في ذكرى انطلاقة ثورة أكتوبر الاشتراكية| سمير خطيب

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

من الصعب الحديث عن هذه الثورة بعد انهيار الدولة التي أسستها وهي الاتحاد السوفييتي، وذلك لأني ما زلت استحضر مشاهد الحياة اليومية والعزة والعظمة التي كانت هناك قبل الانهيار، وأعترف أنه لم يكن كل شيء ورديًا، وكان الكثير مما يجب تحسينه، أو تعديله وكنت أقول إنها التجربة الأولى وكل تجربة تأخذ العبر من سابقتها، ولكني لم أتوقع هذا الانهيار وبهذه السرعة.

كثيرة هي الثورات على مر التاريخ، وأوّل الثورات كما يعلّمنا التاريخ هي ثورة الفلاحين عام 2132 قبل الميلاد ضد الأسرة الفرعونية الحاكمة، وهناك ثورة أخناتون الدينية، وشهد العالم العربي والاسلامي ثورة القرامطة وثورة العبيد في مكة الخ، وصولاً إلى الثورات في العصر الحديث مثل الثورة الفرنسية التي كان لها الأثر الأكبر على ماركس وانجلز عندما بدأت تتشكل  لديهم النظرية الماركسية وتفسير حركة التاريخ والمجتمع، وكل هذه الثورات بغالبيتها عفوية غير منظمة وهي نتاج الظلم والغبن اللاحق بالبشر ورغبة بالحرية وتحسين ظروف المعيشة، ولهذا غالبيتها باءت بالفشل، وإن كان حصل تحسن بأوضاع الناس نتيجة بعض الإصلاحات التي قامت بها السلطات الحاكمة، تحسبًا ودرءًا لثورات قادمة أخرى. وحدها الثورة الاشتراكية في روسيا كانت نتيجة دراسة معمقة للواقع السياسي والاقتصادي لروسيا القيصرية، والذي لم يتناسب مع النظرية التي وضعها ماركس أن الثورة الاشتراكية يجب أن تبدأ في دولة رأسمالية متطورة مثل بريطانيا أو ألمانيا وليس روسيا التي كانت دولة إقطاعية والرأسمالية فيها في بدايتها، وبالتالي لا توجد طبقة عاملة كبيرة في روسيا. ومع هذا قرر الحزب البلشفي بقيادة لينين القيام بالثورة في روسيا (ما عرف لاحقًا باللينينية) وهو إمكانية نجاح الثورة الاشتراكية عبورًا عن مرحلة الرأسمالية، ونجحت الثورة وأنجزت الكثير من الإنجازات الاقتصادية والعلمية والسياسية المغمسة بعرق ودم العمال والفلاحين وقسم من المعارضين، ولكن للأسف بعد سبعين عامًا انهار الحلم الاشتراكي وانهار الاتحاد السوفييتي.

لن أتطرّق هنا لأسباب الانهيار الخارجية وأهمها الحصار السياسي والاقتصادي الذي كان مفروضًا على الاتحاد السوفييتي، ولا للأسباب الداخلية كالبيروقراطية وغياب التحفيز الذاتي وتحويل الدولة للرأسمالي الكبير، ولكني سأتطرق للثورة ذاتها، فلأوّل مرّة في التاريخ الحديث تتفجّر ثورة شعبيّة بهذا العمق والمساحة والأبعاد. ولأوّل مرّة كذلك يزحف المستضعفون من العمال والفلاحين على الطغاة بهذا الشكل، ويواصلون الزحف حتّى يعصفوا بوجودهم ويستولوا على السلطة من أجل تحديد مستقبلهم بأنفسهم، وقد انتصر البلاشفة في ثورة أكتوبر ١٩١٧ الروسية لأنهم تجرأوا بالدرجة الأولى على طرح مسألة السلطة. والحقيقة، لم يكن تسلّم السلطة من قبل مجالس العمال والجنود (السوفييتات) ذات الأغلبية البلشفية تعبيرًا عن جهوزية المجتمع الروسي لثورة اشتراكية تستطيع أن تحلّ التناقض بين رأس المال والعمل، بل كان حسمًا لصراع بين سلطتين: سلطة الحكومة المؤقتة ذات وجهة جمهورية برجوازية، وسلطة منافسة قاعدتها مجالس العمال والجنود والفلاحين ذات وجهة اشتراكية، وبعد الاستيلاء على السلطة بدأ بناء الاشتراكية في دولة مترامية الأطراف، تعتمد على الزراعة بالأساس في ظل حرب خارجية وحرب أهلية دموية استمرت ثلاث سنوات حتى استقر النظام السوفييتي، وبدأت مسيرة اللحاق بركب الدول الرأسمالية الغنية والمتطورة، إلى أن استطاع الاتحاد السوفييتي أن يتحول إلى دولة عظمى عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا. وهنا يسأل السؤال هل نجاح الثورة الاشتراكية في روسيا ساهم في إطالة عمر الرأسمالية بدلاً من القضاء عليها؟ وذلك من منطلق منع الثورات القادمة ونجاحها استطاعت الرأسمالية بمرونتها تقديم بعض التنازلات الشكلية مثل تحسين ظروف العمل والعمال، والضمان الاجتماعي وزيادة المحفزات للعمال وتخفيف حدة الصراع بين رأس المال وقوة العمل منعًا لوصول حالة من الصراع والصدام تؤدي إلى انفجار ثورة اشتراكية قادمة. وحتى لو كان الجواب ايجابيًا، مع أنه لا يمكن إثبات ذلك، تبقى الحقيقة الصارخة للعيان وهي أن الثورة الاشتراكية في روسيا ساهمت مساهمة كبيرة بتطور البشرية جمعاء، (في روسيا وباقي دول العالم) وذلك بتحسين الكثير من ظروف العمال والفلاحين في الدول الرأسمالية وفي مجال حقوق الإنسان ورفع مكانة المرأة في تلك الدول، ويكفي هنا أن أذكر أن أول دولة أقرت إذن الولادة المدفوع للنساء هي الاتحاد السوفييتي.

إن استذكار هذه الثورة المجيدة والتضحيات التي قدمتها شعوب الاتحاد السوفييتي، تعتبر نقطة انعطاف جذرية في تاريخ العالم، حيث غيرته لأكثر من سبعين عامًا، والتي ستظل مضيئة على الدوام في هذا التاريخ العاصف، إن هذه الثورة ومبادئها العليا في الخبز والأرض والسلم ستبقى خالدة في وجدان كل المناضلين من أجل العدالة الاجتماعية والمساواة والحرية، فعلَمُ النضال ضد الظلم ومن أجل الاستقلال مازال يرفرف، رغم الضجيج بنهاية الأيديولوجيا.

لقد برزت قيمة الانجازات التي حققتها ثورة أكتوبر في المرحلة الراهنة، وبعد غيابها في ظل أنظمة الحكم الرأسمالية المستندة الى اقتصاد السوق واستغلال قوة عمل العمال لزيادة أرباحها. وفرضت عليها عدم إهمالها، فالحاجة مُلحة وضرورية الى تقييم متوازن يجمع بين الثغرات والتجاوزات التي أدت الى المآل المأساوي للتجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي، وبين ما حققته من تجاوز التخلف والعوز والاستقطاب الاجتماعي الفاقع، مراحل تاريخية بكاملها، وصولاً إلى بناء مجتمعات جديدة قائمة على مبادئ العدالة والمساواة.

وأخيرًا ليس آخرًا، بيّن الاتحاد السوفييتي وبلدان المنظومة الاشتراكية، على الرغم من كل شيء، أن ثمة إمكانية لبناء ملامح مجتمع جديد، ليس قائمًا على مبدأ الربح وتقديس السوق والملكية الفردية، مجتمع يحقق مقادير عالية من تكافؤ الفرص لمواطنيه الاقل يسرًا، ويفي بالحاجات الرئيسية للجميع في العمل والتعليم والسكن والطبابة، مجتمع يضع العدالة الاجتماعية على جدول أعمال التحقيق الفعلي ويعطي في الوقت ذاته قيمة خاصة للثقافة والفن والتراث الشعبي.

  من هنا، فإن سقوط تجربة واحدة في بناء بديل اشتراكي للرأسمالية ليس يعني أن الرأسمالية صارت نهاية التاريخ، ولا يشير إلى استنفاد البشرية لضرورة وامكانية بناء بدائل أخرى، خصوصًا إذا نجحت القوى المناهضة للرأسمالية في التعلّم من دروس وأخطاء التجربة الرائدة الأولى. والذين يقولون إن فشل أول تجربة في بناء الاشتراكية يقضي على أي امكانية لقيام الاشتراكية أصلاً!!، يُردّ عليهم بالمثال التالي: ان أول البشر الذين حاولوا الطيران سقطوا أرضًا ومات معظمهم. لكن ذلك لم يمنع أن ينجح البشر أخيرًا في الطيران.

  ما انفكت البشرية تحلم، وما زالت تمضي بأحلامها إلى العدل والمساواة وتوزيع الثروة العادل والعلم والهواء والنور، هذا حلمها، وقد قامت التجربة الاشتراكية بأخطاء كثيرة، لكنها كانت أخطاء على الطريق الصحيح، أي الطريق الذي يسترشد بالعدل، بينما أنجزت الرأسمالية الكثير على طريقٍ خاطئ، أي طريق تعيش فيه الأقلية على حساب الأغلبية. أخطاء على الطريق الصحيح، وإنجازات على الطريق الخاطئ. هذه هي المعادلة الصحيحة ولهذا ألف تحية لثورة أكتوبر الاشتراكية وإن ضلت الطريق، وتحية للثورة لأجل مصالح الناس، وللأماني بعالم عادل حقًا.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين