news-details

في المعنى "اللا-سياسي" لنهج التسول العباسي على أعتاب "الدولة اليهودية"| حسن مصاروة

كان منصور عباس قد قال في مقابلة، مبررًا تسليمه بـ"يهودية الدولة، التي وُلدت يهودية وكذلك ستبقى" وقبوله منطق قانون القومية، بصفته "واقعًا" يجب التعامل والتعايش معه، إنه "بالنسبة للشعب اليهودي، قضية هوية الدولة اليهودية هي معركة وُجودية. وعليه فإذا أراد أي شخص خوض معركة وجودية مع إسرائيل حول هويتها، فليتنازل عن مواطنَته في إسرائيل، وانتهى الأمر". أي أن المعركة على هوية وطابع وبنية الدولة، كدولة علوية اثنية يهودية، هي معركة يجب أن يتجنب خوضها المواطنون العرب في إسرائيل، والانسحاب منها والتسليم المُسبق بخسارتهم فيها، لأن أصحاب هذه الدولة، "الشعب اليهودي"، أصحابها بحكم الواقع الذي يسلم به عباس، يعتبرونها "معركة وجودية".

 

طبعًا في الحقيقة هي معركة وجودية بالنسبة للصهيونية، التي يُسلم هنا عباس بمقولاتها الأساسية، لا للـ"شعب اليهودي"، لكن أليست أيضًا "معركة وجودية" بالنسبة للمواطنين العرب في إسرائيل؟ إذا لم تكن المعركة على تغيير البنية التي ترسخ وتعيد إنتاج دونية المواطنين العرب وتبرر وتشرعن وتؤسس التمييز ضدهم في كل مجالات الحياة والانتقاص من مواطنتهم، بل إقصاءهم من مجال المواطنة، وممارسة شتى أشكال الإقصاء السياسي والثقافي والوجودي ضدهم، وتوجه سياسة التضييق عليهم ومصادرة أراضيهم وهدم بيوتهم، وتشكل حجر الأساس في خلق واقع عدم المساواة، وتغذي بطبيعتها مشاريع الترانسفير التي تمس أساس وجودهم، والعقلية التي تتعامل مع وجودهم بحد ذاته على أنه "خطر ديموغرافي"، إذا لم تكن هذه معركة وجودية بالنسبة للمواطنين العرب، فما هي معركتهم الوجودية؟

 

 إذا لم تكن المعركة التي يخوضها الآن أهلنا في النقب، ضد سياسات هوس فرض الهيمنة اليهودية على الحيز العربي في النقب، بواسطة اقتلاع عرب النقب من أراضيهم ومصادرتها ورفض الاعتراف بحقهم على الأرض التي عاشوا فيهما قبل قيام "الدولة اليهودية"، ضد "حلم بن غريون" لتهويد النقب الذي تتخذه شاكيد، شريكة عباس، عنوانًا أساسيًا لمخططاتها التهويدية هناك، المعركة ضد التجريف والتحريش التي تقوم بها "ككال" بهدف يعلنه بشكل واضح رئيسها وبدون مواربة، اقتلاع العرب من أراضيهم وضمان الهيمنة اليهودية. "ككال" تلك المؤسسة التي قامت أصلا لهدف واضح، وهو ضمان وترسيخ "يهودية الدولة" عبر سياسة السيطرة على الأرض. إذا لم تكن هذه المعركة التي يخوضها عرب النقب على وجودهم أمام سياسات ترسيخ "يهودية الدولة"، معركة "وجودية"، فأي معركة هي؟ إن هذا المعنى الذي يمارس ويطبق أمامنا في النقب اليوم لـ"يهودية الدولة" لم يحدده سموتريتش وبن غفير، ولا جمعية "ريجافيم" الترانسفيرية، ولا حتى شاكيد. هو المعنى الذي لخصه القاضي أهرون باراك، رئيس المحكمة العليا، الذي يُعتبر الرئيس الأكثر "ليبرالية" في تاريخها، لما يعنيه "الإجماع" بالنسبة ليهودية الدولة، بالقول: "دولة يهودية هي دولة تعتبر الاستيطان اليهودي في حقولها ومدنها على رأس سلم أولوياتها". هذا هو المعنى الذي يطبق الآن وكل يوم في النقب، عن طريق مخططات الاقتلاع والتركيز ورفض الاعتراف، وفي المثلث، المتجلي الآن بتوسيع مستوطنة حريش على حساب مسطحات البلدات العربية المحيطة، الذي دعمه عباس وقائمته، وفي الجليل، وفي كل مكان ومجال.

 

إن تسليم عباس الذي يقدمه بهذا الشكل، "دولة إسرائيل ولدت كدولة يهودية، هذا هو قرار الشعب اليهودي إقامة دولة يهودية نقطة... وهكذا ستبقى"، هو أيضًا تسليم وشرعنة بأثر رجعي لجرائم الصهيونية في حق الشعب الفلسطيني، وشرعنة وتبرير المأساة التاريخية للجماهير العربية الباقية في وطنها، بتسليم كامل للرواية الصهيونية. فقد كانت يهودية الدولة هي الأداة التي جعلت بإمكان الدولة أن تسن القوانين الرامية لمصادرة أراضي العرب بعد النكبة، باعتبار أن الاستيطان اليهودي واستيعاب الهجرة هي قيم أساسية، ولو تناقضت مع حقوق المواطنين غير اليهود، ومن ضمنها حقوق الملكية. بل إن يهودية الدولة بالمعنى التاريخي الذي يُسلم به عباس، قد عنت النكبة ذاتها، فإسرائيل التي قامت واكتسبت شرعيتها بقرار من الأمم المتحدة وعلى أساس قرار التقسيم، وليس بقرار من "الشعب اليهودي" كما يقول عباس، لم تقم كدولة يهودية فقط، وإنما تم الاعتراف بها كدولة فيها أكثرية يهودية، لكن ما يقارب نصف سكانها من العرب، لذلك عَنت "يهودية الدولة" في حينه الترانسفير والتهجير والاقتلاع وجرائم النكبة، ورفض عودة اللاجئين الفلسطينيين بهدف الحفاظ على "يهودية الدولة". لكن هذا كلام عن "الماضي" لا يهم عباس، فهو سياسي "واقعي" يفكر في الحاضر والمستقبل، مُستقبل يُسلم فيه أيضًا بأن إسرائيل "ستبقى دولة يهودية"، ويهمه "سؤال مكانة المواطن العربي"، في هذا الواقع الذي لا يعترض عليه ولا يسعى لتغييره.

 

لكن هذا الواقع الذي يُسلم به، يواجهه الآن ويفجر تناقضاته في وجهه وفي وجه جمهوره والذين يدعي تمثيلهم من مواطنين عرب، والحرص على مكانتهم في الحاضر الآني، ويتمثل ذلك على سبيل المثال لا الحصر، في قانون يطرح في هذه الأثناء على الكنيست ويمس بآلاف المواطنين العرب ومكانتهم، بل بأساس حقوقهم الطبيعية، ومشتق أيضًا من مساعي الحفاظ على "يهودية الدولة"، وهو قانون منع لم الشمل الذي صوت معه عباس وقائمته قبل أشهر، ويطرح للتفاوض داخل الائتلاف مرة أخرى في هذه الأيام. القانون الذي يحرم المواطنين العرب في إسرائيل من ممارسة حقهم في بناء عائلة والحفاظ على الروابط الأسرية والاجتماعية مع أبناء شعبهم الفلسطيني، ويشتت عشرات الآلاف من العائلات على طرفي الخط الأخضر. القانون الذي تبرره الحكومات الإسرائيلية على أنه جاء لاعتبارات أمنية، إلا أن تصريحات المسؤولين في الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تؤكد بأن القانون جاء ضمن الحسابات الديمغرافية للحفاظ على "يهودية الدولة".  والحجج "الأمنية" التي تقدمها الحكومات الإسرائيلية هي أوهى من أن تؤخذ بجدية اصلا من قبل من يطرحها ذاته. وكانت أستاذة القانون اليمينية الشهيرة، روت جافيوزون، قد عبرت بشكل واضح عن معنى القانون، رافضة التلون في الموقف الذي يمارسه بعض المسؤولين، مؤيدة للقانون ومعتبرة إياه شرعيًا بالقول: "لا مبرر برأيي لتسويغ القانون بمفاهيم محايدة أمنية، فتبريره مؤسس على كونه جزءًا من حق إسرائيل في المحافظة على أغلبية يهودية، ومن يعتقد أنه من المبرر أن تكون هناك دولة يهودية من المفترض أن يقبل حقها بل واجبها أن تحافظ على الشروط التي تمكنها من الاستمرار في الوجود".

 إن التركيز على تصريح منصور عباس هذا هو ضروري من منطلق أنه لا يمكن النظر إليه وتحليله من باب أنه مجرد تنازل خطابي آخر يقدمه لإرضاء الإجماع الصهيوني، ونيل رضا رئيس الحكومة المشارك فيها، نفتالي بينيت، الذي حياه على "شجاعة تصريحه"، بل من منطلق أنه يُعبر بشكل عميق وصريح وكاشف عن طبيعة "السياسة" التي يمارسها، وتُحرك كل توجهاته وخطابه. التصريح ذاته وأيضًا التبرير الذي يستخدمه بأنه اعتراف بواقع يجب التعامل والتعايش معه والبحث عن "مكانة المواطن العربي" في هذا الواقع المسلم به حاضرًا ومستقبلا، التبرير الذي يُستنتج منه التسليم بواقع أن هذه الدولة تابعة لأصحابها اليهود، هكذا ولدت وهكذا ستبقى، وأن تعريف هوية وطابع الدولة يعود لـ"أصحاب" هذه الدولة وهي "معركة وجودية" لهم، ولا يجب أن نخوض فيها نحن المواطنون العرب بمنطق يشتق منه أننا مجرد ضيوف في هذا البيت، يجب أن نبحث فقط عن ما يسد رمقنا وتحسين "مكانتنا" كضيوف، وتجنب إبداء أي نوع من "الوقاحة" في الاعتراض على الطريقة التي يدير فيها صاحب البيت بيته، نُسلم بطبيعة الأمور ولا نسعى لتغييرها في معركة خاسرة.

في الحقيقة ما يمارسه عباس ليس "سياسة واقعية" كما يدعي، بل هي ليست سياسية أصلا، هي هرب من السياسية والتسييس بتعريفه الأبسط، كونه منازعة واعتراض على ما يصور على أنه "طبيعة الأمور"، طبيعة سياسية واجتماعية تصور على أنها مستقرة وأبدية، التسييس الذي ينطلق أصلا من إثارة الشكوك في عدالتها وشرعيتها، هذه الطبيعة المصورة على أنها مستقرة وأبدية. السياسة بوصفها منازعة  لأوضاع وشروط معينة، يتم إضفاء عليها طابع من الشرعية والبداهة. مثلا، اعتبار الرأسمالية النظام الطبيعي والعقلاني والأبدي، أو ما يجري اليوم من اعتبار النيوليبرالية التي تسحق الفقراء والشعوب حول العالم النظام الطبيعي الوحيد الذي لا بديل له، أو مثلا اعتبار السود في الولايات المتحدة أقل شأنًا من البيض على ما كانت تشرعن النظريات العنصرية، ويتصل بذلك تطبيع إسرائيل كونها "دولة يهودية" تمارس العلوية الاثنية، كانت كذلك وستبقى. وفي طبيعة الحال من يعمل على "تطبيع" هذه الأوضاع وترسيخ بداهتها، هم المستفيدون منها ومن الامتيازات التي تقدمها لهم، الرأسماليون في العالم، والبيض في الولايات المتحدة، والصهاينة في إسرائيل. وفي طبيعة الحال، فإن المعني بالتسييس بمعناه الذي يُدخل اضطرابًا في ما هو مُسلم به، ويُظهِر أن "طبيعة الأمور" هذه هي نتائج عمليات تطبيع وهيمنة، وأنها تنطوي على علاقات قوة وامتياز، يجب العمل على تحدّيها وتغييرها، هم المتضررون من "طبيعة الأمور": العمال والفقراء والشعوب المسحوقة في العالم الرأسمالي، السود في الولايات المتحدة، وفي طبيعة الحال المواطنون العرب في دولة العلوية الاثنية اليهودية. إلا أن في حالتنا هذه، منصور عباس، الذي من المفروض أن يُمثل المتضررين الأساس من العلوية الاثنية اليهودية، هو من يساهم في تطبيعها، وتصويرها على أنها واقع يجب التعايش معه والبحث عن فتات فيه، في هذه الحالة لا يمكن وصف ما يمارسه على أنه "سياسة" أو تسييس، بل هو "تسول" في أحسن الأحوال.

إن قيام عباس، الذي من المفترض أن يمثل المواطنين العرب، المقموع الأساسي من هوية وبنية الدولة، بتقديم التسليم والتفويض للـ"الشعب اليهودي الذي أقام دولة إسرائيل" بتقرير هوية وطبيعة الدولة لأنها تشكل بالنسبة لهم "معركة وجودية"، وإعلان الانسحاب من هذه المعركة مقابل البحث عن تحسين المكانة بالفتات، هو ليس تسليمًا فقط بالرؤية الصهيونية لطبيعة الدولة، بل تسليمًا كاملا للرؤية الصهيونية المتطرفة لمكانة المواطنين العرب في هذه الدولة، تلك الرؤية التي عبر عنها أرييل شارون كرئيس حكومة، حينما ميز في جلسة الكنيست، بين "الحق على البلاد" و"الحق في البلاد"، فعلى حد تعبيره "توجد للمواطنين العرب حقوق في البلاد وليس على البلاد". أي أن الحقوق القومية على الدولة هي حقوق يهودية، وأن صاحب السيادة، اليهود، هو من يمنح الحقوق لمن ليس صاحب سيادة، أي للمواطنين العرب. فحقوق المواطنين العرب في الدولة هي منة وهبة من أصحاب السيادة اليهود. منصور عباس يعترف ويسلم بشكل واضح بحق الأسياد اليهود "على" هذه البلاد، ويكتفي بالمطالبة بحقوقه "في" هذه البلاد من أصحاب السيادة فيها.

وليس لطلب المنة من مَن تُسلم له بأنه صاحب الحق في إعطائها معنى آخر غير "التسول"، ولا يقارب السياسة بأي معنى، ولا حتى "السياسة الواقعية"، على الأقل بالمعنى الذي نعهده عن السياسة. وإذا اقترب من مفهوم "السياسي" قيد أنملة، فإنه يقترب منه بكونه ليس محاولة "تسول" فردية يقوم بها منصور عباس، بل محاولة تحويل جماعة قومية سياسية صاحبة حق أصلاني على البلاد وفيها، إلى متسولي فتات حقوق على أعتاب الأسياد اليهود في الـ"دولة اليهودية".

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب