قراءة في الواقع الطبقي للمجتمع العربي (2-2)| آرام محاميد

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

بعد ما أسلفناه في القسم الأوّل من المقال، نقول أنّ السياسات الاسرائيلية والظروف الّتي مرّ بها المجتمع العربيّ جعلت التركيبة الاجتماعيّة في المجتمع العربيّ داخل اسرائيل تمتاز بأمرين:

1.  قوّة الانتماءات الفرعيّة، العائليّة والطائفية (تحويل العائلة أو الطائفة إلى موقف سياسيٍّ واجتماعيٍّ).

2. قوّة رؤوس الأموال وأرباب العمل في المدن والمناطق التي عاشت بعض "الانفتاح".

وهنا، أعود إلى بحث الرفيق محمد خلايلة بعد انتخابات السلطات المحليّة الأخيرة حيث "حصلت الأحزاب السياسيّة قاطبةً على حوالي 110 مقاعد في المجالس المحليّة من أصل 840 عضوًا في البلدات العربيّة وعلى 12 رئاسة سلطةٍ محليّةٍ من أصل 76 بلدة جرت بها الانتخابات".

أما النتائج المستخلصة من نتائج الانتخابات، فأقسّمها أوّلًا إلى نتائج حول ماهية الكتل السياسيّة والتكتلات الطبقيّة الموجودة في البلدات والقرى العربيّة. وبعدها، مجموعةٌ من الاستنتاجات حول معالم الاقتصاد والسياسة ككلّ.

من هنا، نستطيع أن نقسم "المجموعات" الطبقية إلى ثلاث:

1.     البرجوازيّة (مع التحفّظ) والّتي تتشكّل بالأساس من أرباب العمل، ويشكّل المقاولون وكبار التجار التكتّل الأكبر داخلها، وتحوي فئات أخرى هشّة التكوين كرأس المال الصناعيّ.

2.     الفئات المتوسطة التي تتألف من صغار المنتجين والتجّار الصّغار وسائقي الأجرة والفنّانين والمحامين والأطّباء والمعلّمين والأكاديميّين ورجال الدّين موظفي وزارة الأديان وكذلك الجهات والجاهات المرتبطة ببقاء النظام الإسرائيليّ.

3.     العمّال والكادحون، فلا أسميها لا بروليتاريا ولا طبقة عاملة إنما "الطبقات الشعبيّة" بسبب ترسّبات الحاضر والماضي الّتي تمنع طبقةً عاملةً حديثةً من النشوء والتطوّر.

هذه هي التقسيمة الطبقيّة الموجودة حتّى اللّحظة والّتي تتغيّر باستمرارٍ ولا تبقى عناصرها ثابتة. يهبط ويصعد ويتدحرج أفرادها على الدوام بين هذه المجموعات الثلاث، ولا تبدو الهُويّة الطبقيّة واضحةً لكلٍّ من الأفراد، ولا وعي الفرد بمكانه الطبقيّ والاجتماعيّ، ولا يتكتّل جميع أفراد هذه المجموعات في كيانٍ سياسيٍّ واحدٍ. وهذا نلاحظه بتتبع جغرافيا فلسطين، حيث نجد:

 1. أماكن الصّراع فيها عائليًّا او طائفيًّا بحتًا (والملاحظ كذلك أنّه حتّى داخل العائلة والطائفة الّتي لا تشكل طبقةً، يقودها ويقف على رأسها شخص إمّا من الفئة الأولى أو الثانيّة غالبًا).

2. أماكن الصّراع فيها بين رؤوس الأموال وأرباب العامل (طبعًا مع أخذ التركيبة العائليّة بعين الاعتبار)، مثل: أم الفحم، الناصرة.

3. أماكن تمكّنت فيها الأحزاب من استعادة قوّتها (داخل الأحزاب أيضًا يوجد خليط بين الفئتين الأولى والثانية ولكن في الغالب ترجّح الكفّة للثانيّة).

 

//نتائجٌ حول معالم الاقتصاد والسّياسة عند العرب:

1) ضعف الحركات والأحزاب السياسيّة، وظهور قوّة أرباب العمل في المناطق الّتي عاشت قليلاً من الانفتاح.

2) اقتصاد الفساد، أي قيام النافذين وأصحاب القرارات بعملياتٍ غير مشروعةٍ وتعييناتٍ غير قانونيةٍ وتجاوزاتٍ.

3) غياب المشاريع الانتاجيّة الكبيرة في قطاعي الصناعة والزراعة، وقلّة المرافق الخدماتيّة، وعدم فعاليّة المؤسسات، وانتشار المصالح الصغيرة والّتي تشكّل 95.8% من مجمل المصالح التجاريّة في المجتمع العربي ويعمل فيها 66.7% من مجمل العاملين داخل المجتمع العربي.

4) حرمان غالبيّة المواطنين من ملكيّة الأرض بسبب وضع الأراضي بيد الصندوق القوميّ اليهوديّ، أيْ ما نسمّيه مشكلة "الأرض والمسكن". وفق تقرير مراقب الدولة الأخير فإنّ المجتمع العربي يحتاج إلى 12-13 ألف وحدةٍ سكنيّةٍ اضافيّةٍ كلّ عامٍ.

5) السلطات المحليّة هي المشغّل الأكبر في ظلّ انتشار المصالح الصغيرة.

6) شحّ الميزانيات المقدَّمة للسلطات المحليّة العربيّة يجبرها على الاستدانة من أصحاب المصالح المتوسطة والكبيرة، ما يعيق عمل السلطة المحليّة ويقيّدها.

7) لا وجود لإحصائياتٍ دقيقةٍ حول نشاطات المافيا عند العرب، مثل نسبة بيع السلاح والممنوعات، ولكنْ يُلاحظ في السنوات الأخيرة ارتفاع نسبة التجارة بالمخدرات والسلاح عند العرب: 30% من مجمل المدانين بتعاطي الممنوعات هم عرب عام 2011 بينما ارتفعت النسبة عام 2013 لتكون 35%.

8) خصخصة كلّ شيءٍ كنتيجةٍ طبيعيّةٍ للسياسات النيوليبرالية الإسرائيلية.

الحالة السائدة هي بالضبط حالة مجتمع غير معروف الى أين يتجه وما سيولد من أحشائه مستقبلا، تقدّمٌ أم ركودٌ أم تراجعٌ؟ إلّا أنّ انتماءَه الوطنيّ الفلسطينيّ الرّاسخ يزوّدنا، ببوارق أملٍ عظيمةٍ. انطلاقًا من هُنا، نراجعُ ونستعرضُ معًا الحياة الحزبيّة، في الدّاخل، في ظلّ هذا الواقع الاجتماعيّ البائس وامتزاجه مع الانتماء الفلسطينيّ.

 

//الأحزاب والعمل السياسي

ذكرنا حقيقةَ أنّ الغالبيّة السّاحقة من الشعب الفلسطينيّ كانت من الفلّاحين، وأنّ جميع أراضيهم قد صودرت بعد النكبة وألغيت هذه الطبقة قسرًا لتتحوّل إلى فقراءٍ وعاطلين عن العمل. كانت النّضالات التاريخيّة، قبل النكبة، بقيادة طبقة الفلّاحين، وبإلغائها، أصبحت هذه النّضالات بقيادة المثقفين والأكاديميين، حيث كانوا النواة الصلبة للأحزاب في الدّاخل الفلسطيني تاريخيًّا، بسبب ظروف اسرائيل وفرض الحكم العسكريّ وطغيان الظّرف الوطنيّ والأمميّ. القوميّة العربيّة الّتي نادى بها جمال عبد الناصر والثّورة العالميّة بقيادة الاتّحاد السوفيتي والأفكار اليساريّة والشيوعيّة هي من لعبت دورًا حاسمًا في التكوين الأيديولوجي للأحزاب وسيكولوجية الجماهير في حينه. على سبيل المثال: كان الحزب الشيوعيّ قبل النكبة موجودًا فقط في المدن تقريبًا. مع ازدياد النّضالات ضد الحكم العسكريّ، والدّور الرياديّ والتاريخيّ للحزب فيها، انتسبت للحزب شرائح واسعةٌ من الجماهير قادمةٌ من أصول طبقيّةٍ مختلفةٍ، ما أدّى إلى عدم وجود هُويّةٍ طبقيّةٍ واضحة المعالم، نظرًا لتأخر القوى المنتجة وعدم نضوج مجتمعٍ طبقيٍّ مكتمل التكوين. طغيان الظرف الوطنيّ والعداء "الغريزيّ" للإمبريالية قاد شرائح واسعة للانتساب إلى الحزب. كان هذا الانتساب مرهونًا بفترة الحماس اليساريّ ووجود الاتّحاد السوفيتي كقوّةٍ عالميّةٍ تدعم الأحزاب الشيوعيّة في مختلف البلدان. ورغم بقاء كُثرٍ في صفوف الحزب، حتّى بعد أفول تلك الظروف، إلّا أنّ عددًا كبيرًا (وكبيرًا جدًا) عزف عن العمل السّياسيّ أو غيّر انتماءه 180 درجةً، أو عاد لتكتّله القبليّ السّابق. عدم تغيّر البنى الاجتماعيّة بعد النكبة غيّب الأساس الاجتماعيّ المتين لمجتمعٍ متمدّنٍ.

كانت هنالك عدّة محطات مهمّةٍ في تاريخ الأحزاب السياسيّة في الداخل. فإلى جانب الحزب الشيوعيّ، كانت هنالك حركة الأرض وحركة أبناء البلد التاريخيّة. في المرحلة الأولى ما بعد النكبة، سادت نفسيّة الهزيمة بين الجماهير العربيّة الباقيّة في وطنها. سيطر حزب العمل على مقاليد الحكم في إسرائيل حتّى عام 1977 وفرض سياسةً ربط فيها هُويّة انتماء الفرد الحزبيّ بالخدمات الّتي ينالها من الدولة. قام بتجنيد عملائه، وأنشأ قوائم عربيّةً مرتبطة بالصهيونيّة وحكومة حزب العمل، بينما كان الشيوعيّون ملاحقين ومحاصرين من المؤسسة الحاكمة. خاض الحزب الشيوعيّ معركة المعيشة وكان أوّل تحوّل ملحوظٍ آنذاك هو واقعة أيار 1958، عندما انتفض الشيوعيّون ومنعوا إقامة احتفالات استقلال إسرائيل في كلٍّ من أم الفحم والناصرة، وغيّروا نفسيّة الهزيمة إلى نفسيّة الصمود والبقاء، وأكملوا نضالهم من أجل معركة المعيشة والمساواة القوميّة والمدنيّة طوال تلك السنوات، حتّى جاء يوم الأرض الخّالد الّذي رسّخ نفسيّة المواجهة. سعى الحزب الشيوعيّ على الدّوام إلى إقامة أوسع التحالفات مع غير الشيوعيّين، وعرفت تحالفاته، على صعيد السلطة المحليّة، بـ "الحزب الشيوعي والأصدقاء". أفضى هذا الأمر، في النّهاية، إلى تقرب شرائح واسعةٍ من الجماهير القادمة من أصولٍ طبقيّةٍ مختلفةٍ وبالتّالي إلى إنشاء الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة.

"كانت الجبهة هي الموجّه لمشاعر الجزع والغضب الشديدة الّتي شعر بها ألوفٌ من أهل الجليل من الفلسطينيّين الّذين سلبت أراضيهم وبيوتهم منهم بالقوّة". (إيلان بابيه).

سقط حزب العمل واعتلى الليكود لسدّة الحكم سنة 1977، والّذي كان حدثًا تاريخيًّا لا يُنسى بالنسبة لليهود الإسرائيليين، وهذا ما يُعرف بـ "الانقلاب الكبير". قاد الليكود التحول من رأسمالية الدولة لدولة رأسماليّة تقدّم السّلطة السياسيّة نفسها فيها على أنّها كيان مستقل عن المجتمع والطّبقات، وانتهج سياسات اللبرلة وخصخصة كل شيءٍ. كان مردود هذا التحوّل سلبيًّا على الوعي الجمعيّ عند العربيّ. فقد أحدثت سياسات الليكود فصلاً بين القضايا اليوميّة والقضيّة الوطنيّة والسياسيّة، على غرار حزب العمل الّذي كان "صريحًا" فيما يتعلّق بهذه النّاحية، ولم يفصل بين الجوهر السياسيّ، الحقوق والخدمات في تعامله مع الأقليّة العربيّة الفلسطينيّة.

تزامن صعود حزب الليكود مع الثورة المضادّة في الوطن العربيّ، والّتي عُرفت بـ "الصّحوة الإسلاميّة". ظهرت هذه الصّحوة بعد هزيمة حركة التحرّر الوطنيّ العربيّة، وعُبر عن هذه "الصحوة" بين الجماهير العربيّة بنشوء "الحركة الإسلامية الاخونجيّة"، وليس في هذا القول أيّ افتراءٍ، فهذا ما قاله عبد الله نمر درويش، مؤسس الحركة، في لقاءٍ مع الإعلاميّ الاخونجيّ أحمد منصور. لا تختلف هذه الحركة، عند الإمعان بها، عن باقي الاخوان في الوطن العربيّ. يمكننا أن نرى بوضوحٍ الفحوى الطبقيّة للحركة الإسلاميّة (بشقّيها)، والّتي تتألف قيادتاها من الأكاديميّين، وهم طلاب شريعةٍ بالأساس، ورجال أعمالٍ لهم نشاطاتٌ ماليّةٌ واسعةٌ. حظيت الحركة بتأييدٍ كبيرٍ، في بداياتها، من الفقراء والكادحين، بسبب الظروف الماديّة والثقافيّة الّتي تزامنت مع نشأتها: تراجع الحركة الوطنيّة والشيوعيّة، وثورة الخميني في إيران.

أمّا الخلاف بين شقي الحركة الاسلاميّة الاخونجيّة فهو ثانويٌّ، نشأ نتيجة ظروف إسرائيل ومسألة العمل البرلمانيّ، وليس جوهريًّا عميقًا بين الطرفين. نشطت الحركة، في الأساس، من خلال جمعيّاتٍ ونشاطاتٍ عديدةٍ ذات طابعٍ دعويٍّ وخيريٍّ. إلّا أن هذا النشاط هو، في الحقيقة، نشاطٌ سياسيٌّ يهدف إلى تدعيم الحركة وإطلاق اليد لسيطرتهم على الوعي العامّ والموارد المتاحة. يميل الاخونج للبرلة السياسيّة والاقتصاديّة، حيث يسعون إلى تحرير تحرّكاتهم السياسيّة ومعاملاتهم الماليّة من الرّقابة و"أسلمة" المجتمع على الطريق الاخوانيّة لفرض وصاية تؤمّن سيطرةً على المجتمع والمواطنين.

من الجدير أن نلاحظ أنّ التقاء نشاط رأس المال في مكانٍ ما مع وجود حزبٍ نشيطٍ موجودٍ في السّلطة المحليّة لفترةٍ طويلةٍ يوطّد علاقاتٍ مع رأس المال، فإمّا أنْ ينشأ رأس المال من داخل الحزب، أو يرتبط به (بالحزب) خارجيًّا لما يحتاجه رأس المال من تسهيلاتٍ عبر السّلطة المحليّة، كحالة الحركة الإسلاميّة.

لا يوجد فصل بين الوطنيّ والاجتماعيّ (الطبقيّ) كما ذكرنا، بل إنّ مأزق اليسار العربيّ هو تنصّل البرجوازيات العربيّة من مَهمّة التّنوير، ما ألقى على اليسار العربيّ حملاً مضاعفًا. إلّا أنّه في سياقنا هذا، طغيان الظرف الوطنيّ في لحظاتٍ تاريخيّةٍ معيّنةٍ يُنسي الجميع الجانب الاجتماعيّ لصالح "المصلحة الوطنيّة". ونستطيع الإشارة إلى انتفاضة الـ 2000 والانقسام الّذي أحدثته اتفاقية أوسلو.

 في سياق الأحزاب، أقيمت القائمة المشتركة بسبب رفع نسبة الحسم، حيث كانت المحاولة لتحويل كلّ خلافٍ أيديولوجي اجتماعيّ ثانويّ جانبًا، في سياقٍ توحّشت فيه سياسات السّلطة الإسرائيلية، إلّا أنّها تجربةٌ حملت داخلها، منذ قيامها، كلّ أسباب تفسّخها الحتميّ.

في هذا المسألة تحديدًا، أريد أن أكرّر ما قلته سابقًا كنوعٍ من التوكّيد: تعاملنا مع مفهوم "الوحدة الوطنيّة" كان إخفاقًا حيث أنّها شملت كلّ بارٍّ وفاجرٍ. المشكلة أنّنا لم نتعامل معها كوحدة قوى تقدميّة، وضمّ حزب "معًا" كمركّب لَهُوَ خير مثالٍ على هذا. كنت مقتنعًا طوال الوقت أنّ وحدةً مع الاخونج ستصل إلى مرحلة الانفجار عاجلًا أم آجلًا، ولن تستطيع الفروقات أن تذيب وتُحيد إلى الأبد بسبب المشترك الوطنيّ، والّذي اتّضح في النهاية أنّه غير مشتركٍ أيضًا. كان هذا كلّه واضحًا حتّى قبل ظهور منصور عبّاس الّذي جسّد مرحلةً جديدةً من الانحدار.

لطالما التزمت بالمشتركة وسقفها، فقد "تعالت عن الخلافات الضيّقة"، وبات عليها أن تتعالى عن التعالي وتبذل كلّ الجهود لعدم تكرار الخطأ نفسه. وحدةٌ جديدةٌ مع الاخونج سترتد كالقنبلةً في وجوهنا وتنفجر حتى ولو صمدت لبعض الوقت. وحدةٌ كهذه في النهاية لن تشكّل إلّا ضررًا للشعب وللعمل السياسيّ والوطنيّ.

رأينا حجم الخلاف والاستقطاب في الانتخابات الأخيرة والّتي دار جزءٌ كبيرٌ منها حول مسألة "المجتمع المحافظ". وما هذا الخلاف إلّا مجرّد صراع صوري كاذب، يخبّئ في داخله الصّراع الحقيقيّ. حُشر هذا الخلاف في زوايا أخلاقيّةٍ وفكريّةٍ خالصةٍ بدون الالتفات إلى الواقعِ. يتحقّق، ها هنا، ما قاله ماركس في كتاباته عن ألمانيا: "إنّ بؤس الحياة الاجتماعيّة الواقعيّة يَنقل ساحة المعركة في الحقل السياسيّ إلى حقل الأفكار وحدها". النهج الّذي حلّ على حساب "مجتمعنا المحافظ" هو في حقيقته مشوِّهٌ لهُويّة الموجودين على السّاحة السياسيّة الاسرائيلية والنّظام الرأسمالي الإسرائيلي، وليس موقفًا جذريًّا وثوريًّا رافضًا لكلّ الحركة الصهيونيّة والنّظام الرأسمالي.

إنّه نهجٌ يدّعي الحياد عن كلّ هذه القضايا والمسائل، رغم وجوده تحت المواطنة الإسرائيلية، ويختزل "نضاله" في قضايا مطلبيّة مُفرَغةٌ من جوهرها السياسيّ. ويضع المستوطن وأبناء كهانا في نفس الخانةِ مع من يطالب بالانسحاب من حدود 67، بحجّة أن لا فرق بين يمينٍ ويسارٍ. ولا يفهم شدّة الاستقطاب المبنيّ على أسس طبقيّةٍ، عرقيّةٍ وأيديولوجيّةٍ بين المعسكرين. وهذا أمرٌ لا يخفيه منصور نفسه، فقد صرّح سابقًا أنّه أقرب لليمين. إنّ هدف هذا النهج التخريبيّ هو تسخيف كلّ نضالٍ، وإلغاء كلّ حركةٍ سياسيّةٍ واضحة المعالم، الخطاب والأيديولوجيا، واستبدالها بضحالةٍ سياسيّةٍ، تغرقنا بنقاشٍ حول تفاهاتٍ لا قيمة لها، مظهرًا نفسه بطلاً مغوارًا. الخنوع، الرضوخ للنظام القائم والعيش كطفيليٍّ باحثٍ عن أجرٍ لهذا الخنوع والحياد حتّى يتمكّن من الحفاظ على موقعه داخل النّظام؛ هذه هي مآلات هذا النهج، وهذا أيضًا ما يعبّر عنه منصور، والجهات الدّاعمة له، وكلّ روّاد كيّ الوعي.

عند الإمعان في الواقع وتاريخ الأحزاب السياسيّة، نستطيع أن نضع ثلاثة استنتاجاتٍ:

1. تضخّم دور العامل البشريّ عند العرب في ظروف إسرائيل وتأخّر القوى المنتجة.

2. العكازتان اللّتان يتّكئ عليهما كلّ حزبٍ هما موقفه من القضيّة الوطنيّة والقضيّة الاجتماعيّة ومساهمته ومكانه فيهما. يشهد الحزب صعودًا وهبوطًا وفق طغيان أحد هاتين القضيّتين وتعاطيه معهما.

3. تحوّل الصّراع السياسيّ إلى صراع أفكارٍ، يعطي للعامل الثقافيّ أهميةً قصوى، تُلزم كلّ حزبٍ أنْ يستثمر بالحدّ الأقصى في امكانيّاته على التأثير على أدوات تشكيل الوعي من إعلامٍ وصحافةٍ ومؤسساتٍ تربويّةٍ والمثقفين الّذي يعبّرون على هذا الحزب وتطلّعاته وما يمثّله من شرائح وفئاتٍ.

لا بدّ من كلمةٍ حول الأحداث الأخيرة الّتي بدأت من حيّ الشّيخ جرّاح، وانتقلت إلى كلّ أرجاء الدّاخل: عظمة هذه الأحداث تكمن في كونها أعادت الأمور إلى نصابها الطبيعيّ، بعد فترةٍ من الجنون والبلبلة، وسحبها البساط من تحت أقدام "النّهج الجديد" بعد انحسار الظّرف الوطنيّ الّذي مهّد الطريق لهذا النهج. الأحداث الأخيرة وحالة الاحتقان القوميّ أيقظت الوعي الجمعيّ للشعب الفلسطينيّ في مختلف أماكن تواجده وذكّرتنا بقضيّتنا الأساسيّة وأنّنا كذلك شعب الجبّارين.

وما بعد أحداث الشيخ جراح والهبة الجماهيرية كان أحدث ما طرأ على السّاحة السياسيّة هو انضمام الموحّدة بقيادة منصور عبّاس الى الائتلاف الحكوميّ الجديد. كتبنا في مراجعتنا للانتخابات أنّ شعار "لا يمين ولا يسار" يعني أنّه أقرب ويُفضّل اليمين، وهذا أمر لا يخفيه منصور نفسه، فله عدّة تصريحاتٍ نكررها توكيدًا لما سبق، على سبيل المثال: "على اليمين أن يقرّر أهو يمين جابوتنسكي أم يمين سموطريتش؟" وتصريحٌ آخرٌ، لا أذكره حرفيًّا ولكنّه يفيد الآتي: "أيمن شيوعيٌّ، ولهذا فمن الطبيعيّ أنْ يكون أقرب إلى اليّسار، أنا أقرب لشاس".

"لا يمين ولا يسار" تعني ببساطةٍ أنّ منصور لا يأبه لهُويّة السلطة السياسيّة الحاكمة، وتبيّن استعداده لدعمها شرط أن تضمن بقاءه. هو ومن يمثّلهم من جاهاتٍ ككائناتٍ طفيليّةٍ، بقاؤها مرهون ببقاء النّظام الإسرائيلي والرأسماليّة الإسرائيلية على حالها.  إنّ انضمامه للائتلاف الحكوميّ الجديد، والبنود الّتي اتّفق عليها، والسياق الّذي جاء فيه، والتسريبات توضّح لنا الدافع الطبقيّ للموحّدة.

أخذ منصور لرئاسة اللّجنة الداخليّة، ونشر عميت سيغل، قبل ذلك، طلب منصور من لبيد بعدم التّعاطي مع المشتركة يشي بوضوحٍ أنّ رغبة الموحّدة في أن تصبح الوكيل الحكوميّ لتتفرّد بالمكاسب الماليّة المتأتّيّة من الميزانيّات المقدّمة للمجتمع العربيّ، ولتحظى بنصيبٍ أيضًا في الاستثمارات الفرديّة الّتي تحتاج دعمًا حكوميًّا، وبكلمات الباحث غسان الفوزي: "الأساس هو انهم يفعلون ذلك لأجل مصالح طبقية مالية وتحكمية تعطيهم رتبة مقاول حكومي في قمع الحريات الفردية والسياسية في كل قرية ومدينة فلسطينية بالداخل، وتجعلهم يستفردون بتسلم الميزانيات الحكومية والمكاسب المالية المتأتية عن العمل مع السلطات المحلية، والمكاسب المتأتية من شركات الخصخصة الصحية والثقافية، وحتى من مكاسب وأرباح مشاريع البزنس الصغير والكبير في كل بلد وبلد للفلسطينيين تحت المواطنة الإسرائيلية". ترغب الموحّدة، بكلماتٍ أخرى، في أن تصبح طبقةً تتحكّم بالمجتمع العربيّ ووسيطًا بين هذا الأخير والحكومة. ناهيك عن اللّجنة الحكوميّة "لجنة شؤون العرب" الّتي أصرّ عليها منصور؛ تريد الموحّدة أن تستمرّ في قمع الحريّات الفرديّة وإشعال حالة التصادم الداخليّ مع المشتركة من جهةٍ، خاصةً الحزب الشيوعيّ والجبهة، وحالة الخنوع والتبعيّة مع السّلطة الإسرائيلية من جهة أخرى. هذه يا سادة عقليّة تحوّل العرب إلى رعايا وليس مواطنين.

تحرّك الحركة الجنوبيّة والموحّدة على السليقة الاخوانيّة أنهى الضبابيّة الفكريّة والسياسيّة الّتي سادت بسبب المشتركة وبات الفوز واضحًا. علينا أن نكون كما كان الحزب الشيوعيّ؛ معارضين لكلّ النظام الإسرائيلي وراغبين بضراوةٍ في تغييره جذريًّا عن طريق أوسع وحدةٍ كفاحيّةٍ ونضاليّةٍ. إذا أرادت الحركة الجنوبيّة أن تكون "الطّبقة" التّابعة للحكومة، فعلينا أن نكون "الطّبقة" المعادية لكلّ النظام الإسرائيلي. (انتهى)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين