في ثلاثيّة البعث| د. لينا الشّيخ - حشمة

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

قراءة تحليليّة سيميائيّة في رواية "جوبلين بحري" للكاتبة دعاء زعبي (1-2)

يرتكز كلّ نصّ أدبيّ على الشّكل والمضمون على حدّ سواء، حيث يبنى من حكاية النّصّ ومضمونه، ومن كلّ ما يحبكه من لغة وتقنيّات فنّيّة وأسلوبيّة. وعليه، لا يجوز دراسة المضمون بمنأى عن الشّكل. والعكس صحيح كذلك. فيقتضي التّحليل السّيميائيّ دراسة النّصّ من جميع جوانبه ومعطياته المضمونيّة والأسلوبيّة، وتصير كلّ معطيات النّصّ علامات تحمل معنًى ودلالة، ويمسي كلّ ما فيه يحمل وظيفة تخدم رسالته.

وحدها القراءة تمنح النّصّ الحياة وتسبر أغواره. فلا يتحقّق إلّا بقراءته وملء فجواته مثلما يرى "إيزر" والد نظريّة التّواصل الأدبيّ، وإلّا بقي مجرّد سواد على بياض. ممّا يعني أنّ القراءة عمليّة إبداعيّة حواريّة بين القارئ والنّصّ. فيها يمارس القارئ دوره في التّأويل وملء الفجوات حتّى يصل إلى دلالات النّصّ. الأمر الّذي يؤكّد أنّ عمليّة القراءة مرهونة بثقافة القارئ وخبرته ومعرفته ومدى ذائقته الأدبيّة وعمق تحليله. وبهذا يتميّز القرّاء أصلًا عن بعضهم البعض.

وحده النّصّ الغامض، الرّمزيّ، المليء بالفجوات، المراوغ، والّذي يرفض الانفتاح بطريقة واحدة على كلّ القرّاء، يستهويني. هو وحده الّذي يتيح لي المشارَكة والتّفاعل الكلّيّ كي أكون شريكة للمؤلّف في تشكيل المعنى وإنتاج النّصّ. هو وحده الّذي يتيح لي قراءة تأويليّة واستجابة فكريّة وانفعاليّة كقارئة نشطة مشارِكة، لا مستهلكة متلقّية، حتّى أحقّق نظريّة "القارئ - الكاتب" كما عند رولان بارث. ولمّا كنت أتّبع النّهج السّيميائيّ في قراءاتي النّقديّة للنّصوص، ولمّا كان الشّكل عندي لا ينفصل عن المضمون، والمعنى عن المبنى، فإنّ قراءتي تعتمد على اختزال كلّ المعطيات النّصّيّة وتحديدها في منظومة من الشّيفرات والرّموز والمفاتيح الّتي تصير مرجعًا أعود إليه عند التّأويل وتحديد الدّلالة. وفق هذا المفهوم، يحدث أن آتي أنا القارئة بعد عمليّات التّفكير والتّأويل بتحليل نقديّ إبداعيّ لم يكن الكاتب نفسه واعيًا لوجوده، ولم يستطع قارئ آخر الوصول إليه أو كشفه. يجوز لي ذلك، وحقّي كقارئة أن أفعل وفق نظريّة التّواصل الأدبيّ. حقّي شرعيّ في التّأويل واقتراح الدّلالات ما دمت أعتمد في إنتاجها على معطيات النّصّ، وما دامت هي مرجعي وعماد دلالاتي المقترحة. وعلى هذا الأساس لا علاقة لي بالكاتب نفسه، لا يعنيني أبدًا، ولم يكن يومًا. النّصّ وحده هو ما يهمّني. النّصّ هو حلقة التّواصل بيني وبين الكاتب؛ من خلاله أتعرّف على صاحبه، ومن خلاله أدخل إلى عالم الكتابة والإبداع. فأجد نفسي شغوفة بالنّصّ الحداثيّ الغامض الّذي يفتح نفسه على احتمالات متعدّدة، ويقبل قراءات عديدة أو يجعل من قراءته عمليّة حسابيّة ومعادلات من التّعويض والمتغيّرات. هكذا تستهويني القراءة الّتي تحمل تحدّيات البحث عن المعطيات النّصّيّة، تجميعها واختزالها، ثمّ تحليلها وتأويلها وفكّ شيفراتها ورموزها حتّى يتمّ كشف الدّلالات.

رواية "جوبلين بحري"(2021) للكاتبة دعاء زعبي نجحت في أن تحقّق لصالحها فوزًا عليّ وتجذبني إليها لأدخل معها في لعبة التّواصل الأدبيّ والعمليّات الحسابيّة، وإنْ لم تكن الرّواية غامضة عصيّة إلى درجة كبيرة. هي رواية لا تخلو من الرّموز والفجوات وزحزحة بعض المعطيات النّصّيّة وتغييب بعضها الآخر. هي رواية تنتمي إلى الحداثة وما بعدها. تثير سؤال التّجنيس الأدبيّ باتّكائها على أساليب وتقنيّات فنّيّة عديدة تحقّق لها ما يسمّى "عبر النّوعيّة"، فتمزج فيها فنونًا وآليّات متعدّدة، كالرّسائل، التّناصّ، تعدّد الأصوات، الرّمزيّة، تيّار الوعي وآليّاته: كالمونولوج والاسترجاع الفنّيّ، الشّعر، تهجين اللّغة بزجّ كلمات وعبارات باللّغة الألمانيّة وتكثيف اللّغة الشّعريّة المجازيّة. الأمر الّذي يؤكّد أنّها رواية تعوّل على شكلها وأسلوبها وتقنيّاتها لتأدية المعنى والدّلالة، إلّا أنّني لن أستطيع هنا الخوض في كلّ هذه الآليّات والتّقنيّات، بل سأتوقّف عند أبرزها، مضمونًا وأسلوبًا.

 

** ميار ومعركة البطولة

تتمحور الرّواية حول ميار، ابنة يافا، الّتي تواجه عنصريّة الجامعة خلال سنتها الثّانية لدراستها الإعلام والصّحافة "لأنّها عبّرت فيها عن الأنا الجمعيّة، عن آلام شعبها ومعاناة مثقّفيه النّازحين. لم تلائم أجوبتها أيديولوجيّة أستاذها العنصريّ... اختيارها لغسّان كنفاني ابن يافا، ابن بلدتها المنكوبة، كنموذجٍ لذلك الصّحفيّ الفلسطينيّ الّذي عاش النّكبة والتّهجير ورحلة النّزوح بدءًا من يافا فدمشق انتهاءً ببيروت، لم يعجبه"(ص42). ترسب ثلاث مرّات وتقدّم للجنة ممثّلة بالدّكتورة "سارة فنكلشتاين"، ثمّ تمنع من متابعة دراستها بادّعاء أنّها غير ملائمة للعمل الصّحفيّ. وتنصحها سارة بأن تترك الدّراسة لصالح الزّواج والإنجاب. لكنّ ميار ترفض التّنازل عن حلمها فتسافر إلى ألمانيا وتحصل على الدّكتوراة من جامعة برلين، محققة إنجازات مهنيّة عالية خلال خمسة عشر عامًا. فتبدأ الرّواية وهي لا تزال في برلين.

ميار هي بطلة وفقًا للنّظريّات الأدبيّة حول مفهوم البطولة. امتلكت الرّغبة والمحفّز والقدرة واجتازت العوائق وحقّقت الأهداف. فانتهت الرّواية بنهاية سعيدة وبإيحاء لمستقبل موعود بالزّواج من الحبيب والعودة للوطن. أدركت ميار أنّ العلم ضمان لمستقبلها فكبتت نداء الحبّ وحكّمت عقلها. عملت سنتين ثمّ سافرت لتحقيق ذاتها. نالت الدكتوراة وعملت مراسلة صحفيّة، فكانت سفيرة لقضيّتها الفلسطينيّة. حقّقت حلمها في السّعي إلى "إنصاف قضيّة شعبها وإسماع صوته في عالمٍ يحاول فيه المغرضون تشويه التّاريخ وتزويره"(ص41). كان حلمها أن "يكون قلمها وصوتها سفيريها إلى العالم، قوّتها الإنسانيّة والحضاريّة لإحقاق الحقّ والحرّيّة وتوكيد الوجود، ودحر الظّلم عن شعبٍ يرزح تحت الاحتلال وطمس الهويّة والثّقافة واللّغة، "وسلب مسمّيات المكان وانتحال الزّمان"(ص41). وفي جامعين برلين الحرّة، في المؤتمر الصّحفيّ المنعقد تحت عنوان: "الإعلام الغربيّ في الشّرق الأوسط – ما بين التّنوير والتّشويه" تحقّق هذا الحلم وترفع صوتها أمام ممثّلي العالم، وسارة ممثّلة إسرائيل. فتقدّم فيه كلمتها عن "دور الصّحافة الغربيّة في فلسطين إبّان النّكبة". فتدرك كيف تصفّي حساباتها وتجلجل صوتها وصوت قضيّتها بجرأة وحرّيّة، وبكلّ ما تريد لهم أن يسمعوه(ص165)، مؤكّدة فيها على حقّ شعبها في الوجود والحياة. ويكون انتصارها الأخير في عودتها بعد المؤتمر إلى نديم ويافا. فتنتهي الرّواية بلقاء الحبيبين وشاطئ يافا ثالثهما.

اسم ميار يعني جالبة الحظّ والخير. والعلم والتّعلّم هو ما يجلب الخير وينهض بالحياة من براثن الجهل وهزائم الحياة. وهي بسلاح علمها حقّقت انتصارها على الظّلم، وبقلمها صاحت بصوت العدل والحقّ، وبعودتها أثبتت هويّتها ورسّخت بقاءها ووجودها.

 

** بين البعد النّسويّ والسّياسيّ

 على المستوى الخاصّ هي رواية حول ميار وما تواجهه من سلب حقّها في الدّراسة والتّعبير عن رأيّها بحرّيّة. وعلى المستوى السّياسيّ العامّ هي رواية حول ما يواجهه المجتمع العربيّ الفلسطينيّ داخل إسرائيل من سياسة التّمييز والعنصريّة في صراع الهويّة والوجود، مع إلحاح الكاتبة على مواجهتها بالعلم والدّراسة والثّقافة وتحقيق الذّات، خاصّة بين الفتيات والنّساء لأنّ "البنت اليوم مثلها مثل الشّابّ إن لم يكن أكثر"(ص40).

جوبلين بحري رواية يطغى عليها الهمّ السّياسيّ، لكنها تطعّم بنسويّة ناعمة خفيفة. فليس وجع الكاتبة أنثويًّا، بل هو الوطن أهمّ. فمتابعة الشّخصيّات في هذه الرّواية في علاقاتها مع بقيّة معطيات النّصّ وأدواته اللّغويّة والأسلوبيّة يؤكّد أنّها ليست حقيقيّة ولا تمثّل نفسها، بل هي سيميائيّة تمثيليّة تنقلنا من معنى النّصّ المنسوب للكاتب إلى الدّلالات المنسوبة للقارئ. وعليه، هناك دلالة سياسيّة وراء هذه الشّخصيّات الأنثويّة. ثلاث نساء شكّلن الرّواية بالأساس: ميار وسارة وحلا، أو فلنقل: ميار بين سارة وحلا؛ بين أولى تتصارع معها، وثانية هي صاحبتها ورفيقة غربتها. ثلاث نساء لا يمثّلن ذواتهنّ، فالأنثى هنا لا تدلّ على ذاتها بل هي رمز لوطنها. هي هنا معادل سياسيّ للوطن والمكان.

 سارة اسم عبريّ، وُصِفت "بالكابتن طيّار"، "المرأة الحديديّة بقوّتها العسكريّة والأكاديميّة"(ص43). "سارة فنكلشتاين" وفقًا لهذه المعطيات النّصّيّة وغيرها هي إسرائيل بسياسة تهويدها وعنصريّتها. أمّا "ميار" فهي يافا بهويّتها العربيّة الفلسطينيّة. ولعلّ ما حدث لميار في السّنة الثّانية، ونصيحة سارة لها بالزّواج، يشير إلى البعد السّياسيّ الّذي يوحي الزّواج فيه إلى ضمّ يافا لتل أبيب.  فتقصد بالسّنة الثّانية العدد اثنين. وحاصل جمع اثنين مع ثمانية وأربعين، عام النّكبة، هو خمسون. وفي عام خمسين ضُمّت يافا لتل أبيب. وإلّا فلماذا لم تختر الكاتبة أن يكون ذلك في السّنة الأولى مثلًا؟ إذًا الزّواج بالمعنى السّياسيّ يعني ضمّ يافا وسياسة تهويدها.

في الفكر النّسويّ الحبّ للمرأة حياةٌ وإثباتٌ لوجودها. أمّا الزّواج فيه فمكروه حين لا يكون بإرادة المرأة، إذ يمسي قمعًا لحقوقها. ليست الرّواية رفضًا للزّواج، بل رفضًا له إذا لم يتحقّق برغبة المرأة. لذا ترفض ميار الزّواج كما رسمته لها سارة. رفضته لأنّه يفرض عليها التّنازل عن دراستها وحقّها في تحقيق ذاتها.  فتتنازل ميار عن حبّها لكنّها ترفض التّنازل عن تحقيق ذاتها ودراستها، فتغادر البلاد لتحقّق أحلامها.

كانت يافا من أقدم وأهمّ مدن فلسطين التّاريخيّة، إذ اعتبرت قبل النّكبة عاصمة فلسطين الثّقافيّة دون منازع، احتوت على أهمّ الصّحف الفلسطينيّة وعشرات المجلّات ودور النّشر والطّبع والمسارح ودور السّينما(ص157-161)، "لكنّ المشروع الصّهيونيّ دمّر كلّ هذا الجمال وهذه الحضارة"(ص161). وعليه، إذا كانت ميار هي يافا فإنّ زواجها/ ضمّها يعني خسارتها لسيادتها وطمسًا لهويّتها وتدميرًا لمعالمها. وإذا كانت النّسويّة تعزّز الهويّة الأنثويّة وترفض التّبعيّة، وتسعى لرفع صوتها لردّ حقّها من الذّكورة واستعادة هويّتها المغيّبة، رافضة طمس هويّتها الأنثويّة، فإنّها في البعد السّياسيّ تسعى لردّ حقّها الوطنيّ العادل، فترفض تهويدها وطمس هويّتها العربيّة وخضوعها لهيمنة ثقافة أخرى، ساعية لاستعادة هويّتها العربيّة المغيّبة والحفاظ على وجودها. وهذا ما تؤكّده دلالة رمزيّة أسطورة "عروس البحر" الّتي تذكّرتها ميار؛ العروس الّتي أطاعت السّاحرة فاستغنت عن ذيلها مقابل حبّ أفقدها حقّها في وطنها البحر. فقد خشيت ميار من فكرة حبّ يفقدها الوطن كعروس البحر، حبٍّ يفقدها هويّتها وكيانها وأحلامها ووجودها. لذا تنازلت عن حبّها لنديم وتخلّت عنه حتّى لا يفقدها حقّها في تحقيق ذاتها وأحلامها. وبالتّالي لا يفقدها القدرة على استعادة الحقّ في الوطن وتعزيزه. فتحقيق ذاتها يعني تحقيق ذات الوطن؛ يعني امتلاك القدرة والوعي على حماية الحقّ وتعزيز الهويّة والوجود في البعد السّياسيّ. كانت السّاحرة في هذه القصّة معادلًا موضوعيًّا لسارة. وعروس البحر هي ميار. وميار هي يافا. والبحر هنا رمز للوطن؛ بحر يافا الّذي يتربّع على عتبة غلاف الرّواية.

تخاف ميار من فقدها ليافا فتبحث بحكمة عمّا يحقّق ذاتها ويرفع صوتها ويخلّد هويّتها، ولا تجد أهمّ من العلم والقلم. فالقلم لغةٌ، واللّغة هويّةٌ، والهويّة وجودٌ. والقلم أداة الكتابة. والكتابة توثيقٌ وتخليدٌ للّغة والثّقافة والهويّة والوجود. والكتابة بوحٌ وآليّة تطهير لتفريغ الرّوح من ذاكرتها الموجوعة المشرّدة. وهي سلاح دفاع وإدانة وهجوم ضدّ كلّ من يسلب الحقّ وينتزع الحرّيّة. بالكلمة والبوح تقول ميار ذاتها هي، وتحكي حكاية وطنها، وتعلن المسكوت عنه. وممّا يدعم هذا البعد السّياسيّ أنّ والدها كان معلّمًا للّغة العربيّة: "معتبرًا الحفاظ عليها في بلادٍ تسعى إلى تهويدها وتهميشها أوّل أشكال الصّمود وأقواها"(ص16).

انحازت الكاتبة للأنثى فمنحتها وعيًا وقدرة على المبادرة، فميار هي الّتي أنهت علاقتها بنديم، وهي الّتي راسلته بعد طول غياب في اللّحظة الّتي حدّدتها هي. ميار تحبّ اللّون الأحمر، وهي مثله، "فهو لونٌ يشبهها"؛ "مليءٌ بالشّغف، صاحب فكرٍ وعقيدة، لا يحبّ النّفاق ولا يرضى بالصّمت خيارًا أمام الخطأ والظّلم". وميار "حمراء"، "جسورة، تعشقُ الجمال والحياة"(ص28)، مثقّفة وقادرة على الفعل وصنع القرار. ميار إذًا على الصّعيد السّياسيّ ستمتلك القدرة على التّحكّم بمصيرها وصنع القرار لأنّها امتلكت الوعي والثّقافة والعلم.

أمّا حلا فرمز لدمشق وبلاد الشّام. كانت ميار تجد في حلا الوطن فتخفّ غربتها. معها كان الوطن حاضرًا رغم الغياب. كانتا صديقتين. "عاشتا كتوأمٍ سياميٍّ لا يمكنه الانفصال.. كلتاهما عاشت غربة.. أنصتت الواحدة منهما لوجع الأخرى"(ص60). قلنا إنّ ميار تعشق الجمال والحياة، وحلا يعني الجمال. وهي فنّانة رسّامة تعشق الجمال كذلك. والجمال والحياة والحبّ هي كلّها حياةٌ للمرأة. وهي لا تنفصل بدلالاتها عن الوطن الّذي تعشقه ميار وحلا. وإذا كانت ميار ترى في حلا العروبة فهذا إيحاء للانتماء لبلاد الشّام وللهويّة العربيّة على الصّعيد السّياسيّ. وبلاد الشّام كانت تسمّى أرض كنعان. واسم يافا اسم كنعانيّ ويعني الجميل. وعليه، إذا كانت حلا تعني الجمال فيافا تعني الجميلة. وإذا كانت ميار صاحبة قلم وكلمة وتحكي بصوت الوطن، فإنّ حلا رسّامة وبالرّسم كانت تحكي حكاية الوطن وجماله. فالرّسم لغةٌ لا تقلّ تعبيرًا وأثرًا عن الكلمة. وهكذا أصلًا وجدت ميار حلا وتعرّفت إليها؛ وجدت الوطن في لوحة حلا، وجدت في إحدى لوحات حلا رسمة عن دمشق ووجدت فيها "تفاصيل عبقت بروائح حيفا وعكّا والنّاصرة.. بيوت يافا القديمة... أسواق القدس العتيقة. لوحةٌ تشبه فلسطين في جمالها ودلالها ورونق حضورها"(ص84). هكذا تشير الكاتبة إلى ذاك التّاريخ الّذي ربط فلسطين بالشّام حيث كانت تسمّى بلاد الشّام، فتربط بنوستالجيا شديدة وبرومنسيّة حالمة بين الشّعبين ربطًا وجدانيًّا، قوميًّا، جغرافيًّا وتاريخيًّا.

وحين تمرض حلا في السّنة الأخيرة تعود إلى سورية لتموت هناك. ولعلّها بموتها توحي إلى أزمة سورية. فإذا كانت ميار يافا تتوق لإحياء حبّ جديد، وقيامة تبعث فيها الحياة العادلة، فحلا اعترفت بأنّها تتوق للحبّ والبعث كذلك(ص114). وموت حلا إيحاء لحاجة سورية لقيامة تحييها من جديد وتعيد إليها جمالها واستقرارها السّياسيّ. وحتّى تؤكّد الكاتبة فكرة البعث تترك حلا تموت في الرّبيع، ففي الرّبيع يكون البعث والقيامة، وذلك تنبّؤًا وتوقًا لتحقيقه على أرض الواقع.

ليست الرّواية نسويّة إلى حدّ الانشغال بتدمير الذّكورة، فمعركتها سياسيّة وطنيّة، الرّجل فيها ضحيّة سياسة التّمييز والعنصريّة كالمرأة. نديم هو الحبيب الّذي تركته ميار قبل خمسة عشر عامًا فرفض أن يتزوّج من أخرى إخلاصًا لحبّه. هو الحبيب المنتظِر ومعادل للوطن. يأتي فراق ميار عنه موازيًا لفراق الوطن، وحين تعود إليه تعود للوطن كذلك. إذًا الحبيب والوطن هنا لا ينفصلان. كالحبيب المخلص لحبيبته يخلص الوطن لأبنائه فينتظر عودتهم. لذا تفشل ميار بإيجاد الحبّ بعيدًا عن يافا وبحرها. والبحر، رمز الوطن، شاهد على حبّهما. فقصّة حبّهما بدأت على شاطئ يافا، وحين قُرِّر لها الموت ماتت أمامه، وحين بُعِثت من جديد بُعِثت أمامه كذلك. ولهذا تجعل الكاتبة البحر موتيفًا بارزًا في روايتها.

ميار هي يافا. ويافا لقّبت بـ "عروس فلسطين" و"عروس البحر". وعروس البحر لا تحيا إلّا في مائه. لذا ترفض ميار الحبّ خارج يافا حتّى لا تفقد وهويّتها وحقّها فيها كعروس البحر في الأسطورة. لذا عليها أن تعود لتُبعَث فتَبْعَث الحياة في وطنها وتعمل على نهضته ورقيّه بعلمها وثقافتها. واسم نديم يعني الرّفيق والصّاحب. والكاتبة لا تريد لميار أن تبقى مشروع غربة، بل ترى بالوطن رفيقًا وصاحبًا وحبيبًا. لذا تعيدها إليه لتبقى. وهذا ما يؤكّده نديم بقوله لميار على شاطئ يافا: "أريدك زوجة وحبيبة وصديقة أبديّة"(ص199).

وحتّى تكتمل صرخة الكاتبة السّياسيّة تأتيها رسالة من هاشم عبد الكريم، الصّحفيّ الغزّاويّ، من ضمن الرّسائل الكثيرة الّتي وصلتها لتهنئها بالسّنة الجديدة. كانت ميار قد وعدت نفسها بألّا تردّ على رسائل التّهنئة في تلك اللّيلة. فالحزن هو سيّد اللّيلة، ولا مجال لتبادل التّهاني والفرح، لكنّها أمام الصّحفيّ الغزّاويّ، "وواقع أليم جمعهما، تقاسما فيه هموم الأمّة والوطن والمهنة" لم تستطع أن تؤجّل ردّها إليه للغد كالآخرين. وفي ردّها تستذكر آلام غزّة مشيرة إلى أنّ غزّة "عروس بحر" أخرى (ص147)، فتعيش بحبرها صراع غزّة مع الحصار والموت. ليؤكّد ردّها إليه أنّ غزّة بالنّسبة إليها هي وجه آخر من وجوه حزنها.

مشغولة هي الكاتبة بكيفيّة بناء مستقبل ورديٍّ وإعادة بناء الوجود والإنسان وتعزيز الهويّة. فتدعو لحلّ الصّراع بحوار إنسانيّ حضاريّ يرقى فوق كلّ صوت عنصريّ عنيف، يعلو فيه صوت القلم والحكي؛ القلم الّذي كان حلم ميار "وقوّتها الإنسانيّة والحضاريّة لإحقاق الحقّ والحرّيّة وتوكيد الوجود"(ص41)، مهتمّة بأن تؤكّد أنّ المشكلة ليست مع الشّعب اليهوديّ، بل مع الاحتلال والعنصريّة وطمس الهويّة. ولذا تأتي بشخصيّة المحاضر المتديّن بروفيسور شفارتس، فتتذكّر ميار تواضعه وإنسانيّته وابتسامته والتّفّاحة الصّفراء الّتي أصرّ أن تشاركه فيها. إذ منحها نصفها حين دخلت إلى غرفته في الجامعة في سنتها الأولى: "يجلس الاثنان متقابلين.. بوجهين ضحوكين.. "كلٌّ نصفه، قبل أن يباشرا النّقاش والبحث في وظيفةٍ جمعتها تفّاحة وابتسامات، وإنسانيّة شائكة لقضيّة مركّبة عالقة"(ص120). التّفّاحة هنا رمز لتفّاحة الحياة، المعرفة والخلود. وفي إصراره على تقديم نصف التّفّاحة مناصفةً إنّما يصرّ على تأكيد توجّهه الإنسانيّ واعترافه بوجود ميار وهويّتها، ودعوته للحوار الحضاريّ والعيش المشترك. (يتبع)

 

قراءة تحليليّة سيميائيّة في رواية "جوبلين بحري" للكاتبة دعاء زعبي (1-2)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين