.php/mulhaq/%D9%85%D9%84%D8%AD%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%B9%D8%A9/%D8%A2%D9%83%D9%84%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B7%D8%A7%D8%B7%D8%A7%D8%8C-%D9%81%D9%8A%D9%86%D8%B3%D9%86%D8%AA-%D9%81%D8%A7%D9%86-%D9%83%D9%88%D8%AE%D8%8C-1885-%D9%87%D8%B4%D8%A7%D9%85-%D8%B1%D9%88%D8%AD%D8%A7%D9%86%D8%A7)    

 

الكرمل

تشارين 2021

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين