فهيم أبو ركن في ديوانه "أستل عطرًا": لنا عطرنا.. ولكم سيوف الجاهلية!| فتحي فوراني

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

أيها الإخوة والأحبة

أسعدتم مساء

إسمحوا لي أولًا أن أحيي الإخوة والأساتذة الذين عملوا على التحضير لهذه الأمسية الثقافية المميزة. فمثل هذا النشاط الثقافي المبارك يشكل ردًّا ثقافيًّا حاسمًا على الزمن المشوّه.. وردًّا على رياضة الطخّ القومية التي تنشر سمّها زعافًا في وطن الآباء والأجداد.

فبوركتم أيها الأحبة.. وبورك عطاؤكم الحاتمي.

 

//البرقية الأولى

قالت العرب: خير الكلام ما قل ودل. وهذا ما طلبه "الباب العالي" المسؤول عن تنظيم هذه الأمسية.  فقد جاءني أمر "عسكري" ناعم من المبدعة العزيزة آمال بو فارس، طالبًا مني الإيجاز، وكنت قد فكرت في كتابة دراسة أدبية شاملة عن ديوان "أستل عطرًا" للصديق المبدع الأستاذ فهيم أبو ركن. وأمام هذا الأمر.. لم يكن أمامي مفرّ.. وقلت في نفسي: أمري لله. لم يبق أمامي إلا أن أمتثل إلى أمر السلطان وألا أعصَى له أمرًا. ولأن الحديث طويل والزمن بخيل.. كان لا  بد من اللجوء إلى لغة البرقيات التي تنتمي إلى عصر السرعة.. والتقيد بالأوامر العليا الصادرة عن المؤسسات الإدارية راعية هذا المساء في هذا البلد.

وهذه البداية تشكل البرقية الأولى.

 

//البرقية الثانية

أيها الإخوة

من حيفا وبحرها جئت إليكم.. إلى أهلي وأحبتي وأصدقائي  وطلابي الذين علمتهم عشق اللغة القومية في الكلية الأرثوذكسية العربية.  لقد تخرج من معطفي العشرات والمئات من أبناء وبنات الثنائي الكرمليّ دالية الكرمل وعسفيا.. ولي علاقات حميمة مع العديد من الإخوة والأصدقاء والكتاب والشعراء والمثقفين من أبناء هذين البلدين الكريمين.. وبيننا عيش وملح واحترام متبادل ومحبة نبيلة وأصيلة لا أحلى ولا أجمل..   

 

//البرقية الثالثة

أحيي عريس الأمسية التكريمية الأستاذ المبدع فهيم أبو ركن على عطائه الثقافي وإبداعه المميز. يكفيه فخرًا أنه يعمل جاهدًا من خلال "دار النشر الحديث" على دعم الكتاب والشعراء في هذا الوطن. فـدار "الحديث" أصدرت ما يقارب الأربعين إبداعًا شعرًا ونثرًا لشعراء وكتاب هذا الوطن. ومواسم الخير على الطريق..

بالإضافة إلى صحيفة "الحديث" شاملة المضامين وواسعة الانتشار.. تنضمّ الأمسيات الثقافية والتكريمية التي كان لي شرف المشاركة في معظمها..

 

//البرقية الرابعة:

في الوقت الذي تسوده ثقافة استلال السيوف والمناطحة المعاصرة بين عبس وذبيان وقيس ويمن.. وتجري من تحتهم أنهار الدماء الزكية.. يقف صاحبنا المبدع الأستاذ فهيم  على قمة  كرملية عالية أبية.. متصديًا لصليل السيوف الجاهلية.. فيستل الشاعرعطرًا ويشهر إبداعه الإنساني في وجه العصبية الجاهلية الحديثة.

يرفع الشاعر الراية.. ولسان حاله يقول.. لهم سيوفهم ودماؤهم.. ولنا وردنا الذي يتدفق عطرًا يملأ شذاه الكون.

 

//البرقية الخامسة

في هذا الزمن الأغبر والمشوّه يكثر الدجل الشعري ويحفل المشهد الثقافي بالشعوذات البهلوانية المقنّعة بالزيّ الشعري.. فنقرأ كلمات عجماء ليست كالكلمات.. كلمات مدججة بالغموض المجاني والتعقيدات التي يستحيل فهمها وفك طلاسمها حتى على النخبة المثقفة. وهذه الخطيئة الملثمة والمقنعة بالزيّ "الإبداعي" وفدت إلينا من عصر ما بعد بعد الحداثة.

وعلى الضفة الأخرى نلتقي فئة أخرى أصيلة يجري في دمها عشق اللغة العربية.. تقف عينًا ساهرة.. وحارسة لأسوار اللغة وقلاعها الحصينة. ويحمل عريس هذه الأمسية شهادة انتماء إلى كتيبة الإبداع الأصيل.  فعندما ندخل دواوين شعرائها نشعر بفرح الإبداع وينفتح أمامنا عالم المتعة الأدبية الشهية. فالأدب متعة.. وعندما تفتح الكلمة الشعرية الصادقة أبوابها وتعانق المتلقي وتحتضنه  وتضمه إلى صدرها..  يحدث زلزال من النشوة على درجة عالية في سلم ريختر الإبداعي.

 

//البرقية السادسة

لعريس هذه الأمسية الأستاذ المبدع فهيم أبو ركن.. حضور بارز.. وبصمات خضراء.. على المشهد الأدبي في هذا الوطن.

ومن أبرز الملامح في شعره أنه يمتاز بالصدق والإنسانية والبهاء والنقاء ووضوح الرؤية.. وهي من سمات المشروع الشعري التي نلمسها في الديوان "أستل عطرًا" بأقانيمه الثلاثة.. الوطنيات  والوجدانيات والرثائيات.

فالشاعر حامل رسالة! ويسعى لمعانقة شمس الحرية!

 

//البرقية السابعة

لقد جمع الشاعر مجد الإبداع من طرفيه.

يلتزم الأستاذ فهيم في مشروعه الشعري بمبدأ الحياد الإيجابي، فنراه يقف على مسافة واحدة من حدائق الشعر الكلاسيكي من ناحية، وحدائق الشعر الحديث، من ناحية أخرى.

لقد حافظ على علاقة طيبة مع الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي أهداه ستة عشر بحرًا من البحور الشعرية، فخاضها بحرًا بحرًا وأتقن السباحة والغوص فيها لاستخراج الدرّ الكامن في أعماقها الإبداعية..

وفي الوقت ذاته حافظ على الصداقة الحميمة مع المبدعة العراقية نازك الملائكة التي كشفت أسرار التجديد في كتابها "قضايا الشعر المعاصر".. ففي هذا الكتاب خبأت نازك مشروع انقلاب على الخليل بن أحمد الفراهيدي وبحوره  الشعرية.. وأصبح  شعر التفعيلة الذي بدأ خجولًا.. سيد المشهد الشعري.

 

//البرقية الثامنة

مبتعدًا عن التعقيد وعلى طول الطريق من الوطنيات إلى الوجدانيات إلى الرثائيات، ينتقي الشاعر في نصوصه العبارة الشعرية الصافية التي ترتدي رداء الصدق والخارجة من القلب لتصب مباشرة في القلب.  فكلمته خارجة من أعماق قلبه وتعبر عن مشاعر صادقة تدخل إلى القلب بلا شور ولا دستور. في كتابه "فن الشعر" يقول أرسطو إن "الأدب عملية إيصال". وشاعرنا حمل العبارة الشعرية وأطلقها إلى المتلقي.. فوصلت سالمة غانمة.. واكتملت عملية الإيصال الأرسطية.

 

//البرقية التاسعة

لا أستطيع في الوقت المعطى أن أغطي الأقانيم الثلاثة الوطنيات والوجدانيات والرثائيات. فالحديث طويل والزمان بخيل.  سأركز على حديقة الوطنيات. فالشاعر الذي يسيل نبعه رقراقًا ناعمًا في الوجدانيات.. يرتدي رداء نبي الغضب الذي يُخرج  من جعبته سهامه ويطلقها على خارطة الدنيا العربية. يقف الشاعر على منبره بركان غضب رافضًا حال الأمة العربية.. وهو بهذا ينضم إلى كتيبة شعراء الرفض ومن رموزها نزار قباني ومظفر النواب ومحمد الماغوط وأحمد مطر وغيرهم.

غير أن عشق الوطن وحرارة الانتماء القومي هي ما يميز هذه الوطنيات.

 

//البرقية العاشرة

كلمة عن الملامح الأسلوبية في "أستل عطرًا". إذا ألقينا نظرة سريعة إلى الجعبة الإبداعية التي يحملها الشاعر، يتكشف أمامنا التناصّ مع المتنبي وطرفة بن العبد والانزياحات والتكرار والتوكيد وتوظيف الرموز التاريخية والتراثية والأسطورية. هذه الملامح هي الخطوط العريضة التي تميز قارورة العطر التي يحملها الشاعر ويستل منها ما طاب له ويرشها مسكًا على هذه الأمسية الثقافية.

**

أخيرًا.. يأبى الختام إلا أن يكون مسكًا

بوركت أيها المبدع العزيز حامل قارورة العطر الشذية

سلمت يا أبا سليمان ودامت ينابيع إبداعك الحاتمية

والسلام عليكم والسلام على زهرة المدائن التي تتطلع إلى حياة حرة كريمة لا تعرف معنى الدموع والأحزان. فشعبنا لن ينام وشراع الحق حطام..

وكل عام ونحن جميعا بألف خير

 دالية الكرمل

**

 

*نص الكلمة التي ألقيت في الأمسية التكريمية للشاعر فهيم أبو ركن بمناسبة صدور ديوانه "أستل عطرًا".

حضر الأمسية نخبة من الأدباء والشعراء ومحبّي الأدب من الجليل والمثلث والكرمل.

شارك في تقديم الفقرات رئيس مجلس البلد المضيف رفيق حلبي، والأمين العام لاتّحاد الأدباء الفلسطينيين الكرمل 48 الكاتب سعيد نفاع الذي قدّم كلمة الاتّحاد، والكاتب فتحي فوراني، وشارك أيضًا كل من الشاعرة ملكة زاهر، والشاعر عادل كيوان، والإعلامية رلى زعبي والشاعر فؤاد منصور. تولّت عرافة الأمسية الكاتبة آمال أبو فارس. ومسك الختام كانت فقرة زجلية للشاعرين توفيق حلبي وحسون حسون. أقيمت الأمسية في النادي الثقافي في دالية الكرمل)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين