يستطيع القارئ من عنوان المقال أن يكوّن فكرةً عن موضوعه، فالهدف الأساسيّ منه هو محاولة تحليل الواقع الملموس في المجتمع العربيّ ليس بصفته كلًّا واحدًا إنّما مجتمعًا مقسّمًا بفعل تقسيم العمل الاجتماعيّ، وما نتج عن هذا التقسيم من علاقات إنتاجٍ وعلاقات قوّة وقوى سياسيّةٍ. بكلماتٍ أخرى، الهدف هو إلقاء الضوء على التكتلات الاجتماعيّة وواقعها الطبقيّ عند العرب: ما هي هذه التقسيمات؟ ما طبيعتها؟ ما هي مآلاتها؟
على كلّ مقالٍ يريد إيصال فكرةٍ أن يضع قاعدة أساسٍ وينطلق منها، وهذا أول ما بدأتُ به: وضع قاعدةٍ وأساسٍ لما سأكتبه في السّطور القادمة. في حالة إسرائيل، أتبنى استعمال مصطلح "تشكيلة اجتماعيّة"، كما استعمله سمير أمين، وهو المجتمع الّذي يحوي أكثر من نمط إنتاجٍ واحد وتكون أنماط الإنتاج هذه متداخلةً ببعضها البعض. وعندما أقول "المجتمع العربيّ"، فأنا أقصد الكتلة السكانيّة المنفصلة عن اليهود الّتي تعيش في ظلّ نمط إنتاج متأخّرٍ، ما قبل رأسماليّ وكحد أقصى يمكنني أن أستعير تسمية "رأسماليّة محاسيب" (مع التحفظ).
بطبيعة الحال، لا يمكننا الحديث عن نمط إنتاج رأسماليّ، حيث لم يكتمل التراكم الرأسماليّ، والسؤال هو: هل بدأ التراكم الرأسماليّ في فلسطين قبل النكبة حتّى يكتمل؟
لمحة تاريخية – فلسطين التاريخ
كانت فلسطين في العهد العثمانيّ جزءًا من ولاية الشام العثمانيّة، يحكمها أناسٌ محليّون ذووا مرتكزاتٍ قبليّةٍ. كان نظام الضرائب العثمانيّ المعروف بنظام الالتزام هو الحلبة الّتي يتبارى فيها الحكّام المحليّون للصعود في الهرم الإداريّ عن طريق جني الضرائب، حيث كانت هنالك عائلاتٌ تعقد تحالفًا سياسيًّا وعسكريًّا، بالتعاون مع السلطة في اسطنبول، للترقّي في الهرم الإداريّ. هكذا كانت الحال حتّى فترة الظاهر عمر الزيداني، والّذي ورث وظيفة الملتزم من والده الشيخ عمر صالح. المهمّ في فترة الظاهر عمر هو أنّها أوّل محاولةٍ لدمج فلسطين مع النظام الرأسماليّ العالميّ والتجارة الاوروبيّة. استغل الظاهر عمر انشغال الدولة العثمانيّة في حروبها مع أوروبا، وتحالف مع روسيا القيصريّة للتوسّع من خلال القوّة العسكريّة وحلّ المعضلات الاقتصاديّة. وقد نشط التجار الفرنسيّون في عكا بكثرة في تلك الفترة الى أنْ تمّ القضاء على الظاهر عمر نهائيَّا وتحطيم مملكته عام 1777. بعد انتهاء الحرب العثمانيّة-المصريّة وعودة الشّام لنفوذ الدولة العثمانيّة، بدأ عهد الإصلاحات في الدولة العثمانيّة، وكان له وقع جيّد على فلسطين، فقد ازداد النّشاط التجاريّ، وألغي نظام الالتزام، وصعدت فئة ملّاك الأراضي. إلّا أنّ هذا لم يلغ بؤس القرون الّذي عانى منه الفلّاحون، فقد انقسم سكّان فلسطين الى سكان مدنٍ، بدو وغالبتهم ظلّوا سكان قرى فلاحين.
