مقدمة
رغم مرور أكثر من سبعة عقود على النكبة الفلسطينية إلا أن الأدباء والفنانين ما زالوا مشغولين بتناول هذه القضية نظرا لما لها من تأثير ما انفك يتفاعل حتى اليوم، حتى ليبدو وكأن عملية الطّرد والتهجير التي بدأت سنة 1948 لم تتوقف بعد، وأنها ما زالت متواصلة. واللافت للنظر أن تناول هذه المأساة لا يقتصر على من عاش تلك الفترة بل تعداها إلى الأجيال اللاحقة من الأدباء والفنّانين على اختلاف اهتماماتهم. إن دلّ ذلك على شيء فإنما يدل على حجم هذه المأساة، وما كان لها من أثر نفسي دفع كثيرين إلى تكرار روايتها مشافهة وكتابة، أو التعبير عنها، رسما، تمثيلا وغناء.
قامت الروائية الفلسطينية سعاد العامري بإصدار رواية "بدلة إنجليزية وبقرة يهودية" (2022) باللغة العربية، بعد أن كانت قد نشرتها باللغة الإنجليزية. وهي معمارية أولا وكاتبة ثانيا، أقامت مؤسسة "رواق" التي تعنى بالحفاظ على التراث الفلسطيني. وقد رأت، بعد تجربتها في مجالها المعماري والتراثي، أهميةَ توثيق ما حل بالشعب العربي الفلسطيني كتابةً، فتوجهت نحو الرواية بالذات، لإدراكها ما لهذا الجانر الأدبي من سحر وتأثير في مخاطبة العقل والعاطفة في آن معا. كانت أولى إصداراتها رواية "شارون وحماتي" (2004) التي لفتت الأنظار، ثم تابعت في مشوارها الأدبي الذي حظي باهتمام القراء والدارسين، وترجمت بعض أعمالها إلى أكثر من عشرين لغة، ونالت العديد من الجوائز.
تدور أحداث الرواية المركزية في مدينة يافا، وتمتد فتطال مدينتي اللد والرملة وبعض القرى المجاورة، وذلك منذ سنة 1947، وحتى السنوات الأولى من خمسينيات القرن المنصرم. يطّلع القارئ على أهم الأحداث التي عصفت بمدينة يافا، المدينة الأهم في فلسطين آنذاك، وحالة الحصار التي تعرضت لها من المنظمات اليهودية المسلحة، وتمدُّد حركة الاستيطان اليهودية والسيطرة على مرافق الحياة، بشكل تدريجي، حتى يكون التهجير والضياع والتشتُّت، ثم محاولات البعض التسلُّلَ والعودة للبحث عمن ضاع من أفراد العائلة. تتكشّف مآس صادمة وغير متوقعة: إقامة جيتو عربي، تحوُّل حارات عربية بكاملها إلى حارات يهودية، مسح حارات عربية وتسويتها بالأرض، فرض منع تجوُّل منذ المساء وحتى السادسة صباحا، تشتّت أبناء العائلة الواحدة وجهل مصيرهم ومكان إقامتهم، والبحث عن صغار ضاعوا وتاهوا كمن يبحث عن إبرة في كومة قش.
تمهيد
إن التأويل هو ملء البياض والفراغات، وبحث في خبايا النص وفي ما يقال، وفي ما لا يقال، إذ حين يقول أحدهم جملة ما فإنه يضمر جملة أو قولا أو فكرة قد يتلقّفها مؤوِّل ما ويتلقّف غيرَها مؤوّل آخر. وتقع على المؤوِّل مهمّة البحث عن القرائن التي تثبت صدق ما ذهب إليه، وألا يكتفي بالممكن بل بالأكثر احتمالا حتى لا يكون التأويل مجرد تخمين. يتطلب ذلك منه تعقّب النص وما يحمله من إشارات ودلالات، ومتابعة اللغة ومستوياتها من خلال السرد والوصف والحوار، ومعاينة العنوان وعلاقته بالمضمون.
يجد القارئ في الرواية وصفا مفصلا لمرافق مدينة يافا وحاراتها وبيوتها، وللحياة الأدبية والفنية والمعمارية والاجتماعية ليافا الجميلة، "أم الغريب"، كما اعتاد أهل فلسطين على تسميتها، ثم يقف في مواجهة ضياع هذا الجمال واختفائه كليا عن عيون الناظرين بهدف تغييب هذا التاريخ وإبادته.
تتابع سعاد العامري ما بدأه بعض الروائيين الفلسطينيين في تسليط الضوء على النكبة وما تحمله من مآس وويلات، وتعمل على إعادة إحياء روح يافا كرمز حي من رموز فلسطين. لا يخفى على المثقف العربي الفلسطيني تلك الحرب التي تُشنّ، دون توقف، على الذاكرة، من ناحية، وعلى الرواية التاريخية الفلسطينية، من ناحية أخرى. تتصدى العامري ورفاقها الأدباء والمؤرخون والفنانون، كل من زاويته، لتفنيد رواية الآخر وبناء مشروع ثقافيّ فكريّ راسخٍ وثابت، مُدعَّما بأسانيد من ماض ليس ببعيد. فالصراع لا يبدأ جسديا ولا ينتهي جسديا، حتى لو مات الجسد، فهو يبدأ فكريا وينتهي فكريا، والغلبة للفكر أولا وأخيرا، والفكر يعني الرؤية والرؤيا والتخطيطَ للمستقبل.
إنها حرب لا يزال الفلسطيني الضحية الأولى لها، فالكتابة التخييليّة تحذّر وتحثّ وتسلّط الضوء على المسكوت عنه، وتكشف المستور وتشدّد على الظاهر ليتكشّف أكثر، من هنا جاءت رواية سعاد العامري دمج بين المكشوف والمستور، وبين المباشرة والرمز والإيحاء. ماذا يعني ذلك؟ وكيف بنت روايتها؟ ما دور التأريخ؟ وما دور التخييل؟ هذا ما ستحاول هذه المقالة معالجته وربطه بعناصر الخطاب الروائي وتبيان مدى نجاح الروائية في خلق رواية قادرة على المحاورة والتثوير.
انغلاق النص وانفتاحه
إن ما يجمع بين المؤلّف والناقد هو النص، فالأول ينتجه فنيا، والثاني ينتجه جماليا، يعمل الأول على تضمين مؤلَّفه أفكارَه ورؤيتَه التي تنعكس أيضا على المبنى الفني، ثم يقوم الناقد بعملية تأويل المُنتج اعتمادا على ثقافته ومعارفه، وعلى ميوله الفكرية. إنّ الروائي، أيَّ روائي، ليس محايدا أيديولوجيا، حتى وإن نجح في أن يكون محايدا فنيا، وتقع عليه مهمّة إبراز صراع الأيديولوجيات، دون أن يعني ذلك أنه يقبل بها جميعها.
يتعلّق نجاح الروائي بمدى قدرته على "التحايل" الفنّي وإتقان "لعبة الإيهام بالواقع"، هروبا من المباشرة، فلا يتكشّف موقفه الصريح، ولا تتعرى أيديولوجيته، وذلك عبر توظيف وسائل فنيّة وتقنيّات تجعل النص أقرب إلى التخييل منه إلى الواقع، مهما كان هذا الواقع صعبا أو مؤلما. يرى الدارس أنّ نص العامري ليس بريئا حين تحدَّث عن البيئة الفلسطينية، وعن الظروف المادية والاقتصادية، وعن تغلغل اليهود في شتى مرافق الحياة، فهو يمهّد لما سيحدث عبر طرح صورة ما كان وخلق حالة من المفارقة الصادمة. لقد وقعت الروائيّة تحت تأثير الواقع المأساوي وثقله، ووجدته، على ما يبدو، أكثر تأثيرا وأشدّ إيلاما في النفس من عملية التخييل ذاتها، فلم تتخفّ، في كثير من المواقع، وراء الأقنعة التي يعمل الروائيون على خلقها لإفساح المجال لتغليب التخييل على الواقع وعلى التأريخ، إذ يقع القارئ على سرد مباشر مؤطَّر بزمان ومكان محددين يجعله أقرب إلى التوثيق منه إلى التخييل.
تقول الكاتبة عن ذاتها إنها حكواتية بالفطرة، وهذا اكتشاف هام للذات، وهي فعلا حكواتية ناجحة تجيد السرد بأسلوب جذاب، مما جعلها لا تتردد في اللجوء إلى اللغة المحكية التي كوّنت نسبة لا بأس بها من حيّز النص عامة. ولم تتردّد في إقحام رأيها في بعض الأحداث دون تحفّظ، وغلّبت الرؤية المونولوجية على الرؤية الديالوجية، وإن كانت الأحداث الرئيسية والثانوية تدور حول صراع بين طرفين، أحدُهما متجبِّر يلقى الدعم من قوى عالمية، وآخر يقف مذهولا إزاء ما يحدث، وكأنّ ما يحدث هو ضرب من الهذيان.
طرحت الروائية هذا الصراع وعملت على كشف أطرافه، وكانت جزءا غير منفصل منه، فلم تتردّد في إبداء رأيها بشكل مباشر، كما ذكر أعلاه، موظفة الراوي الذي يحمل صوتها، وكأنّها لا تثق بالقارئ ولا تكتفي بما يطرحه سردها، فتصرّ على إيصال الفكرة للمتلقي دون لفّ أو دوران، ولنا على ذلك أمثلة عدة مثل: "وبغض النظر عن الأسباب، فقد نالت الدولة الوليدة (إسرائيل- الباحث) تعاطف العالم الحر، واستمرت الجريمة، بل وتلقّت أيضا المديح والإعجاب". (ص172)
لقد اعتمدت العامري النمط السردي الذي أطلق عليه جيرار جينيت "الرؤية من الخلف" وهو يتيح للسارد أن يكون عالما بكل شيء وخالقا وحيدا لكل شيء، فلا ينفسح المجال لتعدّد الرؤى ولا لتعدد الأصوات، وبالتالي تصبح الرواية في هذه الحالة رواية الصوت الواحد، أو ما يسميه باختين الرواية المونولوجية.
وبالرغم من بروز صوت الراوي الممثِّل للروائية إلا أن نص سعاد العامري، تمكّن من جذب القارئ، وذلك بفضل جماليات اللغة، ببساطتها، وتعدد مستوياتها بما يتلاءم مع الشخصيات ومع خصوصيات المكان والزمان، وبفضل سلاسة العرض والتنقّل بين مستويات حوارية مختلفة، فضلا عن دقّة التصوير القادر على خلق التناقضات. وقد تجلّى ذلك في المقارنات المباشرة وغير المباشرة بين يافا العربية وتل أبيب اليهودية، وبين الفقير والغني، وبين الحارات المختلفة، وبين ما كان قبل النكبة وما بعدها. هذا الوصف الدقيق والتصوير السينمائي كاد أن يتغلب على الصوت الواحد المونولوجي. ولو أتاحت الروائية المجال لبروز أيديولوجيا الطرف الآخر، بشكل حر ومستقل، عبر توظيف الضمائر وتعدد زوايا النظر، وخلق حالة حوارية بين الطرفين لكان العرض أكثر قوة وإقناعا، لكن الطرف الآخر في الصراع كان باهتا ولم يبرز إلا من خلال مواقف الطرف الأول المهيمن على الأحداث حتى لكأن الطرف الثاني شبح يعمل في الخفاء.
العنوان: علامتان فارقتان
للعنوان وظائف عدة أهمها وظيفته الدلالية، التي لا تنكشف إلا بعد الانتهاء من عملية القراءة والقيام بالربط بينه وبين الأحداث. وهو أشبه بإشارة يرسلها المؤلِّف إلى المتلقّي لحثّه على متابعة اكتشاف كنه النص وتفاصيله. وبالرغم من تعدد الدراسات، التي تناولت العنوان و"عتبات النص" و"النص الموازي" من جوانب مختلفة أفقية وعمودية، وعلاقته بعناصر الخطاب الأدبي ومركباته، إلا أن عملية التطبيق هي الأكثر صعوبة. فقد يرى قارئ ما في العنوان إشارة ما، ويرى غيره إشارة أخرى، وذلك وفق انتماء المتلقي الفكري وثقافته وأيديولوجيته، لذا من الطبيعي أن يُعنى القارئ العربي الفلسطيني، بشكل خاص، بالوصفين، "إنكليزية" و"يهودية"، وبمتابعة دورهما في مجمل النص لكونه مسكونا بمخلَّفات الصراع مع الإنجليزي واليهودي وما جلبه ذلك من تبعات ومن ويلات.
لقد اختارت سعاد العامري عنوانا مثيرا يتكون من موصوفين ووصفين، ما يحثّ القارئ على البحث عن العلاقة بين هذين المركَّبين المعطوفين على بعضهما؛ "بدلة إنجليزية"، "وبقرة يهودية"، من ناحية، وتحديد علاقتهما بأحداث الرواية، وبمجمل عناصر الخطاب الروائي، وأبعاد هذه التسمية، من ناحية أخرى. تحمل البدلة، فيما تحمله، معنى الأناقة والجمال الشكلي، ولكنها حين تصبح إنكليزية فهي ترتبط ثقافيا وفكريا وتاريخيا بكل إيحاءات الدولة الإنكليزية عبر تاريخها الأسود تجاه الشعب الفلسطيني، وفق وجهة النظر الفلسطينية. أما البقرة اليهودية فهي الجانب الآخر من المأساة الفلسطينية. وهي، اعتمادا على القرائن والأحداث الروائية، تحث الفقير على تناول لحمها حين تفرغ معدته، كما يغري الفقيرَ لبسُ البدلة الإنكليزية حين يكون الجيب فارغا. وقد كان أحد طموحات الفتى صبحي، إحدى الشخصيات المركزية في الرواية، الذي ينتمي طبقيا إلى عامة الناس أن يلبس بدلة مثل تلك التي يلبسها أغنياء يافا، ولما تحقّق ذلك، بفضل اجتهاده ومهارته، "شعر صبحي بأن البدلة الإنكليزية كانت أقرب ما تكون إلى جواز سفر إنكليزي أتاح له الدخول إلى أماكن محرَّمة عليه في مدينته، أماكن كان يراها من بعيد ولكنه لم يجرؤ أبدا على الذهاب إليها". (الرواية، ص67)
لم تكن البدلة مصدر فرج لصبحي على الصعيد الشخصي أبدا، ولا فتحت له أبوابا كانت مغلقة، إذ هناك ما هو أكبر بكثير من هذا "الطموح" الذي لا يحلّ مشكلة جوع ولا يحسّن وضع لابسها الاجتماعي إلا على صعيد الشكل الخارجي لا أكثر، ولم تزوّده بأي قوة وبأي وسيلة كي يقف في وجه الإنجليزيّ أو اليهوديّ، بل وُجّهت إليه تهمة سرقتها بحجة سعرها المرتفع وعدم قدرته على توفير المبلغ، فسُجن وصودرت منه. ولما خرج من السجن أعادوا إليه الجاكيت فقط، ليكتشف لاحقا أن البنطال قد أعطي لأحد العملاء العرب الذي يعمل لصالح "الهاجناة"، فتعارك معه واستعاده ممزّقا نتيجة هذا العراك، كما مزّق الإنجليز واليهود فلسطين، وكما تمزّقت أحلامه.
أما البقرة فكانت مصدر وبال هي الأخرى، فقد تحوّل أهل يافا واللد والرملة والقرى المجاورة إلى مجموعات هائمة على وجهها بعد أن فقدوا الأرض والمسكن ومصادر عيشهم، وناموا في العراء جياعا عطاشا، فكان ظهور البقرة فجأة منفذا لسدّ جوع الصغار قبل الكبار، فذبحوها وأكلوا لحمها معتقدين أن مالكها شخص عربي يعرفونه جيدا، فكان ذلك حجة للسلطة اليهودية الحديثة لاعتقال بعض أبناء القرية وسجنهم واختفاء آثارهم بتهمة سرقة بقرة يهودية وذبحها.
قام الفنان الإيطالي أندريا جيرميا بتصميم غلاف الرواية للنسخة الإيطالية، وهي ذاتها التي تتصدر الطبعة الخاصة بفلسطين. تفتح هذه اللوحة باب التأويل على مصراعيه، إذ يلفت النظر صورة بقرة يجلس على القسم الخلفي منها فتى يبدو في غاية الأناقة يرتدي بدلة وطاقية، وهو ينظر من مكان مجلسه إلى بقية أجزاء البقرة التي تغطيها لوحة لافتة نقرأ عليها كلمة "فلسطين"، واسم يافا باللغة الإنجليزية (jaffa). كما يرى المتلقي أن الزركشات والإشارات التي تغطي جسم البقرة مستوحاة من عالم فلسطين، ففيها بحر ورمل وأشجار وبيوت سقفها من قرميد إشارة إلى بيوت أهل يافا الأغنياء، ولربما ما يغطي الرقبة هو صورة الصفحة الأولى لإحدى الصحف التي كانت تصدر في فلسطين آنذاك. يسمح المتلقي لذاته أن يرى أن البقرة، وما عليها من أشكال، هي فلسطين مجزأة ومقسمة إلى مناطق، وأن ما تبقى منها للفلسطينيين هو ذلك الجزء الذي يجلس عليه الفتى لا أكثر. نشير إلى أن هناك تفاصيل أخرى صغيرة تكشف بتفاصيلها الدقيقة جمال فلسطين وبالتالي فداحة الخسارة. كل هذه التفاصيل محاطة باللون الأزرق الذي قد يكون لون بحر يافا أو سمائها. لكن ما يلفت النظر أكثر من غيره هو هذه التجزئة التي تكشفها اللوحة التي تغطي جسد البقرة كله، والتي توحي، برأينا، إلى ما تعرض له الجسد الفلسطيني من تمزُّق، كما تمزقت البدلة الجميلة.
يجمع العنوان، في مركبيه، بين مرحلتين فارقتين في العمل التخييلي؛ القسم الأول منه يحدثنا عن عائلة الفتى "صبحي" وما يحدث لها أثناء النكبة، والقسم الثاني يحدثنا عن الفتاة "شمس" وما حل بعائلتها وبأهل بلدتها نتيجة النكبة. وبالتالي تكتمل المأساة وخيوطها؛ يفترق الحبيبان إلى الأبد وتتشرد العائلتان وتتشتتان كما يتشتت كل أهل فلسطين. أما على الصعيد العام فإن الرواية تتناول مرحلتين هامتين من تاريخ القضية الفلسطينية، الصراع مع الاحتلال الإنجليزي، والصراع مع الاستيطان اليهودي، وكلاهما، في نظر الفلسطيني، خصم لدود اجتمعت مصالحهما، وفق الرواية، من أجل تهجير أهل فلسطين والسيطرة على أرضهم وأملاكهم، وتزييف تاريخهم وروايتهم. وهذا ما كان على الصعيد الواقعي فقد حكم الإنجليز فلسطين مدة من الزمن (1917-1947) وكانت هناك مرحلة تماس انتقلت فيها السيطرة على فلسطين من الإنجليزي إلى اليهودي، فالتزمت الروائية بالتاريخ وحيثياته وعملت على تثبيته وترسيخه وتوثيقه.
الوصف، أهميته ودوره
تقوم لغة الرواية على السرد والحوار والوصف، يكمل أحدها الآخر ويتحاور معه، وكل عنصر من هذه العناصر يقوم بدوره لينتُج في النهاية نصٌ لغوي روائي. تكمن أهمية الوصف في دوره التشخيصي، ويرى جينيت أنّ التشخيص يعني بث الحياة في الأشياء وفي الشخصيات، وهو ما تفعّله الروائية أكثر من أي عنصر آخر في الرواية. فقد يوظَّف الوصف لكشف الحالة النفسية لشخصية معينة أو لفئة معينة من الناس، وقد يوظّف لوصف الطبيعة أو لخلق صورة طبق الأصل عن الواقع، أو خلق صورة لا تحاكي الواقع بقدر ما تحمل من دلالات. مهما كان الوصف مهمّا في أية رواية فإني أرى أن الصورة أكثر عمقا من الوصف، لأن الوصف قد يكون محاكاة للواقع، أحيانا، لا أكثر. أما الصورة فهي ذات دلالات غنية، وواسعة أفقيا وعموديا في آن معا، وهي أداة اختراق داخلية للشخصيات الروائية، ومحفزة للمتلقي كي يبحث عن أبعادها ودلالاتها.
إننا نميل إلى الاعتقاد أن نجاح هذه الرواية يعود إلى قدرة الروائية سعاد العامري على الوصف على جميع مستوياته، ولنا على ذلك أمثلة عدة نكتفي بالمثال التالي: "وهو يهرب غربا باتجاه البحر، شعر وكأنه يهرب من جحيم إلى آخر. وجد نفسه وجها لوجه مع مشهد آخر من مشاهد يوم الحشر: كانت المدينة بأكملها تهرب باتجاه البحر، آلاف مؤلَّفة من الناس تندفع إلى الشاطئ مثل شلال من الأجساد البشرية، ومثل السمك خارج الماء كانت أجسادهم تتلوى ألما. كانوا يركضون ويتدافعون ويتحدثون في آن واحد مثل أسراب النمل الهائج [...] تحوّل ميناء يافا إلى سوق كبير، تباع فيه الأجساد البشرية وتشترى: عائلة كاملة، أو نصف عائلة، ربع عائلة، ثلث عائلة، أو حتى شخص واحد.
"خذ هاي كل المصاري اللي معي، بس طلّع إمي وولادي من هون". (الرواية، ص160)
لا يخفى على القارئ ما يقدمه هذا المشهد، وما يحمله من تأثير نفسي سواء على الروائيّة التي خلقت هذه الصور أو على المتلقي. فإن تحدّث المنظرون عن النص ودوره في الجمع ما بين المؤلِّف والقارئ، وعن التأثير والتأثّر بين النص والقارئ فالمشهد أعلاه يثبت ما قاله بعض المنظرين. وقد تكررت مثل هذه المشاهد في أكثر من موقع، يتلقفها المتلقي كما يتلقّف غيرها فتتبلور لديه صورة شبه متكاملة عما حلّ بيافا وأهلها. وبالتالي فقد حقّقت الروائية أحد أهدافها الأيديولوجية: تجنيد القارئ وتثويره.
لقد أحسنت الروائية في اختيار المشاهد والصور المؤثِّرة وكأنها مخرج سينمائي يجيد اختيار ما يدخل عميقا في وجدان المتلقي، تخترق التفاصيل الصغيرة جدا، فتتضخم المأساة أمام العين والقلب معا، وذلك عبر التصوير الخارجي، وما يتخلله من حوارات سريعة تدور كلها باللغة المحكية، لتبيّن هول ما يحدث، وسرعته المذهلة التي جعلت الناس تقف عاجزة عن استيعاب الفاجعة.
لا تكتفي الروائية بتصوير مشاهد البيوت التي هُدِّمت والحارات التي سوِّيت بالأرض فحسب، بل تذهب عميقا في تصوير حالات الفزع والمتاهة والضياع، وانفصال الأب عن أبنائه والأم عن أولادها، إذ يشعر القارئ كأنه أمام لقطات سينمائية سريعة ليد طفلة تفلت من يد أمها، في خضم الجموع التائهة التي تركض يمينا ويسارا، خوفا من الرصاص المتطاير من عصابات المقاتلين اليهود مثل الليحي والإيتسل والهاجناة.
يقف القارئ أمام مشاهد عديدة تبيّن انقلاب الحال بشكل سريع، دون أن يستوعب العقل ما يحدث، فمن كان وجيها من وجهاء المدينة أصبح خلال دقائق معدودات فقيرا ومشردا لا يملك من متاع الدنيا سوى لباسه، ومن كان يملك بيارات البرتقال وعمالا يقطفون الثمر ويزرعونه تحوّل إلى لاجئ هارب من الموت، ومن كان لديه بيت فاخر فقد بات في رمشة عين مشردا تائها يبحث مع الجموع المشردة عن الأولاد الذين ضاعوا، فيكتشف لاحقا أن قسما من العائلة قد قتل، وقسما قد هرب مع الأم، فيما بقي من بقي مجهولي المصير. فقد تساوى الفقير والغني في النكبة والضياع والتشرد.
لا تلجأ الروائية إلى الكثير من السرد بقدر ما تذهب نحو الصور والمشاهد السريعة المتراكمة التي لا توقف الحدث بقدر ما تساهم في تسريع الأحداث وإبراز المأساة، وقد ضمّنتها حوارات سريعة كجزء هام من المشهد. تختار الكاتبة ما تراه العين حتى ليحس القارئ أنه أمام فيلم وثائقي يُعنى بتصوير بعض تفاصيل المأساة: طفلة تركض هنا، وأم تصيح هناك، وجدة تُترك مُلقاةً على قارعة الطريق لا حول لها ولا قوة، وجثث متراكمة فوق بعضها البعض، تنقلها عين الكاميرا في ثوان معدودات للمشاهد، فيقف القارئ مذهولا أمام التقاط كل هذه التفاصيل، مصابا بحالة من الهلع وكأنه جزء مما يحدث.
ساهم الوصف مساهمة كبرى في نقل صورة مجسدة وبارزة للمأساة، وعمل على كسر روتين السرد ودعمِه في آن معا، فالوصف لدى العامري لا يكتفي بالخارج ولا يتوقف عند الداخل، بل يبعث برسائل عبر اللغة الشاعرية الإيحائية مؤديا دورا هاما في اقتصاد حيّز النص الروائي وتكثيفه بعيدا عن السرد المباشر. (يتبع)



.png)

.png)






.png)
