جماليات المَبنى والأسلوب واللغة في "ظل الغيمة":
تكاد "ظل الغيمة" تتميّز على الكثير من السير الذاتية العربية التي كُتبَت بأنّها تأخذ بالقارئ إلى عالم أحداثها وقصصها وطرائفها، فلا يشعر بمرور زمن ولا يملّ به مكان. تشدّه اللغة الجميلة بإيقاعية مفرداتها وجمالية جملها وفقراتها. يُقرر حنا أبو حنا منذ البداية أنّ لا علاقة من قريب أو بعيد بين أحداث وأشخاص (ظل الغيمة)، وأيّ حدث أو شخص ينطبق عليه ما ورد فيها. وينسحب ليتوارى خلف الراوي الذي يظهر على فترات متباعدة ليسترجع حادثة (ظل الغيمة ص148) أو يروي قصة غريبة (ظل الغيمة ص15-16 و 225) أو طرفة ذات دلالة (ظل الغيمة ص54) أو تفسيرا لغويا (ظل الغيمة ص36) أو حكاية هادفة (ظل الغيمة ص17،153) أو حكاية مثيرة (ظل الغيمة ص158). وأحيانا يستحضر الشارح ليفسر معنى كلمة (ظل الغيمة ص11) أو ليذكر شرح حديث أو يطرح سؤالا (ظل الغيمة ص227). وفيما عدا ذلك يتوارى الراوي وينقل لنا ما يراه من سيرة يحيى وما له علاقة بذلك من أشخاص وأمكنة وأحداث.
يُحرّر حنا أبو حنا نفسَه بهذا التواري خلف الراوي الخفي الذي يعرف كل شيء ولا يبخل بنَقل أدقّ التفاصيل من الالتزام بالدقة في نقل الأحداث وبتفاصيلها، وواجب ذكر الأشخاص وتحديد الأمكنة والأزمنة للأحداث، والصدق بكل ما يروي. وفي بعض الحالات يسمح لنفسه أن ينتقي ما يريد ويتناسى أو يتنازل عمّا يراه مسيئا أو مشوها أو محرجا له أو لغيره. فهو ككل إنسان ملتزم بمراعاة العادات والتقاليد وحساسية البعض لفضح أسرارهم الخاصة. وبهذا الالتزام تتحدّد حرية كاتب السيرة في مجتمع كمجتمعنا لا تزال بعض المحرّمات تفرض عليه الابتعاد عن ذكرها أو مجرّد التلميح لها خاصة ما يتعلق بالعواطف والجنس والدين. رغم أن بعض القصص العاطفية رويت مثل قصة سلمى والمغربي (ص118-122)، وبعض الملامح الجنسية ذكرت وإن جاءت بذكاء يعرف كيف يجعل المتلقي يتقبلها وهو يضحك وحتى يتشوق لمزيد من التفصيل (ظل الغيمة ص36، 105، 116، 176، 178))، ومثل قصة فارس وعدلة التي تمتاز بعفويّتها وصدقها وواقعيّتها (ص 210-212).
ومثلها قصة يحيى وهو في الرابعة عشرة من عمره مع قريبة أمه التي كانت تزورهم، وقبلتها التي طبعتها على شفتيه فأشعلت ثورة العواطف في داخله وعذبته. ويعترف يحيى أنّ هذه المرأة كانت "ملاك اليقظة". ويصف جمالها "كانت مكتنزة الجسم. بياضها كالحليب الذي تعشقه موجة شقراء من العسل. في صوتها غنج يحتضنك فترافقه إلى حيث يشاء. وشعرها الخروبيّ أطفال سمر يلهون بالركض على شواطئ الجبين والخدّين"(ص227). ويروي يحيى ما حدث له: "كان في سريره على الجسر بين النوم واليقظة أقرب إلى إقليم اليقظة. شلال حرير ينهال على وجهه ودفء رطب يطوّق شفتيه ويعصرهما. مسام جسمه كلها تُستَف.. تتفتّح.. تتمطّى وتنتشي لهذا الوجه الذي يغطي وجهه رائحة ترفّ في وعيه كجناحي الحسّون. وعيه يتزلزل ويُحلّق. إنّه ليس مجرّد عطر. هل هي الأنوثة تتوهج وتبث سحرها من كهف غامض سحيق؟ سؤال استثاره فيما بعد وظلّ يُحاوره.
حاول أن يفتح عينيه لكن شعرها الناعم كان يغطيهما ويتماوج فوق جفونه. تراخى الطوق على شفتيه برهة وارتفع وجهها قليلا ثم عاد شعرها يخيّم على وجهه وشفتاها تُعيدان احتضان شفتيه فتجاوبت شفتاه. تعانقت غيمتان فكان برق ورعد أصداؤه على السفوح والأودية. أجفلت شفتاها. انحسر شعرها وارتفع وجهها"(ص 226-227)، فكانت هذه المرأة "الفتنة ورسالة الغيث إلى الأرض الواعدة الموعودة"(ص227). ويشعر أنه الآن فقط – وهو على جبل التجلّي – "تتفتّح عيناه على ضياء جديد ويرتعش وعيه في غمرة جدول فجّر ينبوعه الصخر وتدفق"(ص227). ثم قصة حبّه مع لمياء (ص226-235) وقصته مع ثريا (ص244-247).
وزّع حنا أبو حنا سيرته الذاتية على سبعة وثلاثين لوحة إبداعية، لو تَوَفّر لكل منها الرّسام الحاذق لقدّم لنا أجمل اللوحات. لكن حنا رسمها بالكلمات وأعطى لكل منها اسما مميّزا، واجتهد أن تقوم الكلمات مقام الألوان في إنطاق اللوحة واكتمالها وتميّزها.
وركّز اهتمامه بشكل خاص على أربعة محاور متباينة ومتداخلة هي: المكاني، الزمني، الاجتماعي، والثقافي.
فعلى المحور المكاني نراه يتنقل بيحيى وأسرته بين مواقع مختلفة ومتباعدة في البلاد، تبدأ من قريته "الرينة" التي ولد فيها، وتتنقل استجابة لمستلزمات عمل الوالد في مساحة الأرض، ما بين رام الله والقدس وأسدود وقرية نجد القريبة منها ومدينة حيفا والناصرة، وأخيرا يصل بيحيى إلى القدس ليتابع الدراسة في الكلية العربية. وكان لكل موقع أثره الساحر على الطفل يحيى، فنراه يترسّم المواقع ويصفها متأمّلا مأخوذا مستوعبا "صباح صيفي ينتشر فيه عطر ناعم تبوح به أشجار الصنوبر، ولحن السكينة يعزفه النسيم النشيط على ضفائر تلك الأشجار"(ص19)، هذه هي طبيعة رام الله التي انتقل إليها صغيرا وسحرته بجمالها. ومثل رام الله كانت القدس "صورة المشهد المترامي، الصورة البانورامية تتقلص، العدسة تنحصر لتقطف تفاصيل صغيرة. يلتوي الباص مع أحد الشوارع.. بيوت من الحجر الأبيض نبتت مع البساتين. الشبابيك والأبواب من الحديد. الألوان تتراوح بين الأخضر والبني. يمعن الباص في اختراق المدينة. هناك حوانيت ومشاغل لا تفتخر بكثير من النظافة والشارع هنا يداعبه الوسخ."(ص24). والسوق في أسدود "يختلف عن السوق في القدس القديمة. فالسوق هنا في الفضاء الطلق، كل يعرض بضاعة إمّا على الأرض أو على دكّة مرتفعة. الجو مشبع بروائح التوابل والعطور، زجاجات عطر "الميكادو" تطل برؤوس موشحة باللون الذهبي وعلى الصدر إتيكيت أخضر زيتوني عليه صورة لم تعد واضحة في الذاكرة. اجتمعت قرب البائع نساء يساومنه، وترك البائع للعطر الذي يجربنه من زجاجة مفتوحة أن يرجّح موقفه."(ص42).. وتأخذه مدينة حيفا بروعتها "البيوت التي على السفح لا يحول أحدها دون منظر البحر، وحول تلك البيوت أشجار مختلفة منها الزيتون والتين واللوز، ومنها ذلك الزهر الرائع بعرائشه الخضراء ونجومه المتلألئة البيضاء – الياسمين. وحول كل بيت حديقة فتانة بألوانها عابقة بعطرها. الحوار بين الضياء والبحر لا ينفك ينبض- فيه قدسية نديّة مع السحر، وطراوة يافعة متدفقة مع الفجر، ثم موكب مهيب للشمس ترقى الأفق إلى السّمت، ثم تميل شيئا فشيئا إلى مهدها المسائي تغتسل وتذهب للنوم. وفي ذلك كله مهرجان للألوان والظلال. والميناء يودّع ويستقبل، ويطلق هتافات سفنه راحلة أو قادمة. ويزيد الليل من روعة المشهد، ويَتعانق بحر وبحر، وتتغامز النجوم في المساء، ويخطر القمر جليلا فضيّا في موكب السكينة الرمادية."(ص25).
وبمثل هذه اللغة الشاعرية الأخاذة يترسم الطفل يحيى مواقع الوطن، هذه الأماكن التي انغرست صورتها في ذاكرته، لا يمكنه نسيانها رغم انكسار المواقع وتغيير مظاهرها وأسمائها ويؤكد ذلك بقوله: "عندما تنظر عبر البُعد الزمني للمكان، تنشأ بينك وبينه علاقة حميمة. لكل شيء حكايته، وهذه الحكاية هي ما سمّاه البعض "البُعد الخامس" للأشياء."(ص199). "الطريق تعانق التاريخ. القرية الجارة – المشهد – هل هي حقا مشهد يونس كما قال بعضهم. أم مشهد نبيّ أو وليّ سواه. كان يستثيره دائما أن يطلّ على ماضي المكان. هذه الأرض حرثها وزرعها أجدادنا. أشجار الزيتون هذه غُرسَت قبل مئات السنين. تحتها جلس الفرّاطون، وارتفعت الأصوات في أيام الحصاد تغني وتنادي، ويردد صداها السّفح والوادي. وتلوح قباب في كفر كنا، قانا الجليل. نعم قبل ألفي سنة كانت هنا أعراس، وكان المسيح، وكانت عجيبة تحويل الماء إلى خمر؟"(ص199).
ويصف بحيرة طبريا "تجلس على الشرفة فتعانقك البحيرة والجبال التي تحضنها. صوت الأمواج الناعم في الليل ووجه القمر النرجسيّ الذي يعشق صورته في البحيرة.. والطيور المفترسة، وزوارق الصيّادين والشّباك المنشورة على الجسر الخشبي القريب.. كلّ ذلك يرقى بك إلى عوالم نادرة من الجمال والموسيقى."(ص202). ووصف الطريق إلى (عين التينة) "محاذية للشطّ، تحيط بها الأشجار والأزهار من الجانبين، أحبّها أشجار الصفصاف المتهدّلة الأوراق الناحلة نحو الماء كصبايا تُسرّح شعورها، تستر وجوهها وتُغرق في تأمّل ذواتها."(ص204). ولم يكن اهتمامه بالأماكن الخاصة في البيت والشارع والمدرسة بأقل، فقد أعطاها حقّها من الوصف وبأجمل الكلمات والعبارات الآسرة.
أما محور الزمن، فرغم عدد السنوات القليلة التي تتحدّد بها هذه المرحلة من السيرة (1928-1943) إلاّ أنّها كانت سنوات غنية بأحداثها على المستوى الذاتي حيث تفتح وعي يحيى على العالم الواسع وتعرّف على أجزاء كبيرة من الوطن، وعرف الكثير من الناس وزامل وصادق العشرات، وتفتحت عواطفه على الحب، وتعلم ونهل من المعرفة والثقافة ما كان له الزاد للمستقبل. وشهد يحيى في هذه السنوات تفجّر الوعي السياسي، وشارك في بعض النضالات التي سمحت بها سنّه الصغيرة، مثل المظاهرات والهتافات. فقد شهدت هذه السنوات تفجر المواجهة بين المحتل الإنكليزي والشعب الفلسطيني وإضراب وثورة عام 1936، وما رافق هذه الثورة من أعمال إيجابية وطنية وأخرى سلبية مسيئة "دخل أحدهم إلى الدكان. أفرغ رصاصات مسدّسه في أبو أيوب الذي سقط قتيلا ودمه يتفجّر على الأرض. وكثرت حوادث الاغتيال من هذا النوع، مما كان وراءه تصفية حسابات فرديّة أو ابتزاز في سلسلة انتقامية لا تنتهي"(ص143)، ومثل قيام الثوار بقتل زوج أم عفيف وابنها وقريبين آخرين باسم الثورة مما أدّى إلى جنونها ورغبتها في الانتقام (ص186) وجوابها ليحيى بعدما سألها عن زوجها وأبنائها: "الله يتم عليك يا ابني. هاي البلاد بتحرق أولادها. بتحملهم الهموم من يوم ما بخلقوا. الله يحميكو يا بني" (ص187). ونسف بعض الشباب الثوار للموتور الذي يعمل على إيصال المياه إلى البيوت في الناصرة لأن المتبرعة به امرأة انكليزية، فيسخر بتعليقه على الحادثة "أليست المتبرعة به انكليزية والانكليز مستعمرون؟ وهكذا عادت النساء إلى الرحلات الطويلة لجلب الماء، منذ غبش الفجر."(ص105). وقصص كثيرة تُثير الغضب (ص188). وتأزم الوضع الدولي وانفجار الحرب العالمية الثانية، والصراع المتزايد ما بين الفلسطينيين العرب واليهود. وقد تنقل بنا الراوي ما بين هذه الأحداث مفصلا في معظمها مع الاهتمام بما كان لها من أثر على يحيى.
ويصف الراوي في المحور الاجتماعي تلك العلاقات التي ربطت بين الناس، والعادات والتقاليد التي كانت توجّه سلوك كل واحد وتُحدّدها. كيف يتعايش الواحد مع الآخر رغم ما يكون من اختلاف في الانتماء العرقي أو الاعتقاد الديني أو الاعتناق الفكري أو السلوك الذاتي. (راجع قصة الشاب من صفورية وابنة القرية(ص163) وقصة فارس وعدلة(ص210-212) والعديد من القصص مثل تدخل والد يحيى وإنهاء الاعتداء على أخيه من قبل شبان أيام ثورة 1936(ص73) ومطالبة الثوار لوالد يحيى بدفع النقود وإلاّ سينتقمون منه(ص76). كما اهتم في نقل مشاهد اجتماعية مختلفة تعطي صورة بانورامية عن مجتمع فلسطين في تلك السنوات كاحترام الصغير للكبير(ص161)، وذكر بعض العادات والتقاليد التي لا تزال بعضها تُمارس إلى اليوم في بعض الأماكن مثل رغبة تأكد الأقارب وحتى أهل البلدة بعذرية العروس(ص105-106) ومثل عادة ختان البنت (ص50)، ونقل الكثير من القصص التي كان الناس يتناقلونها ويؤمنون بها وأحيانا تؤثر على سلوكهم وعلاقاتهم مثل قصص الضبع (ص169-171)، وقصص طرد العين الشريرة (ص97). والعَرّاف الذي يقرأ الغيبَ ويفتح في المَندل (ص215).
واهتم بشكل خاص بالمحور الثقافي حيث صوّر مراحل تكوّن المعرفة عند يحيى، كيف عاش في أسرة محبّة للعلم، فالأم يقلقها عدم توفر مدرسة لابنها يوم انتقلت الأسرة لتعيش بعيدا عن البلدة، والأب قام بتعليم ابنه اللغة العربية ومبادئ الحساب، واهتم في كل بلدة ينتقل إليها أن يضمن دخول أولاده للمدرسة، والأم تتابع دراسة أبنائها وتساعدهم في حلّ الوظائف البيتية (62ص). ويظهر أثر هذا الاهتمام بنجاح يحيى في دروسه وحتى تفوقه وخاصة في اللغة العربية التي أحبها إلى درجة العشق. فيحيى لم يكتف بما يتعلّم في المدرسة وإنما يهتم بزيادة معرفته وثقافته فيقرأ كل كتاب يصل إليه، وفي المدرسة يتلقف كل ما يقوله المعلمون ويبهرهم بذكائه واستيعابه وفهمه وتفوّقه. ويذكر بعض المعلمين الذين تركوا أثرهم عليه، خاصة معلمي اللغة العربية(155-157ص). ومعلم الجغرافيا الذي كان يحث الطلاب على الخروج للتعرّف على البلاد ويقول: "اعرفوا البلاد بأرجلكم. اعرفوها لتُحبّوها"(180ص)، ويطالبهم بزيادة المعرفة: "يجب أن تعرفوا. المعرفة قوة والجَهل قتّال"(180ص).
وهو يكثر في هذا المحور من ذكر النوادر الأدبية والاستشهاد بالأبيات الشعرية واستحضار أسماء الكتّاب والشعراء، وأسماء الكتب التراثية والأدبية. ويحاول أن يُبرز نجاح يحيى في تثقيف نفسه واهتمامه بقراءة كل ما يصل ليديه، وكيف نجح بالفعل أن يقرأ أمّهات الكتب الأدبية والتراثية مما بوأه ليكون المتفوّق في العربية، ومن ثم يُساعده على أن يكون أديبا مبدعا وشاعرا له مكانته على ساحة الأدب. وهو في هذا الاهتمام يشبه جبرا ابراهيم جبرا الذي مثله يقرأ كل مادة تصل إلى يديه واستطاع أن يثقف نفسه ويتفوق على زملائه وينجح أن يكون الكاتب والشاعر والناقد المبدع.
//مستويات السّرد وجماليّة اللغة:
اعتمد حنا أبو حنا في كل لوحات سيرته السبع والثلاثين أسلوب السرد، ولكنه السرد الحكائي الذي يُشارك الراوي الخفي فيه العديد من الشخصيات إضافة إلى ظهور الراوي، وأحيانا الشارح لسرد قصة أو تفسير كلمة أو التعليق على خبر، وقد اشرت إلى العديد منها سابقا. ويكثر من اعتماد المصادر التراثية والاقتباس منها، ويذكر كبار الكتاب والشعراء ومؤلفاتهم، ويخص بالذكر الجاحظ وكتابه "البيان والتبيين". ويظهر تأثر حنا بقراءاته التراثية، وبأسلوب "ألف ليلة وليلة" الحكائي وتداخل القصة الواحدة بالأخرى التي تُذكر بها، والانتقال منها لقصة ثالثة تشبهها، واعتماد أسلوب التشويق مع التفسير والشرح والتعليق، فحنا في العديد من القصص التي ذكرها لم يكتف بسَرد الأحداث، وإنّما نراه ينتقل من حكاية إلى أخرى ومن راو لآخر فيتغيّر الأشخاص وتتغيّر اللغة وتتداخل الحكايات والنوادر والقصص. ويكون في ذكر اسم أو كلمة أو سرد حادثة وقعت ليحيى أو غيره من الشخصيّات، وإذا به ينتقل ليروي لنا ما قاله الشارح في معنى وتفسير هذه الكلمة.
ففي تناوله لاسم القابلة نفجة، انتبه بعد أن عرفنا عليها أنّ أحدا لم يهتم بتفسيره، وهذا قاده ليذكرنا بأن الأسماء في القرية لا يقصَد بها إلاّ التمييز. وأنها تختار باسم مناسبة أو شهر أو ظاهرة فريدة، أو لتحمل اسم الوالدين أو أحد الاقرباء ويذكر كيف اختار واحد اسم "لقيطة" لابنته بعد أن شاهد قصة لقيطة على التلفزيون (ص13). وهذا ذكّره بما ورد على لسان جولييت في مسرحية "روميو وجولييت" لوليم شيكسبير عن ماهية الاسم، وبقول لأبي عبيدة "وإنما الأسماء علامات ودلالات لا توجب نسبا ولا تدفعه" ووصل إلى رواية جيمس جويس (صورة الفنان شابا) ورأي ستيفن ديدالس بأنّ هناك صلة بين اسم المرء وكرامته. وإلى معلم التاريخ ورفضه خلط الأسماء فهناك فرق بين الاسكندر وكورش وعمر بن عبد العزيز وهولاكو. وذكر أن للإسم أهمية خاصة في تعاطي كتابة الحجابات والكشف بالمندل وغير ذلك من شؤون السحر. وكيف أنّ بعض الأسماء لا تلائم صاحبها كما حدث لابن الجيران الذي أثار قلق والديه بتصرّفه المزعج وعدوانيته وعدم اتزانه، فحسب له العرّاف وغيّر اسمه فركز وهدأ (ص12-13). وبعد كل هذه التداعيات والتداخلات يشرح لنا معنى اسم نفجة كما ورد في قاموس "المنجد". ولم يتوقف عند اسم القابلة وإنّما قاده ذلك ليروي قصة حياتها وخدمتها لأهل البلدة وترملها وتجاوزها المائة وثماني سنوات، وأنها في حياتها اعتنت بابنها نعيم وبابنتها وردة التي عنّست وجاءها العريس فقط وهي في الثلاثين من عمرها.. ويستمر في نقل قصة زواج وردة بإسهاب. (ص13-17)
ومثلما فعل مع اسم "نفجة" هكذا كانت قصته مع المطهر وكيف كان ذكره يُرعب الصغار حتى أنّ يحيى حاول قطع حمامته خوفا من قطع المطهر لها لولا مفاجأة الجارة له واستدعاء أمه وتحذيره من عواقب فعلته. فقد راح يروي ما قاله الطبيب المصري لرجل جاءه لفحص حمامته. وما كانت تفعله الصبايا في القرية أثناء زفّة العريس وتحريف كلمة "حلاته" في قول "هاتوا لنا هالعريس تنشوف حلاته" لتصبح "هاتوا لنا هالعريس تنشوف حمامته". ووضع المطهر صورة جزمة على واجهة مكتبه الزجاجية. واستذكاره للعديد من أبيات الشعر التي تتناول كلمة "الحمامة". وما حدث ليحيى، أي حنا أبو حنا، مع قصيدته "من هديل الحمامة"(ص34-38). ومثل هذه القصص التي يذكرها الكثير.
هكذا تتداعى القصص وتتوارد الأفكار وتتداخل الآراء في حلقات متتالية جميلة تُثير العقل وتفرح الفؤاد، تلقي كلّ واحدة على سابقتها إشعاعا وجمالا وأبعادا جميلة مختلفة. تذكرنا بحكايات "ألف ليلة وليلة" وأسلوبها، وبأسلوب الجاحظ وطرائفه في "البخلاء" و"البيان والتبيين". وهناك قصص ونوادر وطرف وحكايات وقعت ليحيى نفسه أو لأحد معارفه أو أقربائه نقلها بأسلوب مثير وبلغة شفافة أخّاذة تشد القارئ وترسم على شفتيه البسمة، وكثيرا ما تدفعه للضحك أو للحزن والبكاء. مثل قصة "المدير واللحاف"(ص60) وقصة يحيى مع معلم الحساب (ص62) وقصته مع جميل (ص65-66) وقصة هربه من المدرسة لرفضه قصّ شعره (ص79)، وقصة قضيب الرمان (ص100)، وقصة زواج أبو صبحي (ص137-138). وقصة طربوش المعلم (ص158) وقصة معلم الجغرافيا (ص176). وقصة أم يوسف والإمام (ص197) وقصة عدلة وفارس (ص207-212) وحكاية المَنْدَل(ص213) وغيرها كثير.
لقد نجح حنا أبو حنا أن ينقل لنا سيرته في صورة مترابطة تتّسم بالوحدة والاتّساق بأسلوب جذّاب، وسرد فني متميّز، اختار مادتها المنتقاة باعتماده على الذاكرة حيث كان للخيال الدور المهم في التنقل من حدَث لآخر ومن قصة لثانية وربط الواحدة بالأخرى. ورغم ما تفرضه كتابة السيرة الذاتية على صاحبها من التزام الصدق والواقعية، إلاّ أن للخيال الأهمية الكبرى لأنّ واضعي التراجم الذاتية فنانون قبل كل شيء، ومعنى هذا أنّهم لا يستطيعون أن يسردوا الوقائع سردا، وأن يسجلوها تسجيلا خالصا، لا أثر فيه للصنعة والخيال، وإنّما هم يُحاولون جهدهم أن يُقدّموا لنا حياتهم كلوحة فنيّة رائعة، روعيت فيها النسب (الأوضاع)، وأحسن فيها توزيع الأضواء والظلال، أو كقطعة موسيقيّة بارعة، لم يوضع اللحن الواحد بجانب الآخر إلاّ تبَعا لقوانين الانسجام، ولم تختلف النغمة عن النغمة – شدّة ونوعا – إلاّ حسبما تقتضيه قواعد التأليف. فكأنّهم، إذا كتبوا حياتهم، سيكتبونها كروائيين، يخلقون الكثير من وقائعها، أو يؤلفون بين أجزائها تأليفا بديعا، ولكنه بعيد عن الواقع كل البعد."(الحلاق، محمد راتب. مصدر سابق. وفهمي ماهر حسن، السيرة تاريخ وفن. ص 242). وفي (ظل الغيمة) يبدو استخدام الخيال في تجلياته في أغلب المشاهد التي صورها الراوي وأبدع فيها بمزج الخيال مع الواقع، وفي المقتبسات التي أوردتها يبدو ذلك واضحا.
لقد اختار حنا شخصية بديلة (يحيى) لتقوم مقامَه في تبوء مركزيّة الأحداث، وترَك للراوي الخفيّ العارف أن يسرد الأحداث دون قيد برقيب، وبعيدا عن التأثرات بعادات وتقاليد وحساسيّات، وإن كان أحيانا – كما بيّنت سابقا- يترك الراوي أو الشارح يظهر ويتكلم مباشرة مع القارئ. اختار حنا دور الراوي الخفيّ وضمير الغائب وهو يُدرك أنّ استخدام ضمير الغائب يُبعد بصاحب السيرة الذاتية عن القارئ المُتلقي، ويترك القارئ في موقع المُتلقي الرّاصد المُنتقد الحياديّ إلى حدّ ما، بينما في استخدام ضمير المتكلم قد يقترب كثيرا من القارئ، وفي حالات كثيرة يجعله ينسى موقعه كمُتلق حيادي مراقب، فيندمج بالنصّ، ويجد نفسه منساقا مع الأحداث والتفاصيل كأنّه صاحبها، إذا ما صدف وتشابهت مع أحداث وقعت له وعاشها في الماضي. بينما ينجح كاتب السيرة، إذا كان مبدعا حقيقيا، في اشراك المُتلقي معه ودمجه في تفاصيل حياته المَسرودة بكل التفاصيل، متّخذا منه الصديق والمستشار والحامي وحافظ الأسرار، وذلك في استخدامه لضمير المخاطب.
فالسارد "يجاوز ذاتيته حينما يُشرك القارئ في تجربته، والقارئ يجاوز ذاتيته حين يخوض تجربة السارد. وإذا تحقق التواصل بين السارد والقارئ عبر التجربة الابداعية، يكون ما يطلق عليه بلوغ التنوير perieteia وبالمفهوم الديني الهداية للحق"(أبو النجا، شيرين. السيرة الذاتية النسوية. نزوى، عدد 12، أكتوبر 1997). وكما قال امبرتوايكو: "إذا أراد المؤلف أن يجعل النص قادرا على التوصيل فعليه أن يفترض أنّ مجموعة الشفرات التي يعتمد عليها هي نفس المجموعة التي يستخدمها القارئ المتوقّع والذي تفتَرَض فيه القدرة على تفسير تعبيراته بنفس الطريقة التي ولدها المؤلف"(أبو النجا، شيرين السيرة الذاتية النسوية نزوى، عدد 12، أكتوبر 1997).
ولأن من يكتب سيرته الذاتية يكون دافعه الخفي أيضا رغبته في الهروب من وحدته، كي لا يكون وحيدا. ولذا فكثيرا ما يكون استخدام الكاتب لضمير المخاطب وراء هذا الدافع. مما يجعله في كثير من الحالات يوجه الخطاب إلى نفسه، ويقيم محاورات مع ذاته. كأن يقف أمام المرآة ليكتشف ذاته وحقيقة نفسه، إذ أنّ "شفافية الازدواج بين الراوي والكاتب تترك حيّزا للذات كي تقف فيه أمام مرآة ذاتها، وتحاور معرفيا عريها"(العيد، يمنى. فن الرواية العربية بين خصوصية الحكاية وتميّز الخطاب. بيروت. دار الآداب، الطبعة الأولى. ص 71 – 91). وكما حدث ليحيى عندما "وجد نفسه في خيمة كبيرة امتلأت بالمرايا منها المحدّبة ومنها المقعرة وقد تواجهت. يمر المرء بينها فيرى وجهه وجسمه وقد امتدت اليها أيدي العبث والتشويه، وقد تعاكست المرايا بالانعكاس، وعاكست المرء في صورته"، فتساءل يحيى: "إلى أيّ مدى تحمل تلك المرايا حقائقنا؟ أليس في نفوسنا شيء ممّا تعكسه تلك المرايا؟ لنا وجودنا الشكلي الخارجي، ولكن لنا أيضا وجود باطني نفسي قلّما نتعرّف إلى دهاليزه ومتاهاته."(ظل الغيمة ص95).
وأحيانا يقوم كاتب السيرة بالخروج من ذاته الواحدة ليقف أمام ذاته الثانية التي تواجهه في المرآة، فيُقيم معها محاورة مثيرة قد تقصر أو تطول، وتتناول مختلف القضايا الخاصة أو العامة، وتواجه نفسها بالحقائق التي لم تُكشَف بعد كما فعلت عفاف السيد في سيرتها حيث تقول مخاطبة ذاتها:" أرأيت كم أنت مني، وأنت تعلم هذا، وسوف يعلمه القارئ، ذلك الذي يؤرقك دائما أن تكون أمامه فاتنا ونظيفا وملاكا في كل قصصي التي كتبتك فيها، لكني الآن أكتب حقائق وأنزع تلك السيقان الدميمة والرفيعة للكذب، والتي غرستها في أحوال أخرى بعيدا عن المرآة التي أعلقها الآن أمام روحي في مواجهة الشمس"(أبو النجا، شيرين). وهكذا يتحوّل القارئ إلى ذات أخرى تسمع وتقرأ وتُحاور وتدخل في علاقة مستقلة مع ذات الراوية، وتُتابع قائلة: "هل رأيتني يا قارئي في مكاني الأصلي، هناك دائما أكون لو احتَجتَ أن تستفسر عن معنى كلمة، أو ما جدوى هذا النصّ، أو ربما أخذك الفضول لترى عيني الجميلة، لكن لا تندهش لمّا تجدني باكية" (أبو النجا، شيرين).
وكشاعر تأتيه المفردات الجميلة بانسياب وإيقاعية وتكامل لتتشكل الجملة والعبارة بلغة راقية، فقد اهتم حنا أبو حنا باللغة، واستطاع بتطويعه للغة واستخدام كلّ جمالية مفرداتها وتراكيبها أن يقدّم لنا نصّا نثريا جميلا أخّاذا، عرف كيف يُجمّله أكثر بالاقتباسات المختارة من الشعر والنثر التي استخرجها من كثير من المصادر التراثية ودواوين الشعر والمراجع المختلفة، مما جعل من "ظل الغيمة" كنزا لغويا وتُحفة أدبية. وبالحوارات التي جعلت النص في حركة مستمرة باختيار اللغة الصافية المُنسابة، وأحيانا الانتقال إلى العامية بكل جمالياتها على لسان بعض النساء "عزا المشحّرة على إيش فرحانه؟ المعونه مليحه. أجاها مين يعينها على بليّتها. يا ستي اللي بجيه ضيف بكرمه. وهاي ضيفه ومتغربه. لو كنت محلها بَطلب الطلاق والنفقه أو بخنقه" (ظل الغيمة ص44) أو على لسان فارس (ظل الغيمة ص208):
"تْغَسّل وتْنَيّل تغسل وتنيّل
تحت سالفها يا عاشق قَيّل
هيا يا برجاوي علينا مَيّل
واقطع للحلوه قميص النّوما"
والكثير الكثير بين طيّات الكتاب. عرف حنا أبو حنا كيف يختارها، وكيف يقدّمها مما يثبت أنّ لكل من العامية والفصحى جماليّاتها وأسرارها وسحرها إذا عرفنا كيف نلج إلى كنوزها.
الخلاصة:
رغبتُ في هذه الدراسة أن أقف على ما تميّزت به "ظل الغيمة" كنموذج لسيرة ذاتية تختصر من الحياة فترة الطفولة لتكون بكل عالمها الخاص محورا رئيسيا، مما ميّزها عن الكثير من السير الذاتية التي أهمل أصحابُها فترة طفولتهم ليتركزوا في فترات البلوغ والشباب والكهولة المعطاءة المثمرة التي يعتزون بها ويُفاخرون. وأنّ حنا أبا حنا نجح في أن يخلق من فترة طفولته عالما متميزا ورائعا.
بدأت الدراسة بمدخل عن مفهوم السيرة الذاتية ومكانها في التراث العربي وعلاقاتها بغيرها من الفنون الإبداعية، وإلى أي مدى كان لجبرا ونجيب نصار من تأثير على كتابة حنا أبي حنا لسيرته هذه. ثم انتقلت لصلب "ظل الغيمة" ووقفت على المحاور الأساسية التي دارت حولها وهي: المكاني، الزمني، الاجتماعي والثقافي، وعلى جماليات المبنى والأسلوب، ووضوح تأثر حنا بالتراث العربي والأسلوب الحكائي في كتب التراث خاصة "ألف ليلة وليلة" وأسلوب الجاحظ الساخر، واختيار الراوي الخفي ليروي السيرة، وعلى جمالية اللغة وقدرة حنا على تطويعها وتجميلها بالاقتباسات الأدبية التي ضمّنها والتي تُشكل ثروة ومَرجعا لمُحبّي اللغة العربية والأدب.
لقد نجح حنا أبو حنا في سيرته هذه، التي أعتقد ستتلوها حلقات أخرى تروي قصة البلوغ والشباب والكهولة، أن يضيف مشاركة مهمة في تأصيل فن السيرة الذاتية في أدبنا العربي الحديث، مشاركة تقرّبُ التراث العربي الغنيّ بلغته القويّة المتينة وأسلوبه المتميّز وغنائه المعرفي الموسوعي وثروته الأدبية إلى الأدب العربي الحديث ليكشف للقارئ كنوز تراثه ويثير فيه الرغبة في المزيد.
//المصادر والهوامش
*إبراهيم، عبد الله. السردية العربية. بيروت. المركز الثقافي العربي، 1993
*الباردي، محمد. الشخصية الروائية والقناع. فصول. عدد 4، مجلد 15 شتاء 1997. ص 33 -41
*البحري، محمد. في السيرة الذاتية النسائية. فصول. عدد 4، مجلد 16، ربيع 1998. ص 29 – 34
*حسونة، المصباحي. ملامح من أدب السيرة الذاتية في تونس. فصول. عدد 4، مجلد 16، ربيع 1998. ص 200 – 204
*السعافين، إبراهيم. الأقنعة والمرايا دراسة في فن جبرا إبراهيم جبرا الروائي. عمان. دار الشروق للنشر والتوزيع 1996
*الصكر، حاتم. السيرة الذاتية النسوية: البوح والترميز القهري. فصول. عدد 63، شتاء وربيع 2004. ص 208 – 232
*عباس، إحسان. فن السيرة. بيروت. دار الثقافة، 1956
*فهمي، ماهر حسن. السيرة تاريخ وفن. القاهرة. مكتبة النهضة المصرية، الطبعة الأولى د. ت
*قرانيا، محمد. جبرا أصداء السيرة الذاتية. الموقف الأدبي. عدد386. حزيران 2003
*لوجون، فيليب. السيرة الذاتية الميثاق والتاريخ الأدبي. ترجمة وتقديم عمر حلي. بيروت. المركز الثقافي العربي. الطبعة الأولى 1994.
*مجلة القاهرة. رئيس التحرير غالي شكري. عدد خاص عن السيرة الذاتية. عدد 162 مايو 1996
.png)


.png)

.png)






.png)

