الحضور الكرام مع حفظ الألقاب
الغاليّة الوالدة روضة،
لمى ولينا وليلى، الأزواج والأحفاد،
آل حوراني
ومحبي وأصدقاء الراحل
"مرحبا، معك فيصل..."
هكذا كان يبدأ مكالماته، وكأنه وارد أن تخطئ في تمييز هذا الصوت. منذ اربعين يوما لم يعد فيصل معنا جسدا ولن يفاجئنا صوته الا اذا انبثق من التلفاز من خلال مقابلة قديمة يعاد بثها، فيصل حوراني صاحب القلم والنكتة واللسان السليط والعذب في آن واحد، عاد من دروب المنفى ليستقر في أرض الوطن، كما حلم دوما، الا أن عودته هذه المرة لم تكن كما ارادها هو ومحبوه، ورغم شغفه بالترحال وكأنه جالس على الشوك، لن يغادرنا هذه المرة.
برحيل فيصل في ذاك اليوم شعرت بأننا نودع أثنين من رواة الألم الفلسطيني، شيرين أبو عاقلة المشغولة بنقل الرواية اليومية للعالم بأسره، وفيصل حوراني الذي استحضر لنا الماضي بكل تفاصيله الموجعة، وقرأ وحلل الواقع الإقليمي والعالمي بمنظور فلسطيني.
فيصل حوراني ذاك الطفل اليتيم، المنتزع من حضن أمه ومن قريته ومن وطنه، جمع في شخصه المأساة الفلسطينية التي مرت بجميع مراحلها على روحه وجسده تاركة ندوب وأوجاع وإعاقات ونالت من جسده، افقدته عينا استعاض عنها بالبصيرة، واضرت بأذن عوضها بفطنة لماحة.
سيرة فيصل غنية وذاكرته خصبة ليس بحكم الاحداث التي عايشها فقط بل والأماكن والأوطان التي استقر فيها أيضا، والشخوص التي صادقها وكان قريبا منها، عوالمه الغنية والمتعددة أهلته ليكون فلسطينيا خالص الانتماء لشعبه، للكل الفلسطيني، متجاوزا الانتماءات الفئوية والمكانية، لذا ليس غريبا على فيصل الجريء الصادق والفلسطيني حتى النخاع أن يتحدى القطيعة العربية لنا نحن الفلسطينيين في الشق الأخر من البرتقالة وأن يخاطر بمصافحة محمود درويش ضاربا عرض الحائط بكل المحاذير وهو ما أدى لفصله من حزب البعث السوري أنذاك.
برحيل فيصل حوراني فقد شعبنا أحد الرموز الهامة الذي جمع في عمله التأريخ للرواية الفلسطينية والتحليل للتطورات السياسية التاريخية التي أحاطت بهذا الشعب وبقضيته وبين استشفاف المرحلة القادمة في كل لحظة. فيصل لم يكتب ليسجل الوقائع فقط وانما بحس المناضل والسياسي كتب ليشتبك مع الأحداث وليؤثر في مجراها.
في أحد مقالاته قال فيصل: "بلغة التراث تكرر القول أن الحرام بيّن، وأن الحلال بيّن وما بينهما مشتبهات". والحقيقة أن الامور لم تلتبس يوما على فيصل فكان صادقا مع ذاته ومع أصدقائه قبل أعدائه في تبيان الحرام والحلال، الصحيح والخطأ، وكان قادرا على فضح المشتبهات وعدم تبريرها، لم يلتمس الأعذار لأي كان حتى لو كان أقرب الأصدقاء وأكثر الناس سطوة وتأثير، لم يخف من توجيه النقد والمغامرة في تحدي المألوف والمقبول والأكيد أن فعل السياسة رافق فيصل منذ الطفولة ولكنه امتهن الكتابة ليتخذ من النقد سبيلا لتقويم الواقع والرواية طريقا يسرد فيه الماضي ويؤرخ له وبالمقابل يبني صورا لما يجب أن يكون.
"مغالاة المظلوم في التهليل لأي بارقة أمل لا يعني أن تكون مفهومة، خصوصا حين يكون الظلم الماثل هو هذا الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني" - إحدى المقولات التي اطلقها فيصل في زمن كان فيه بارقة أمل، ورغم ذلك لم يطف فيصل على حفنة ماء بل بقي ثابتا على الأرض واقعيا تماما، أعطى الأحداث حجمها حلل تطوراتها وعرف التمييز بين الأمل الحقيقي وبين المغالاة لتكريسها في انتصارات موهومة تأخذنا في الزحف نحو الهزيمة.
لكن نريدك معنا لتؤرخ للتحرر للحظة الانتصار لترسم لنا بالكلمات فرح شعب فلسطين وأحرار العالم بدحر الاحتلال.
كان لي شرف التعرف على فيصل من زاوية مختلفة، تعرفت على أبو لمى، صديقتي الغالية، وعرفته الانسان اللطيف المحب الشاب دوما في فكره ونهجه في الحياة، ورغم الفارق في السن تعامل معي فيصل بروح الصداقة، ورغم كل ما يقال عن عصبيته ومزاجيته علمت دوما بل علمنا أننا أمام أنسان استثنائي بصدقه واستقامته وفكره الحر وانسانيته المفرطة. كنت أحسده على حدة ذاكرته القادرة على تركيب قطع الصورة المتشظية، يجمعها بإتقان ومنطق يجيده بشكل رهيب وكل ذلك بلباقة، بخفة وسخرية ووصف دقيق يأسر الحاضرين ويأخذهم في رحلة تعليمية. في كل مرة كان يهاتف ليسأل ويستفهم عن التطورات كنت أشعر بالخجل أمام هذا التواضع الذي يجعله مستعدا للبحث عن المعلومة والرأي في كل مكان ولدى كل انسان.
عندما طرحت عليه فكرة أن تكون له زاوية أسبوعية في صحيفة "الاتحاد" الحيفاوية التي ترأست تحريرها أنذاك، كان سعيدا ولكنه اشترط عليّ شرطا لا أنساه: "تعالي نتفق أنك لا تغيرين ولو كلمة في مقالي دون الرجوع إليّ ومناقشتي". وافقت وأنا أعلم أن هذا الشرط معناه أنني أمام أنسان لا يرضى بتغيير ليس كلمة بل وحرف فيما يكتب فهو يكتب ما يؤمن به وما يعتقد بأنه فعل سياسي ومسؤولية وطنية وإنسانية.
لم أعرف الكثير من الأشخاص في حياتي مسكونين الى هذه الدرجة بالهاجس الوطني والإنساني الواعين تماما للتوازن بين التفاصيل الدقيقة والرؤية العامة الشمولية، المتزنين والواقعيين والحالمين المسكونين بالأمل في الوقت ذاته مثل الراحل الباقي فيصل حوراني.
هكذا كان فيصل، وهكذا سوف نذكره دوما.
لروحه الرحمة وللعائلة الحبيبة لمى ولينا وليلى والوالدة الغالية وجميع الاقرباء والاصدقاء حسن العزاء فيما تركه فيصل من محبة واحترام وتقدير في قلوب من عرفه، وفي إرث ثقافي سياسي أدبي مجلب للفخر والاعتزاز.
عزاؤكم عزاؤنا انه نجح في ترك قيمة وانسانيّة ومبدئيّة تعيش فيكم ومعكم.
*كلمة الرفيقة عايدة في تأبين الكاتب والصحفي الفلسطيني فيصل حوراني، يوم الثلاثاء في مدينة البيرة



.png)

.png)






.png)
