*في الذكرى السنوية لرحيل مربي الأجيال الأستاذ جريس جبران خوري*
لقد عملتها أيها الزمن الكوروني اللدود.. فلا أهلًا ولا سهلًا ولا مرحبًا.. ولا أرانا الله وجهك ثانية.. ورماك في جهنم.. وبئس مصيرًا.
ففي فترة زمنية قصيرة.. و"ما بين غمضة عين وانتباهتها".. غافلتنا.. وعرفت كيف تختطف أحبّة كانوا رموزًا من عشاق اللغة العربية ملأتْ مواسم المشهد الثقافي وأكسبت وجهه النضارة والصحة والعافية.. ووقفت على مشارف الأمل.
لقد عرفت كيف تخفي رموزًا متألقة قادت المسيرة الثقافية وكانت من روادها البارزين.. وخلفتْ وراءها مسرحًا رماديًّا عاريًا فغابت القناديل.. وبقي المسرح يتيمًا غابت عنه رموز أدبية كانت تحترف السير في طليعة الموكب الثقافي.. ننظر إلى المسرح فنراه ممتلئًا فراغَا ولا نرى الأحبّة.. فقد غابوا في الغياب. غاب بروفيسور جورج قنازع وسبقه بروفيسور فاروق مواسي ولحقه بروفيسور محمود غنايم وسبق جميع هؤلاء أبو خالد أديب أبو رحمون الحارس الثقافي لمؤسسة توفيق زياد للثقافة والإبداع.. وكل هذا في رمشة عين. ألا ترى أنك تطاولت على الرموز فتجاوزت الحدود واقتحمت الخطوط الحمراء؟
أما الرمز المناوب الذي اختطفتَه وألحقتَه بقافلة الراحلين من عشاق العربية فكان الأستاذ جريس جبران خوري (أبو أيمن) نجل "خوري المسلمين والمسيحيين" الخوري جبران خوري البروة الذي أصبح أيقونة تراثية ونيشانًا يتزيّا به تراث الآباء والأجداد.
فالحبيب جريس جبران خوري يحمل شهادة الغياب المجازي ويظل حاضرًا عنيدًا في وجدان الأجيال التي علمها عشق اللغة القومية.
**
ولا بدّ للحكاية من بداية.
من تراب البروة الدرويشي شقّت طريقها نبتة جبرانية خضراء.. فأطلّت واشرأبت وطبعت قبلة على جبين الشمس.. ثم اغتسلت بينابيع البروة التي تعمّد فيها محمود درويش وباقي "عشيرة" بني درويش، ومشطت شعرها بأوراق الصنوبر التي أطلعها تراب البروة.
**
ويطيب للفلسطيني المشرد الصاعد من بين أطلال البروة أن يشدّ الرحال ويلقي عصا الترحال في أحضان عروس الكرمل، فتفتح صدرها الدافئ وتعانقه وتحتضنه وتطبع على جبينه قبلة حارّة وتعلق على صدره وسام الانتماء إلى "عروس الشواطئ".
أنت، أيها الحبيب.. هنا والآن.. مواطن بأربعة وعشرين قيراطًا في بلدك الثاني. وجذورك تضرب عميقًا في رحم الوطن.. وتمتد من البروة لتعانق الكرمل الأخضر وترتاح في أحضان شواطئه الذهبية. ورغم غربتك المجازية المؤقتة.. فأنت هنا لست غريبًا.. وكيف تكون غريبًا وفي حيفا لك أهل وأحبة وأصدقاء بينك وبينهم تاريخ مشترك.. وأحلام مشتركة.. وعيش وملح؟ في حيفا لك أصدقاء أدركتهم حرفة الأدب ومن ورشة إبداعاتهم انطلقت الأقلام لترسم لوحة المشهد الثقافي في وطن الآباء والأجداد..
أنت هنا مع حُراس الكلمة الملتزمة.. سليم جبران خوري وصليبا خميس وعصام العباسي وبولس فرح ومحمد خاص وإميل توما ومحمود درويش وسالم جبران وسميح القاسم وتوفيق فياض وجمال عراقي ويوسف حمدان وفتحي فوراني ومعهم صديقك الحميم جريس نعيم خوري (أبو الوليد) وآخرون غابوا في غابات الذاكرة.
بصحبة هذه الكوكبة الثقافية.. أنت لست غريبًا!
**
ومرة أخرى.. تعالوا نفتح ملف المسيرة التربوية. من البروة الجبرانية الدرويشية انطلقت الشرارة الأولى.. وكانت الأرض العذراء الأولى التي وطئتَها البعنة الحمراء.. ثم واصلت المسيرة إلى البقيعة ولّادة الشعراء.. ثم وجدتَ الطريق إلى الكرمل فقطفتَ من داليتها اللآلئ النواسية وشربت فجرها خمرًا.. وبعد هذه "التغريبة" الجبرانية الحافلة بالعطاء ألقيت عصا الترحال في عروس الكرمل.. فاحتضنتك قلعة الكلية الأرثوذكسية العربية، وطاب لك المقام الذي طمح أن يكون مقامًا أبديًّا مميزًا.. ولم تبدّل تبديلًا.
أنت هنا بين أهل وأخوة.. أنت بين كوكبة من المربين حملة راية الأمل والتفاؤل صُنّاع الأجيال الصاعدة نحو مشارف الأشرف.
في كل أرض وطئتَها تركتَ بصمة خضراء.. وغرستَ سنبلة ما لبثت أن تكاثرت وتوالدت سنابل وبيادر تغطي وطن الآباء الأجداد.
**
عزيزنا أبا أيمن
لقد تخرجتم من رأس النبع.. من جامعة الأيقونة التاريخية الخوري جبران "خوري المسلمين والمسيحيين".
وعلى خطاه واصلتم المسيرة. فعلى خُطى هذا الرجل سار مربّي الأجيال الشاعر حنا فارس مخول (أبو فراس) الذي تخرج من عرينه الأحبة فراس وفادية وعصام وأمير ونجوى وأمل وكميل ونجاح وعبير..
لم تنته المسيرة.. ولم تصل إلى غايتها بعد.. نحن في المحطة التالية نلتقي الكاتب الأديب سليم جبران خوري (أبو جبران) الذي ترك بصمته على المشهد الثقافي واستفاد من إبداعاته وخيراته الأدبية جيل كامل من عشاق اللغة العربية وغيرهم من طلاب الأدب في المدارس العربية..
ومن ينابيعك الثقافية الحاتمية نهلتْ ظبية الإبداع الابنة الوفيّة حنان فأتحفتنا بـ"حين يجنّ الحنين" و"في حضن الورد".. وكان لي الشرف في تعليم البُنيّة عشق اللغة العربية.. فشقّت المبدعة الرقيقة طريقها وانطلقت فراشة رشيقة ترفرف في سماء الشعر.
ومن عرينك الثقافي تفجرت ينابيع العطاء الثقافي فلم تبخل عليّ بحفنة ماء زمزمية طالما افتقدتها في ليلة ظلماء اكتنفها الضباب الكثيف وعلامات الاستفهام وعلامات الحيرة والتعجب.
أخي العزيز أبا أيمن
يستحيل أن أنسى لقاءاتنا اليومية والدردشات الأدبية والثقافية والسياسية المُثرية حول قضايا الساعة، وكثيرًا ما تبادلنا الرأي حول روائع الأدب والشعر واقتنصنا أجمل طُرفة أدبية وأجمل بيت شعر قالته العرب وأجمل ما أطلقته السهام من عيون في طرفها حَوَر. ألم يدغدغ وجداننا جميل بن معمر وما قاله في معشوقته بثينة وفي غزلياته العذرية؟ ألم نُعجَب بعمر بن أبي ربيعة ومغامرات العشق الجريئة في ديار نُعم وديار هند وباقي الجميلات اليعربيات؟
كانت لنا لقاءات مع كوكبة من الشعراء والأدباء بدءًا بالمتنبي وأبي فراس والمعري والجاحظ وابن خلدون وابن عبد ربه وصولًا إلى الأدب الحديث ورموزه التي احتلت المشهد الثقافي، فكانت لنا نقاشات ودردشات مع شعراء الحداثة الذين تمردوا على هيمنة الخليل بن أحمد الفراهيدي.. نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وأدونيس وصلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي وأمل دنقل ونزار قباني وغيرهم من شعراء الحداثة.. ثم كان مسك الختام.. فالتقينا كوكبة متألقة من أحبتنا الشعراء الفلسطينيين وفتحنا لهم قلوبنا وفرشنا لهم موائد المحبة التي زينتها الدردشات الأدبية.
هل نسيت شيئًا؟.. نعم.. لن أنسى في أحاديثنا قضايا "الطوشات" النحْوية التي كانت تندلع بين مشايخ البصرة ومشايخ الكوفة.. حول المسائل الإشكالية ومنها "حتى" التي حتحتت قلوب النحاة.. وكادت تنتهي بما لا تحمد عقباه.. لولا ألطاف الله!
**
لن أتحدث عن حصة الفراغ التي خلت من الفراغ وكنا نستغلها في ممارسة الطقوس اليومية التي زينتها المناقيش الشهية. فلطالما زقزقت عصافير البطن واستغاثت طالبة النجدة من الجارتين العزيزتين حارستَي طابون المناقيش الزعترية الأصيلة. إنها حكاية طريفة شرحُها يطول.. أطال الله عمر هاتين الجارتين الكريمتين.. وأدام عطاءهما الزعتري الشهيّ.
**
أيها الحبيب "أبو أيمن" أنت حاضر معنا كلما كان الحديث عن رموز التراث.. والمسائل الخلافية.. سنبقى نستحضر ابتسامك الحيية وهدوءك الذي يشعّ تواضعًا ونبعك الذي يتدفق معرفة.. ستبقى خالدًا في ذاكرة الأجيال التي علمتها عشق اللغة القومية وفتحت أمامها شرفات المعرفة لتطل على تراث الآباء والأجداد.
**
وإلى الأحبة الأعزاء المربية فادية (أم أيمن) والأبناء أيمن وإيمان وحنان ولبنى وجميع آل خوري، وإلى عصام وأمير ونجوى مخول وإخوتهم وأخواتهم.. وإلى الأهل الكرام وأقربائهم وأنسبائهم وأحبتهم، ألهمتم الصبر والسلوان وحسن العزاء ولا أراكم الله مكروهًا بعزيز.



.png)

.png)






.png)