بعد فرض الانتداب البريطانيّ على فلسطين، أصبح في فلسطين مجتمعان، الأوّل هو الفلسطينيّ والثاني هو اليهوديّ الصهيونيّ. بفعل تهجين الاقتصاد الفلسطينيّ، ليتماشى مع مركزيّة الاستعمار، تطوّر المجتمع اليهوديّ الصهيونيّ المرتبط بالإمبريالية بوتيرة أعلى، وقد هجّن نمط الإنتاج الفلسطينيّ بعدّة طرقٍ:
"استخدمت الدول الأوروبية نظام الامتيازات (الّذي كان قائمًا في العهد العثمانيّ- ا.م) هذا في الاستعباد الاستعماريّ للأقطار العربيّة فعرقل تطوّر رأسمال الوطنيّ في الأساس، ووضع التجار المحليّين في موقعٍ غير متكافئٍ في الحقوق مع التجار الأوروبيّين الّذين كانوا يدفعون رسومًا جمركيّة تبلغ 30% من قيمة البضاعة، بينما كان التجار الأجانب يدفعون رسومًا تتراوح نسبتها بين 7%-10%. وكانوا كذلك يدفعون هذه الرسوم مرّةً واحدةً عند دخولهم البلاد فقط. أمّا التّجار المحليّون فكانوا يدفعون الرسوم مرّاتٍ عديدةٍ، أيْ كلّما مرّت بضائعهم في دوائر الجمارك الداخليّة العديدة وحين نقلها من اقطاعيّةٍ الى أخرى". (عبد القادر ياسين، كفاح الشعب الفلسطيني قبل 1948).
يستعرض عبد القادر ياسين الحالة الاجتماعيّة في فلسطين إبان افول الحكم العثماني وأثناء الانتداب البريطانيّ ويشير إلى أنّها "عرقلت تطوّر العلاقات الرأسماليّة". ولكنّني احبّذ استبدال هذه المقولة بـ "منعت نشوء علاقاتٍ رأسماليّةٍ وبرجوازيّةٍ محليّةٍ"، فإبان الاحتلال البريطانيّ لفلسطين، لم تكن هنالك مصانع فلسطينيّةٌ بل حرفيّون يشتغلون بالنسيج والدباغة وغيرها من الأعمال. أمّا المصانع الّتي نشأت زمن الانتداب كانت صغيرةً لا يتجاوز عدد عمالها العشرةَ أشخاصٍ، بعكس الملكيّات الاقطاعيّة الكبيرة.
بعد النكبة
بعد النكبة صودرت كلّ الأراضي، وألغيت طبقة الفلّاحين قسرًا ليتحوّل الغالبية الى فقراءٍ وعاطلين عن العمل. وفُرِضَ الحكم العسكريّ الّذي استمر في كبح تطوّر القوى المنتجة وتكوين طبقةٍ عاملةٍ حديثةٍ على أنقاض الانتماءات السابقة. وحتّى مع إلغاء الحكم العسكريّ، لم يشهد المجتمع العربي نهضةً اقتصاديّةً ولا ازدهارًا. وكان الحدّ الأقصى هو نيل بضعة خدماتٍ بعد نضالٍ طويلٍ ومريرٍ فيما يعرف بـ "معركة المعيشة".
وللإضافة أكثر حول فترة الحكم العسكريّ وأهميّة معرفة اسهاماتُ تلك الفترة في تأخّر العرب اجتماعيًّا واقتصاديًّا، أشير الى الدراسة المهمّة ليائير بيومل بعنوان "استعباد الاقتصاد العربيّ لصالح الوسط اليهوديّ 1958-1967"، حيث أنّه يقسّم فيها الخطوات الّتي اتّخذتها السلطة الاسرائيلية في تلك الفترة إلى ستّ خطواتٍ ويفصّلها واحدةً واحدةً:
1. نقل حوالي ستّين بالمائة من الأراضي الّتي كان يستخدمها أو يمتلكها العرب الى الوسط اليهوديّ.
2. مصادرة آليّة الزراعة الثانيّة - المياه- ونقل معظمها لصالح استخدام الزراعة اليهوديّة المكثّفة.
3. تطبيق خطّةٍ مؤسّساتيّةٍ منظّمةٍ أدّت إلى تصفية 72% من الاقتصاد العربيّ واخضاع الـ 28% المتبقّية للمؤسّسة الزراعيّة الصهيونيّة.
(هذه الخطوات الثّلاث أدّت إلى تشكيل بطالةٍ مرتفعةٍ عند العرب وازدهار في الاقتصاد اليهوديّ، والّذي ولّد بدوره الحاجةَ للأيدي العاملةِ الّتي تواجدت بغزارةٍ عند العرب.)
4. تنظيم دخول العرب العاطلين عن العمل إلى الوظائف الأكثر حقارةً في سوق العمل الاسرائيليّ.
5. تحسين البُنى التحتيّة في المجتمع العربيّ، الأمر الّذي زاد قدرته على الاستهلاك وشراء المنتجات، الأمر الّذي عزّز من اقتصاد اليهود حيث أنّ العرب اشتروها منهم.
6. منع تحوّل المجتمع العربيّ إلى مجتمعِ صناعيٍّ بهدف إبقاء حالة التبعيّة الاقتصاديّة وإحباط أيّ إمكانيةٍ محتملةٍ لنمو صناعةٍ عربيةٍ منافسةٍ لأخرى يهوديّةٍ.
يمكننا أنْ ندلّل أكثر على ما نقوله حول إبعاد العرب عن الصراع على الثروة الاجتماعيّة من خلال الإشارة إلى أنّ حصّة العرب من الناتج المحليّ الإجماليّ في إسرائيل هي 8% فقط، ما يدلّ على تغييب المجتمع العربيّ عن الصراع على الثروة الاجتماعيّة الكلّيّة في إسرائيل. لذلك نرى في الحياة اليوميّة أنّ العرب غير معنيّين بهذا النقاش، وينحصر كلّ اهتمامهم بالحفاظ على لقمة العيش وتأمين مأوى وعملٍ والزواج "قبل فوات الأوان". أمّا النضال لأجل حصةٍ "عادلةٍ" من الثروة الاجتماعيّة فلا يذكر ولا يعتبر مهمًّا.
"غير الخبز اليوميّ، وقلب امرأتي، وحليب الأطفال..
أنا لا أملكُ شيئًا".
(توفيق زياد)
مفتاح فَهم المجتمع العربيّ يكمن في غياب (أو تغيّيب) الصّناعة والتكنولوجيا عنه، بعد إلغاء طبقة الفلّاحين قسرًا. هذه هي نقطة الانطلاق لكلّ بحثٍ جديٍّ يريد أنْ يمضي قُدمًا في فَهم الأساس الماديّ المكوّن للمجتمع العربيّ.
وعند النظر إلى مهن العرب، نجدُ الآتي:
17.1% البناء، 14.4% قطاع التربية والتعليم، تجارة الجملة 14.4%، الصناعة 11.8%، قطاع الصحة 9.7%، المواصلات العامة 7.2%، الزراعة 2.1%، خدمات الطعام والضيافة 5.4% والباقي خدمات أخرى. 57% من الملكيّات والاستثمارات العربيّة في البناء والتجارة، 31% في البناء و26% في التجارة. 18% فقط من المصالح العربيّة تُشغّل أكثر من 50 عاملاً بعكس 61% من المصالح اليهوديّة.
هذه هي النسب الكليّة وَفق تقرير وزارة الاقتصاد عام 2017 ومركز البحث للكنيست عام 2020. ولكنْ عند الإمعان أكثر في النسب، نجد أنّها النسبُ الكليّة، وبالتعمّق أكثر فيما يدور داخل المجتمع العربيّ نجد (وَفقًا لمعهد فالنير) أنّ 95.8% من مجمل المصالح العربيّة في المجتمع العربيّ هي مصالح صغيرةٌ تحوي 66.7% من مجمل الكادحين العرب أما الصناعة فلا تتعدى نسبة 2.4% ونسبة بطالة 18%.
عند النظر إلى المجتمع العربيّ، يبدو واضحًا أنّه لم يشهد ظهور وتطوّر طبقاتٍ عصريّةٍ أو انقسامًا طبقيًّا كما في المجتمعات الرأسمالية الحديثة. غيرَ أنّ رأس المال في المجتمع العربيّ يكون رأس مالٍ صغيرٍ مقارنةً بنظيره في المجتمع اليهوديّ وتابعًا له في حالاتٍ كثيرةٍ. ناهيك عن العنصريّة والتهميش من طرف السلطات الإسرائيليّة. هذه المعادلة القائمة أمامنا، تمكّن الناظر، أحيانًا، من اعتبار المجتمع العربيّ كتلاً سكانيّةً متنافرةً ومحشورةً في جيتوهات صغيرةٍ، فالعرب يشكّلون 20% من مواطني الدولة ويعيشون على 2% من مجمل الأراضي. ولا ننسى أيضًا غياب الاستثمارات التكنولوجيّة والصناعيّة عند العرب وتركيزها عند اليهود. كلّ هذه العوامل مجتمعةً قادت الى بؤسِ الواقع الاجتماعيّ. على سيرة قضية الأراضي، من الواجب أن أذكر مسألة الملكيّة العقاريّة وأهميّتها بالنسبة للرأسماليّة؛ نقتبس من سمير أمين:
"إنّ نمط الإنتاج الرأسماليّ يفترض إذن النفوذ الحرّ للرأسماليّين الى الوسائل الطبيعية، وقد أكّد ماركس على الطابع اللا رأسماليّ للملكيّة العقاريّة. لكنّ التشكيلات الاجتماعيّة الرأسماليّة لم تُخلق من العدم وفي الفراغ. لقد تطّورت الرأسماليّة في حجر التشكيلات السابقة، في القطاعات الجديدة (الصناعة) الّتي لم تكن محكومةً بالعلاقات الخاصّة بأنماط الإنتاج السابقة. وقد امتدت فيما بعد عندما أصبحت مسيطرةً على التشكيلة عامّةً إلى الزراعة حيث شكّلت الملكيّة العقاريّة عَقبةً أمامها. ومنذ ذلك الحين فَقَدَ المالك دوره الحاكم في الزراعة لصالح المزارع الرأسماليّ. وفي التشكيلات الرأسماليّة المتقدّمة، اختفى كلّ مالكٍ عقاريٍّ بالمعنى الإقطاعيّ الما-قبل رأسماليّ، ولم يعد هناك إلّا رأسماليّين زراعيّين".
في إسرائيل، اختفت كلّ ملكيّةٍ عقاريّةٍ إقطاعيّةٍ ولكنْ لم يكن هنالك نفوذٌ للرأسماليّين الى هذه الأراضي الاقطاعيّة السابقة، بل نُقلت ملكيّة هذه الأراضي إلى الدولة مباشرةً. وبدل حلول المزارع الرأسماليّ مكان العامل، حلّت سلطة الصندوق القوميّ اليهوديّ، ولم ينل الرأسماليّون المستقلّون سلطةً على الأراضي سوى في حدودٍ ضيّقة للغاية. وعلى سبيل تعميق هذا التدليل، من الجدير أن نذكر أنّ إسرائيل تحوي 1187 بلدة، من بينها 134 بلدة عربية (بين مدينة وقرية) الّتي تشكل مناطق نفوذها (نفوذ البلدات العربية) 2.5% فقط من أراضي الدولة. منذ قيام الدولةِ، اقيمت 700 بلدة يهودية جديدة ولم تقم بلدٌ عربيّة واحدةٌ بالمقابل. هنالك 112 بلدةٍ عربيّةٍ مدرجةٍ تحت 77 بلديةً، و25 بلدةً عربيّةً موجودةً تحت نفوذ مجالس اقليميّة يهوديّة.
في مجتمعٍ رأسماليٍّ صافٍ، يوجد طبقتان رئيسيّتان تتصارعان: البروليتاريا والبرجوازيّة، ولا يكتمل التكوين الطبقيّ إلّا بوجودهما. ومهما شهد المجتمع من صراعاتٍ اقتصاديّةٍ أو نزاعاتٍ أخرى فإنّها لا ترقى لمنزلة صراعٍ طبقيٍّ. للتوضيح أكثر، نقتبس من كارل ماركس في "بؤس الفلسفة":
"وهو صراعٌ (بين البرجوازية والبروليتارية) يعبّر عن نفسه بادئ ذي بدءٍ - قبل أن يدرك ويقدّر ويفهم ويعرف ويعلن عاليًّا من كلا الجانبين بوقتٍ طويلٍ - بمجرد نزاعاتٍ جزئيّةٍ ومؤقتةٍ، في أعمال هدّامةٍ (ص184) ... وطالما لم تتطوّر البروليتاريا بعد حتّى تشكّل ذاتها كطبقةٍ. وبالتّالي، طالما أنّ صراع البروليتاريا مع البرجوازية ذاته لم يكتسب طابعًا سياسيًّا، وأنّ القوى الانتاجيّة لم تتطوّر بما يكفي في أحضان البرجوازية ذاتها، بحيث نتمكن من أن نتبيّن الظروف الماديّة اللّازمة لانعتاق البروليتاريا، ولتكوين مجتمعٍ جديدٍ (ص188)"
(هذه الفقرة المقتبسة من ماركس لا تعني أنّني أسقط ما كتبه على أيٍّ من المجتمع العربيّ أو المجتمع الاسرائيليّ. ما أريد أن أوضّحه ها هنا هو معنى "طبقات عصريّة"، وهي، كما يتّضح للجميع: عندما يأخذ شكل الصراع الطبقيّ طابعًا سياسيًّا، وتكتمل الشروط الماديّة لانعتاق طبقةٍ معيّنةٍ، وهذا ما لم يحدث داخل المجتمع العربيّ، بل ما حدث هو "نزاعاتٌ جزئيّةٌ مؤقتةٌ".)
ظروف المجتمع العربيّ أدّت إلى بروز كثيرٍ من الآفات والمآسي في الحياة اليوميّة: العنف، الفساد، غياب الحريّات الديمقراطيّة، تهميش المرأة، الابتعاد عن الحياة الحزبيّة بمفهومها العصريّ، غياب مشاريع التنمية، الافتقار إلى المرافق الخدماتيّة. كلّ هذه الظروف مجتمعةً، هيّأت البيئة الخصبة لتبلوّر فئةٍ (لا أملك تقديرًا لحجمها) قرّرت الهروب من همجيّة المجتمع والذهاب الى المدن المختلطة ليمارسوا نمط عيشٍ مختلفٍ ويبحثوا عن "الحقيقة" ويناضلوا على طريقتهم الخاصّة ويعيشوا في مجموعاتهم الدافئة الّتي يستطيعون من خلالها التعبير عن ذواتهم بشكلٍ مستقلٍّ عن المجتمع.
بعد كلّ ما ذكر أعلاه، لا نقصد أنّ المجتمع العربيّ بدون طبقاتٍ، بل لم يكتمل فيه تطوّر الطّبقات: حيثُ أنّها موجودةٌ ولكنّها لم تتحدّد حتّى الآن، ذلك أنّها تتغيّر على الدوام وتتبادل عناصرها، إلى جانب وسائل الإنتاج غير القادرة على احتواء كلّ اليد العاملة داخل المجتمع. وإذا أردنا أن نصف الأمور على نحوٍ أدقٍّ وأكثر شموليةٍ نقول أنّ المجتمع العربي فيه نمط انتاج ما قبل رأسماليٍّ متداخلٌ مع نمط إنتاج رأسماليٍّ ويتأثر به بشكلٍ ملحوظٍ ويعيش على هامشه ويخلق في داخله فئاتٍ وجاهاتٍ بقائها مرتبطٌ ببقاء الحال كما هو، أي ببقاء النظام الإسرائيلي على حاله. وفي تقسيم العمل الاجتماعيّ تشكّل الجغرافيا تعبيرًا عن هذا التقسيم فيشار لكلّ بلدةٍ وقريةٍ بمهنة غالبيّة سكانها.
عاش المجتمع العربيّ ركودًا طويلاً والّذي، لولا الظّرف الوطنيّ (والّذي سنأتي إليه)، لما شعر أحدٌ أنّ الزمن يتقدّم. ولكنْ، في السنوات الأخيرة، مع توغّل السّياسات النيوليبرالية بشكل متوحشٍ، فإنّنا نلمس تحلّلاً في بُنى المجتمع التقليديّ لا نعرف إلى أينَ سيفضي. مقاومة المجتمع التقليديّ للحفاظ على نفسه تنبع من المؤسسات المكوّنة للمجتمع، فمن المدرسة والعائلة والأعراف وباسم الدين يتمّ تعليم "قواعد" السلوك المناسب، أيْ المسموح والممنوع في ظلّ النمط القائم والتقسيم الاجتماعيّ الحاليّ. هذه القواعد الأخلاقيّة للوعيّ تعني احترام التقسيم الاجتماعي الحاليّ، وإبقاء ميزان علاقات القوة على حاله، والمنافسة على الترقي، ومقاومة الانحدار من داخله بدون المطالبة بتغييره (تغيير النظام القائم) جوهريًّا. بذكر المدرسة، ففي حالة منظومة التعليم العالي، فليس للتيّار الأكاديميّ توجهٌ، وإذا أردنا أن نلخّص الاختلاف بين التيار الأكاديميّ اليوم وبينه سابقًا، علينا التنويه أنّ تغييب السياسة عن المجتمع العربيّ يشمل أيضًا الأكاديميّين. فبعد أن كانوا يتلقون، في سبعينات القرن الماضي، تعليمهم العالي في دول شرق أوروبا، بمنح من الحزب الشيوعي، ويعودون حاملين لأفكارٍ تقدميّةٍ، أصبحوا اليوم، وبعد أن فُتِحَ التعليم العالي الاسرائيلي بوجه المجتمع العربيّ، لم يعد الأكاديميّون يعيرون الحزبيّة والمعنى الحقيقيّ للسياسة انتباهًا واتجه كثيرٌ منهم لبيع التفاهات، كما البروفيسور حسام حايك: "التميّز الفرديّ هو الطريق للمساواة القوميّة والاجتماعيّة". ونفر ليس بقليلٍ اصطفّ وراء العائلة والحمولة، ومنهم من قال بجهلٍ وصلافةٍ أنّ السياسة لا تعنيه وتحوّلوا إلى حثالاتٍ تحمل الشهادات.
(يتبع)
.jpeg)


.png)

.png)






.png)

