news
ملحق الجمعة

في انتظار الفجر (الحلقة 3-3)| عدلي شبيطة

 لا أحد لها في هذه الدنيا سواه. أما بالنسبة له فتعلقها به بهذه الطريقة مسؤولية كبرى بل حمل على كاهله ثقيل. يود لو ان بإمكانه إعادتها إلى أهلها. لكنه رغم مرور الوقت لا يعرف عنها شيئا، يحيره صمتها وغموضها حيال عائلتها وماضيها.

وصلت الحافلة في منتصف الليل إلى مدينة ماردين ليقضيا ليلتهما في فندق متواضع وسط في غرفتين منفصلتين. بعد الفطور جلسا على الشرفة المطلة على سهل بلاد ما بين النهرين بمشهد بانورامي رائع. جلسا يحتسيان الشاي بصمت، كعادتهما، انهما لا يكثران الحديث، كل مع نفسه. يقضيان اوقاتهما في التوحد والصلاة وقراءة القرآن.

 يبعد الدير عن مركز المدينة حوالي ٤ كيلومترات وقد نصحهما موظف الفندق أن لا يستعجلا الذهاب إلى الدير قبل الموعد المحدد لاستقبال الزوار كي لا يضطرا على الانتظار تحت حرارة شمس الصيف الحارقة. في الطريق اخذ سائق سيارة الأجرة يلقي على مسمعهما، تلقائيا بنبرة العارف، عن معالم المدينة القديمة وعن تاريخها وتنوعها الثقافي والعرقي إذ تتعايش بسلام سبع قوميات بلغاتها المختلفة. وتنتشر بها المساجد والكنائس والمعابد الأيزيدية والكثير من المعالم التاريخية وغيرها. تحظى المدينة باهتمام السياح من داخل البلاد ومن كل أقطار العالم. على ذمة بعض السواح تشبه مدينة ماردين في معالمها مدينة القدس القديمة، بأبنيتها ولون حجارتها وأزقتها واسوارها واسواقها وفي آذانها ودقات نواقيسها وأيضا أجوائها، وأضاف أنه غير متأكد من صحه القول إذ انه لم يزر مدينة القدس ابدا.

صدحت مآذن المدينة بآذان الظهر إيذانا بموعد الصلاة. طلب الحلبي من السائق الخمسيني الوقوف عند أقرب مسجد لأداء الصلاة. بعد الصلاة واصلا مشوارهم إلى الدير. بينما هما يتجاذبان بعض أطراف الحديث تجهم وجه الرجل فجأة وبدا منزعجا من شيء ما قاله الحلبي. إذ قال متسائلا إن كان عبدة النار والشمس من عبده الشيطان؟ قالها عن غير قصد، وعدم معرفه وسذاجة ما أثار حفيظه السائق وغضبه قائلا: "نحن لسنا بعبدة الشيطان بل أنتم الشياطين، نحن أول ديانة آمنت بالرب الواحد قبل أن تعرفوه بالاف السنين. نعم نحن نقدس النار في طقوس الطهارة النفسية أمام الرب. اما انتم، فكتبكم التي تدعون إنها سماوية ما هي ألا قصص وأساطير وجدت في كتب الاولين. لقد جعلتم من شرائع حمورابي وصاياكم العشرة التي لا تعملون بها. انتهكتم حرمه الله وعظمته، ادعى احدكم أنه ابن الله، واخر مقابلة الله ومخاطبته، وثالث أسرى اليه ليلا. باسمه أطلقتم حملات الاحتلال والسيطرة والاستبداد "تبشيرا" وصككتم للغفران صكوكا. منكم من غزا واحتل، فرض الجزية، اخذ الغنائم والسبايا واسماه "فتحا" وهناك من ادعي انه، المختار، ومن دونه "أغيار" يطرد شعبا بأكمله من وطنه بحجه إنها ارض الميعاد التي وعده بها الله!

صمت الحلبي مرتبكا مصدوما، لا يعرف كيف يتصرف. خرج من السيارة مكسور الخاطر، متمنيا لو أن الأرض انشقت وابتلعته.

مع اقتراب موعد اللقاء، وقف الحلبي وسوسن أمام الدير وفي قلبيهما رهبه وخشوع، وقفا ينتظران اللقاء بفارغ الصبر وفي قلبه نار تتقد شوقا. رغم ما يساوره من الشك إلا أن عنده احساسا عميقا بحتمية اللقاء. بسط الدير جناحيه بأبنيته القديمة على سفح الجبل. كأنه يغرق بين أشجار الزيتون المعمرة، واحة وسط الصحراء. الطقس حار وقطرات العرق اخذه بتدحرج تحت العباءات التي التفا بها.

دخلا بلباسهما المميز قاعه استقبال الجمهور المكتظة بالزوار. بعباءته البيضاء وطربوشه الأحمر الذي طمس به رأسه حتي تعدى عينيه، تخفيا، وبعباءتها السوداء وبرقعها التي حجبت وجهها تماما، جذبا اليهما أنظار من تواجد في القاعة. وقف الحلبي يفكر في الطريق التي تقوده إلى لقاء شقيقته عائشة. في تلك الأثناء لفت انتباهه منظر سوسن وهي تقف مع بعض الزوار خاشعة تصلي أمام صوره المسيح المصلوب المعلقة على الحائط وسط القاعة تتمتم وهي ترسم بيدها إشارة صليب على صدرها. لكنه لم يعر الأمر أي اهتمام. ما يهمه الآن اللقاء المنتظر.

يبعد الدير عن قاعة الاستقبال حوالي ٢٥٠ مترا. يسمح بدخول مجموعات بمرافقة مرشد فقط. تقدم متخطيا بعض الإجراءات الروتينية التي استغرقت بعض الوقت إلى أن قابل الاب يعقوب المسؤول عن الدير الذي اكد له وجود فتاة اسمها عائشة تطابق الوصف.

جلس الحلبي ينتظر في غرفه الاب يعقوب وبجانبه سوسن، جلس بصمت متحفزا متوتر الاعصاب، ركز نظره في باب الغرفة ينتظر مجيئها وقد طال الانتظار كأن تجمد الزمن في المكان. عاد الاب يعقوب ودخل الغرفة بمفرده يبدو عليه بعض الارتباك وقال "اخبرتني عائشة ان أفراد عائلتها لاقوا حتفهم في زورق اللجوء جميعا وهي متأكدة ان أخاها كريم قد غرق، أود أن أوضح لك اخي الكريم إن عائشة منذ قدومها إلى الدير وهي منطوية على نفسها عندها شك في كل شيء لا تثق بأحد، ولم تقابل أحدا. هي الآن موجودة في الغرفة المجاورة تنتظر سماع شيء منك أي شيء يثبت لها انك كريم."

وقف كريم، وقال بأعلى صوته يقرأ تلقائيا، بشيء من العفويه، أبياتا شعرية من قصيده نزار قباني كان ابو كريم يرددها وهو جالس أمام التلفاز عند سماعه خبرا سيئا.

" من المحيط إلى الخليج قبائل بطرت فلا فكر ولا آداب..

انا يا صديقة متعب بعروبتي وهل العروبة لعنة وعقاب"

 ثم استطرد قائلا يردد :

الطريق جزء من البيت "...

جاءت صرختها من الطرف الآخر قوية حزينة "اخي كريم... حبيبي اخي... حبيبي اخي كريم"...

وتم اللقاء.. طال العناق... امتزجت الدموع على خديهما غزيرة والصمت رهيب. الموقف مثير، بكت سوسن. بينما غادر الأب يعقوب الغرفة يخفي دمعته.

جلسا يتفقد أحدهما الآخر، كل بلباسه، غير مستوعب أحدهما منظر الآخر. طال بينهما الحديث، حديث ذو شجون، تشابكت القصص بالذكريات والحنين بالأشواق، والاشتياق إلى كل شيء افتقداه، إلى شقيقتهما بيان التي انقطعت اخبارها تماما وقد حيرهم أمر اختفائها كثيرا. مر الوقت سريعا إلى ان حان وقت الرحيل. قال كريم لشقيقته "لقد مر وقت طويل على فراقنا وأخيرا اهتديت إليك وقد حان وقت لم الشمل. أدعوك مرافقتي للعيش معي في المدينة".

دنت عائشة من اخيها واحتضنته بشده وألقت برأسها فوق كتفه تذرف دموع الحزن بدلال. لكنها لم تقل شيئا.

قال: "لك الآن من يهتم بك ويرعاك، لقد تعبت كثيرا حتى وجدتك. ليس لي في هذه الدنيا سواك احتاج إليك كثيرا. علينا من الآن فصاعدا أن نكرس جهودنا من أجل البحث سويا عن شقيقتنا بيان. ولن يهدأ لي بال حتي أجدها."

صمتت عائشة.

قال :" اذا كنت غير جاهزة الآن سأعود لأخذك غدا او في أي وقت اخر ".

مر وقت ولم تجب.

وقد كرر السؤال بإلحاح !حتى نطقت، قالت بصوت مخنوق وقلبها يعتصر آلما والدمعة لم تفارق مقلتيها "اخي حبيبي سامحني، انا قد حسمت خياري منذ زمن. لن أترك الدير"!

صدم كريم. إجابتها صدمته".

قال : "ولكن" ولم يكمل.

الصمت سيد الموقف!

وقفت سوسن وهمت للخروج من الغرفة كي تتيح لكريم وعائشة البقاء وحدهما. لكنه طلب منها البقاء.

إنه يفكر بصمت. يتساءل عن سبب إصرار عائشة على البقاء في الدير. بدا هو ايضا مصرّا على موقفه، ليس من منطلق واجبه الأخلاقي، الديني الشرعي والانساني فحسب، إنما لحاجتها لمن يرعاها ويؤمن مستقبلها وظروف عيشها الكريم. فهي مازالت قاصر تستحق الرعاية.

امسك كريم بيد شقيقته عائشة وركز نظره في عينيها محاولا اقناعها قائلا: "اختي حبيبتي لن أتركك هنا وحيده. انت ابنه لشعب عريق ودين حنيف ومن عائلة كريمة. نحتاج احدنا الاخر. تعالي معي انت ما زلت صغيرة والمستقبل امامك، بإمكانك اكمال دراستك الثانوية وحتى الالتحاق بالجامعة."

لكن عائشة تبدو مصرة على موقفها.

قالت: "ارجوك اخي، ارجوك أن لا تحرجني ".

قال: "أنا مستعد ان افعل كل شيء، أي شيء من اجلك. لماذا تصرين على البقاء في الدير وانت مسلمة. "

بعد صمت طويل وهي مترددة قررت عائشة الاعتراف قائلة: "اخي الكريم انت لم تعرف ما هي الظروف التي مررت بها وما حجم الذل والمعاناة، الشقاء وفقدان الامل. لقد قررت أن أهب نفسي للرب والذوبان في محبة الله. انا اخي كريم مؤمنة والإنسان المؤمن هو من يطيع الله ويعبده. الله محبة وما الأديان الا وسيله لتوصلك إلى محبة الله. كل واحد منا يعبده ويتقرب اليه بطريقته ومن موقعه إن كان معبدا أو جامعا او كنيسة والهدف واحد.

أجاب كريم بصوت خافت وقد بدا عليه الإرهاق قائلا: "اني أوافقك الرأي يا اختي أن عبادة الله ممكنة من كل مكان، وفي المدينة يوجد كنائس وجوامع يمكنك ممارسة شعائرك الدينية عندنا في المدينة كما تشائين".

جلست سوسن تراقبهما وهي تستمع لحديثهما بكثير من الاهتمام والتركيز والانجذاب. على ما يبدو ان هناك امرا ما يهمها شخصيا في الحديث الدائر بينهما !

أخذت عائشة نفسا عميقا، توحي بقول شيء ذي اهمية، قالت بنبرة الواثق من نفسه: "اخي كريم انت لا تعلم ما حجم الصراع الذي بداخلي، بالنسبة لي انت اغلى ما في الوجود، ارجوك قدر موقفي. أنني مدينة لهؤلاء البشر ولهذا الدين. لن أخذل من اعطاني الحياة، اعاد لي كرامتي، انقذني من حياة الذل وأعاد لي الامل عندما كنت أقرب إلى الهلاك والموت. قدموا لي العون دون أي مقابل ومن دون أن يعلموا من انا وما هو ديني انطلاقا من إيمانهم أن محبة الإنسان هي من محبة الله. في الوقت الذي لم أجد مكانا ألجأ إليه أو أحد ممن ذكرتهم يمد لي يد العون. بل حاولوا استغلال ضعفي".

عدّى النهار وأخذ الليل يلقي بظلاله، احس كريم بالإرهاق والتعب، احتضن شقيقته عائشة طالبا منها أن تأذن له بالمغادرة، ليس قبل أن يقبل يديها قائلا: "أأتفهم موقفك واحترم قرارك. اعلمي ان لك أخا في هذه الدنيا مستعدا ان يضحي بأغلى ما يملك من اجلك ومن أجل شقيقتنا بيان. رعاك الله وبارك فيك".

احست عائشة لحظة الفراق ان قطعه قد انسلخت من جسدها، أرادت أن تقول له أشياء في بالها كثيرة لكن احست بالاختناق وعلق في حنجرتها الكلام !

إنها تبكي بصمت.

استقل كريم وسوسن الحافلة في طريق عودتها إلى المدينة. أمامهما مشوار طويل. جلسا كعادتهما كل مع نفسه. لكن هذه المرة يوجد في نفس كل واحد منهما ما يقوله للأخر. أسئلة كثيره تدور بخاطرهما. لكن عند سوسن بدا الامر أكثر إلحاحا. لديها رغبة عارمة أن تكسر الصمت، وحان الوقت للبوح لكريم بالغموض الذي غلف حياتها. لكنها لا تعرف كيف تبدأ.

جلس كريم يراجع المواقف والأحداث خلال زيارته. وقد استوقفه منظر سوسن وهي تصلي أمام صوره المسيح. بالنسبة له اخذ هذا الموقف بعدا آخر بعد لقائه مع شقيقته عائشة ورفضها مغادره الدير ومرافقته للعيش معه.

كسرت سوسن صمتها، قاطعة عليه أفكاره، وقالت مداعبة: "إذن اسمك كريم. اسم جميل حقا، اخفيته عني".

هز كريم رأسه متفاجئا قائلا: "للضرورة أحكام وانت تعلمين السبب. أنا اخفيت عنك اسمي فقط. اما انت تخفين عني كل شيء. من انت يا سوسن؟ ".

أجابت محاوله اخفاء ضحكتها، وأنها المرة الاولى التي يسمعها تضحك: "انا سوسن ! أليس انت من اعطاني هذا الاسم؟" ثم استطردت:

" انا نادية".

قال: "نادية! من هي نادية؟" 

قالت :" انا نادية، قبل أيام اتممت السادسة عشر من عمري. انا عراقية من اصل اشوري مسيحية.”. قاطعها قائلا : "لقد لاحظت ذلك وانت تصلين في الدير"!!

" نعم كان هذا تصرفا تلقائيا، هكذا تعودنا في المدرسة التابعة للدير في بغداد كنا نصلي عند دخولنا في الصباح وعند المغادرة أيضا ". أجابت.

قال :" ما هي قصتك يا نادية، ماذا تخفين عني ". ؟

قالت : " يبدو عليك التعب ويستولي عليك النعاس، هل حقا تريد الاستماع الآن؟".

قال :" نعم، لقد حان الوقت على ما اعتقد ". !

قالت :" سأحاول أن اختصر قدر المستطاع. هاجرت عائلتي من العراق إلى اسطنبول بعد سقوط بغداد بعده سنوات وقبل قدوم داعش بأشهر، كنت في السابعة من عمري. كان ابي صائغ ذهب ميسور الحال. ساءت أحوالنا بعد أصابة ابي بمرض عضال. لم يعد يعمل، استنفد علاجه كل مدخراتنا ولم يعد بإمكاننا دفع أجره البيت او حتى شراء الدواء. لم يكن بإمكان والدتي ترك والدي وحده في البيت والخروج للعمل. خرجت شقيقتي ماريا للعمل في جيل مبكر، على ما اعتقد، لم يكن عملا مشرفا. منذ فتره لم تعد ماريا إلى البيت وقد فقد أثرها ولا نعرف ما هو مصيرها. لم يكن لدينا في البيت ما نأكله وصاحب البيت أراد طردنا من البيت. خرجت إلى العمل عند عائلة اشورية ميسورة الحال، أصدقاء العائلة، لكن رب العائلة الذي من عمر أبي حاول اغتصابي. كنت مضطرة للاستمرار في العمل. كنت ارتدي سروالين "بنطلونين" جينز فوق بعضهما لاحمي نفسي من اعتداءاته المتكررة. في يوم من والايام قاومته وصرخت، زوجته جاءت لنجدتي. غادرت البيت ولم اعد. إلى ان اتت "المدام" ذات يوم إلى البيت أخذتني معها مقابل بعض من المال أعطته لامي. أخذتني وجاءت بي إلى القاعة وحصل ما حصل، وها أنا جالسة بجانبك الآن.

اما ما أردت قوله، وهذا هو الاهم. أنني تأثرت وأنجذبت كثيرا للحديث الذي دار بينك وبين عائشة. ان ما قالته عائشة هو ما أردت قوله لك. كأن لسان حالها لسان حالي. إنها عبرت تماما عن ما يدور بداخلي، والأسباب ذاتها التي من أجلها أعتنقت عائشة المسيحية هي الاسباب التي جذبتني إلى الإسلام. وما قالته هو الاهم، عندما يكون الانسان قنوعا مخلصا في إيمانه فإن الله يتقبل صلواته من أي مكان.

لقد حان الوقت كي اشكرك على شهامتك وشجاعتك وصبرك على ما فعلته، وما زلت، من أجل شقيقتيك ومن أجلي ومن اجل المشردين. أن دينك هو ديني، أشعر بالاطمئنان والأمان وانا بجانبك، اخشع للصلاة ولقراءة القرآن وفي حلقات الذكر.

الله في السماء والامل والعدل والمحبة في الأرض. اللهم ثبت الايمان في قلوبنا وأرشدنا إلى الخير.

بدا كريم متأثرا منفعلا وهو يستمع لها بكثير من التركيز والاهتمام. متفاجئا من طلاقة لسانها ومنطقها وقدرتها على التعبير. إنها المرة الاولى التي تنطق بها. ما قالته نادية ادخل إلى نفس كريم الرضى وبعض الاطمئنان.

تجاوزت الساعة الثالثة صباحا، الظلام دامس، والحافلة تسير تطوي المسافات، جميع من على متنها نائمون، والطريق ما زال طويلا وما زال في نفس كريم كثير من الكلام.

وأين اهلك الآن، الا ترغبين بالعودة إليهم والعيش معهم؟

أجابت نادية بنوع من الاسى وبصوت خافت خجول :"لا تسلني عنهما من فضلك. انا لا انتمي إلى من باعني وتخلى عني طفلة صغيرة في أمس الحاجة للرعاية والحنان. القوا بي إلى الجحيم ليمنحوا الحياه لرجل مسن ملقى على فراش الموت؟ إن من انقذوا حياتي واعادوا لي كرامتي هم اهل لي، دينهم ديني ولهم ولائي.

احس كريم كأن شوكة وخزته في صدره، كلام نادية ذكره بما سمعه للتو من شقيقته عائشة. وقال يتمتم بينه وبين نفسه :" كلنا ضحايا لقد خسرنا بيوتنا وضللنا طريقنا.” وبحركة لا إرادية ضرب كفا بكف متسائلا: "من هو المسؤول عن مأسينا وشقائنا ومن الذي أوصلنا إلى هذا الحال؟ ".

توقفت الحافلة في وسط الطريق واعلن السائق عن استراحة لمده عشرين دقيقة. جلس كريم وناديا داخل الاستراحة يقابل أحدهما الآخر يأكلان بعض الشرائح ويحتسيان الشاي. جذب انتباه كريم منظر نادية وهي تدخل الطعام والشراب إلى فمها من تحت برقعها الاسود. والغريب في الأمر، رغم تواجدهما معا طويلا، إلا إنها المرة الاولى التي يصوب نظرة مباشرة نحوها. وبدا الأمر أكثر غرابة عندما ايقن ان ملامح وجهها غابت عن ذاكرته. انه لم يلحظ وجهها منذ لقائهما الأول.

 ما دار بينهما من حديث في الحافلة قد كسر الجليد الذي ساد علاقتهما.

توجه إليها يسأل مستغربا :"لماذا فضلت ارتداء البرقع على الحجاب وهو ليس فرضا. ؟"

أعلن السائق عن انتهاء الاستراحة.

جلست نادية في الحافلة مربكة بعض الشيء وقد فاجأها سؤاله، ربما يأتي جوابها مفاجئا ايضا ! فمن حرصها على صدق علاقتهما لزاما عليها أن لا تخفي عنه شيئا. هل تصارحه بما يجول بخاطرها؟

قالت: "البرقع بالنسبه لي، رغم إيماني الراسخ، " قناع" اكثر منه نقاب. من خلاله ارى العالم كما أريد أن أراه. الصورة عبر البرقع تظهر مجزأة غير متكاملة كما لو انظر عبر زجاج مكسر، لتكتمل الصورة في مخيلتي حسب رؤيتي لها. اخاف من الاتصال المباشر مع هذا العالم الظالم، وأحاول جاهده العيش بمنأى عن العالم الخارجي.”

انتبهت نادية إلى أن كريم يصغي لها باهتمام ويركز نظره مباشره في وجهها لأول مرة. وكأنها قرأت أفكاره متسائلة " هل ما زلت تذكر ملامح وجهي؟" وهي أيضا قد نسيت ملامح وجهه منذ ان أطلق لحيته وتخفى تحت طربوشه !

طأطأ كريم رأسه خجلا مستغربا كيف كشفت ما يدور بخاطره. لكن ما يشغل باله ويفكر به حقا هو ما قالته نادية عن "القناع ". مع انه يعي ما القصد. قال كريم وقد غزا النعاس جفونه المرتخية "انت لست الوحيدة، الكل يتخفى وراء قناع من غير قناع."

استسلم كريم للنوم، وكل من على متن الحافلة أيضا. أما نادية لم يغمض لها جفن تفكر بوحدتها وشقائها حزينة تبكي بصمت. حزن مرطب بالدمع دائم البلل. صمتٌ خيم على الكون يدوي في حلكة الليل وفي قاع البحار والأنهر والوديان، في الزنزانات وفي مخيمات اللجوء وفي مقابر الأموات والأحياء، احياء أجسادهم قبور.

 وسكت الرب، سكوتا مبهما!

فراغ في فضاء،

 فضاء في فراغ،

 فراغ في فراغ...

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب