تستوجب الظروف السياسية الراهنة وقفة جدية معمقة، والتي تبين بالدليل القاطع أننا على مفترق طرق تاريخي، يتطلب منا الارتقاء في تفكيرنا والتفكير استراتيجيا بضرورات المرحلة واستحقاقاتها، واتخاذ قرارات بمقاييس تاريخية!
إن المشهد السياسي بدوائره المختلفة يشير بشكل لا يقبل التأويل إلى أننا، نحن ابناء الأقلية الفلسطينية الباقية في وطنها، وكأبناء الشعب الفلسطيني، لم يعد أمامنا سوى النهوض بمشروع سياسي، نعتمد فيه على أنفسنا وفقط على أنفسنا.
//المشهد الإقليمي:
ما نراه إقليميا من تطورات يؤكد ما قلناه دائما أنه لا يمكن التعويل على الأنظمة العربية، والتي دائما كانت تدور في فلك الإدارات الأمريكية وفي دوائر المؤسسات الصهيونية العالمية، ولكن الجديد في الأمر أن اللعبة أصبحت مكشوفة، وأصبح التنسيق مباشرة مع الدولة الصهيونية.
الجديد في الأمر أنه أصبح هناك مشروع أمريكي - صهيوني إسرائيلي - عربي واضح المعالم، يهدف في أحسن الحالات إلى تحقيق رغباتهم، إلى القضاء على القضية الفلسطينية قضاء مبرما، أو في أسوأ الحالات من ناحيتهم، تحويلها من قضية احتلال سياسي إلى قضية أراضي شعب مُحتل، إلى قضية إنسانية لمجموعة سكانية، على المجتمع الدولي أن يضمن لها أينما هي، وكيفما هي خدمات يومية واستهلاكية.
إن أنظمة الخليج العربي تتنافس فيما بينها في الإمعان في "مسخ" قضية القضايا في الشرق الأوسط، قضية فلسطين، و تصرفات دولتي الإمارات والسعودية ما هي إلا دلائل واضحة على غرق هذه الدول في المشروع الأمريكي الصهيوني .
أصبح واضحا، وخصوصا بعد الإمعان في الخيانة والتطبيع وتوقيع اتفاقيات المذلة مع أنظمة الخليج، أن الصهيونية العالمية بدعم من الولايات المتحدة وظاهرة الترامبيزم وتحويل الصراع المركزي في الشرق الاوسط، إلى صراع شيعي – سني، أو بالأصح، صراع خليجي – إيراني، مما يخدم فقط الطرف الصهيوني الإسرائيلي، بدحر القضية الفلسطينية إلى الوراء، وهيمنة محور المصالح الاقتصادية والسياسية الإسرائيلي الأمريكي الخليجي بزعامة السعودية والإمارات .
لا بد في هذا السياق من الإشارة إلى أن الولايات المتحدة الامريكية قد نجحت -وإن لم يكن نجاحا كاملا- في سيطرة نظام الفوضى حسب مخططاتها على منطقة الشرق الاوسط .
إن ما يحدث في دول كانت من الممكن أن تشكل ولو بشكل نسبي مشروع مقاومة حقيقي لنصرة القضية الفلسطينية، وتقويض المشاريع الصهيونية في المنطقة، مثل سوريا والعراق وليبيا ولبنان وغيرها، يؤكد نجاح المشروع الامريكي، إذ نرى هذه الدول تضمد جراحها، رغم النزيف المستمر، وستحتاج إلى سنوات طويلة لكي تستعيد عافيتها .
ويبقى السؤال الحاسم، هل بالامكان وفي المنظور القريب، ووفقا للظروف القائمة، أن نتوقع أي أمل لمشروع عربي إقليمي نهضوي يفرض معادلات جديدة ويغير هذا الواقع المأزوم؟
وإن بدت هناك بشائر خير في بعض المواقع، وإن تواجدت بعض القوى التي بالإمكان أن نعقد الأمل عليها، ورغم الفشل الإمبريالي على اختلاف وجهاته في القضاء على سوريا ومحور المقاومة، إلا أنني أكاد أجزم أنه لن يكون في العقد القريب على الأقل أي مشروع نهضوي إقليمي، لأنه وببساطة ليس هناك أية دولة أو قائد قادر على الوقوف في رأس هذا المشروع النهضوي .
إذا كان المشهد الإقليمي بهذه الصورة، أصبح واضحًا للعيان أن الفرج العربي لن يأتي ليخدم قضيتنا وبقاءنا وتطورنا، لن يخدم قضية شعبنا الفلسطيني، وبالتالي لن يخدم تطورنا نحن الأقلية القومية الفلسطينية في وطننا الذي لا وطن لنا سواه.
وإن جاء الفرج العربي، فهو سيتساوق بالتأكيد مع مصالح المشروع الصهيوني الامريكي .
//المشهد الفلسطيني
إن من يُقدم على وصف المشهد الفلسطيني في هذه المرحلة سيُدخِل نفسه في "حقل الغام"، بمعنى أن عدم الدقة في الوصف سوف تُوقع المِقدم على توصيف الحالة الفلسطينية في فخِ لوم الضحية، ضحية الاحتلال، ويصبح النقاش حول أداء منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية هو الأساس، والتغاضي عن الاحتلال وخبثه وبغضه وكونه أصل الشرور .
وفي نفس الوقت، عدم التوقف عند الأداء الفلسطيني سيجعل التوصيف منقوصا، وبالتأكيد لن يقودنا إلى التشخيص الأصح والنتائج الصحيحة .
إن الاحتلال الإسرائيلي، وإن "تطورت" أساليبه في سلب خيرات شعبنا الفلسطيني، وإن زاد خبثه في مص دماء هذا الشعب الصامد الذي يصنع المعجزات ليضمن أساسيات الحياة، فما زال أقدم الاحتلالات وأبغضها واكثرها اجراما.
إن الاحتلال الإسرائيلي والذي للأسف يعتبر أكثر الاحتلالات ربحا لصالح الدولة المُحتلة ما زال يمارس الاضطهاد السياسي الاقتصادي الإنساني ضد ابناء شعبنا الفلسطيني، وما زالت موبقاته من قتل وهدم بيوت، ومشاريع تهويد وممارسات زعران المستوطنين، حاضرة وبقوة وتتكرر بشكل يومي .
وإزاء هذا الممارسات فإن أداء منظمة التحرير ما زال يراوح بين مساعي المشاريع الدبلوماسية الدولية ومساعي التفتيش على مسارات تفاوض مختلفة وبين المساعي لبناء تواصل مع شرائح في المجتمع الاسرائيلي، لمحاولة التأثير على المشهد السياسي الإسرائيلي .
إن الضغوطات المستمرة التي تمارس على السلطه الوطنية، كمنع المنح والمعونات من الدول المانحة، وعلى رأسها السعودية ودول الخليج، ما هي الا محاولات لتركيع الشعب الفلسطيني وإرغام قيادته بالقبول بتسويات الخضوع والقضاء على القضية الفلسطينية .
إن ما نشهده من إمعان في السنوات الاخيرة، من جهة أولى في تنفيذ موبقات الاحتلال على الأرض، ومن جهة ثانية توقف أداء منظمة التحرير عند مشاريعها آنفة الذكر، يؤكد أن الوضع لن يتغير إلا إذا بادرت المنظمة إلى مشروع كفاحي سياسي نضالي شعبي تمارسه على الأرض، وتحويل الاحتلال من مشروع مربح لإسرائيل إلى مشروع خاسر، وحينها فقط سوف يكون التغيير المنشود دوليا وإسرائيليا. إن ما كان مع شعبنا، شعب الجبارين، عندما انتفض انتفاضته الشعبية في منتصف الثمانينات يبقي الأمل قائما، وسوف نبقى نردد، "إذا هبت الشعوب يوما، حتما ستنتصر" .
ويبقى السؤال الحاسم، هل من المتوقع أن يكون هناك في المنظور القريب مشروع فلسطيني كفاحي ونضالي يكبد الاحتلال خسائر ويصنع التغيير المنشود؟
ويأتي الجواب للأسف بالجزم، أنه ليس هناك أي ظروف موضوعية تؤمن تطور مثل هذا المشروع، وأنه بقي الأمل موجودا في شعبنا وحاضرا بقوة.
وإن كان هكذا هو حال المشهد الفلسطيني، فإنه بالتأكيد يُدعم الادعاء القائل أنه على عاتق أبناء الأقلية القومية الفلسطينية في إسرائيل يقع الحِمل الأكبر، من خلال موقعها المتميز بين المواطنة الاسرائيلية والانتماء للشعب الفلسطيني، أن تقود مشروعا يكون محاولة من جانبها لمنع كل المشاريع التي تخطط لها الصهيونية للقضاء على القضية الفلسطينية.
واجب الساعة، فهم الواقع، المكاشفة ووضع كل النقاشات والاختلافات والاجتهادات جانبا، والانطلاق بصوت وحدوي فورا وسريعا!
الانطلاق بصوت وحدوي لنؤكد أننا لاعبون مركزيون على الملعب السياسي الاسرائيلي، ومن واجبنا ومن حقنا أن يكون لنا أجندة سياسية، على رأسها المطالبة بإنهاء الاحتلال فورا، ليس فقط لأننا أبناء الشعب الفلسطيني ومن واجبنا أن نقف وندعم شعبنا، ولكننا أيضا كمواطنين في هذه الدولة، والتي طالما بقيت تحتل أبناء شعبنا ستبقى ثقافة الاحتلال مهيمنة على كل مفاصل حياتنا، ستبقى المؤسسة تتعامل معنا كجسم مشبوه.
ستبقى أذرع الدولة الأمنية تتعامل معنا بحذر وبشك، ستبقى العنصرية مترسخة في ذهنية المؤسسة، ستبقى العنصرية منتشرة في الشارع اليهودي، سيبقى الشاب المجند يتعامل معنا كما تعود التعامل مع العربي، كعدو وفي أحسن الحالات متهما حتى يثبت العكس، وسيبقى الاحتلال أيضا مسيطرا محتلا لحصة الاسد من الميزانيات، وسيبقى بطبيعة الحال التمييز ضدنا سيد الموقف مع شحة الميزانيات وقلتها، وستبقى الديموقراطية أو ما تبقى منها تصارع على حياتها، ما دام الاحتلال قائما وسيبقى الاحتلال هو سيد الموقف !
من واجبنا أن نقف مع شعبنا، وأيضا من حقنا أن نطالب بإنهاء الاحتلال، لأننا وإن كنا مواطنين هذه الدولة فنحن الضحية الثانية المباشرة بعد أبناء شعبنا الذين يرزحون تحت عذاب الاحتلال.
إن النضال ضد الاحتلال وفقا للمفهوم أنف الذكر هو حقنا، لنقف مع شعبنا، ولكنه واجب علينا اتجاه ابنائنا لكي نتخلص من ثقافة الاحتلال في داخل ما يسمى إسرائيل، هذه الثقافة التي ترى بالأرض مورد أمني فلا يتم تخصيص أراضٍ من أراضي ما تسمى بأراضي دولة لصالح مناطق صناعية في بلداتنا العربية .
ثقافة الاحتلال التي ترى بالأرض مورد أمني، فتصبح الأراضي العربية الخاصة فريسة المصادرة لصالح البنى التحتية في الدولة، فتجد شارع عابر إسرائيل وسكة القطار، وخط الغاز ومحطات التحلية، وغيرها تمر فقط من الأراضي العربية .
ثقافة الاحتلال التي تجعل المؤسسة تتعامل مع شبابنا وخريجينا الأكاديميين كجسم مشبوه، فيصبح أكثر من 30 بالمئة من سوق العمل الإسرائيلي محرم على ابنائنا، ويبقوا ينافسون بشراسة على ما تبقى من سوق العمل .
ثقافة الاحتلال هي التي تجعل الشرطة التي لو لم يكن الاحتلال بالمفاهيم الذي يوفره، لتعاملت مع قضيانا كشرطة بعقلية مدنية، واستطاعت ان تستثمر كل طاقاتها وأدواتها لقمع الجريمة .
//المشهد الإسرائيلي :
إن التطور الذي كان في العقد الاخير في المشهد السياسي الإسرائيلي يشير بالتأكيد إلى عمق الأزمة، ولكن ليس هذا فقط، بل يشير أيضا إلى تواجد فرصة للعمل المثابر، طويل النفس، لبناء مسار ديموقراطي عربي يهودي، يبدأ في مارثون لصنع تغيير حقيقي في المجتمع الاسرائيلي نحو إنهاء الاحتلال، وإحقاق المساواة والعدالة الاجتماعية .
إن ما يشهده المجتمع الإسرائيلي منذ سنوات، وقوعه في "أسر" اليمين الاسرائيلي، وهيمنة قيم اليمين من تطرف واحتلال، وعنجهية القوة، وضرب هامش الديموقراطية الإسرائيلية .
إن المجتمع الاسرائيلي المأزوم يفتش ولو من خلال أوساط واسعة تعرف نفسها وكأنها تنتمي إلى مركز الخارطة السياسية الإسرائيلية ويسارها عن مخرج من هذا "الأسر" الذي يفرضه اليمين .
وإن كانت هذه الاوساط أيضا هي نفسها لم تتحرر من الفكر الصهيوني الذي هو هو أساس البلاء، والذي يؤسس لعقلية العنصرية من جهة، وعقلية الخوف التي تسيطر على أوساط إسرائيلية وتجعلها عاجزة عن التقدم نحو مشروع سياسي حقيقي ديموقراطي تقدمي، فإنه ما زال المجال مفتوحا للتعاون معها، ولو بشكل جزئي، على التقدم بخطى واثقه لبناء المشروع الوحيد الذي يستطيع تحقيق التغيير الديموقراطي الحقيقي، وعلى رأسه إنهاء الاحتلال .مشروع بناء يسار حقيقي يكون في صلبه برنامج الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة .
في هذا السياق، لا بد الإشارة إلى بعض المشاريع التي تحاول بعض الجهات، وبالأساس الصهيونية منها، فرضها على الساحة السياسية الإسرائيلية، والتي تقف من ورائها جهات وصناديق مختلفة، والتي لم تبخل بأي جهد منذ سنوات للنهوض بمبادرات هدفها الأول والأخير هو إرجاح كفة الميزان لصالح ما كان يسمى باليسار الصهيوني ومشاريعه، ومحاولة الانعتاق من أسر اليمين الاسرائيلي. هذه المشاريع التي بدأت بالتغلغل أيضا إلى أوساط معينة من بين أبناء الأقلية الفلسطينية، من خلال برامج لتنمية قيادات جديدة، أو شخصيات مؤثره تتماشى مع فكر وممارسات هذه الجهات .
إن هذه المشاريع وإن لم تواجه الواقع كما هو، ولا يعترف القائمون عليها أن فكر الصهيونية هو أساس البلاء، وإن كانت تؤيد إسقاط اليمين ودمقرطة النظام، فإنها سوف تخطئ الهدف ولن تصل إلى التغيير الحقيقي، سوف لن تصل إلى التغيير الحقيقي وسوف تصل في أحسن الحالات إلى تغيير من يقف على رأس الحكومة أو النظام، ولكنها بالتأكيد ستبقى أسيرة قيم الاحتلال والعنجهية، وسوف تكون أسيرة للمعادلات السائدة .
ما نشهده اليوم من تحول المعركة بين أقطاب اليمين، إذ تبدو الانتخابات القادمة وكأنها حربا بين ساعر ونتنياهو وبينت يؤكد عمق الأزمة من جهة، ولكنها أيضا تثبت وجود الفرصة للبدء في مشروع يساري ديموقراطي حقيقي .
ان انخراط البعض من أبنائنا وبناتنا في هذه المشاريع، وإن كُنتُ لا أشكك في إخلاصهم لشعبهم وقضاياه، هو خطيئة كبيرة يجب الرجوع عنها فورا وسريعا.
وإذا كان هذا هو حال المشهد الاسرائيلي، فمرة أخرى يدعم هذا الحال الادعاء القائل أن الحمل الأكبر يقع على عاتق الاقلية الفلسطينية في البلاد بأن تبادر إلى المشروع العربي اليهودي الديموقراطي التقدمي الحقيقي، الذي يصنع التغيير الحقيقي. هذه الأقلية التي صاغت وأنجزت ملحمة البقاء والصمود، التي مارست السباحة عكس التيار والوصول إلى شاطئ الأمان، عكس كل الاحتمالات، وهي نفسها التي صاغت مشروع القائمة المشتركة، مشروع توحيد الجماهير المضطهدة سياسيا وقوميا واقتصاديا في البلاد، الأقلية التي ما زالت تحمل بوصلة النضال لشعبنا الفلسطيني، من أجل إحقاق حقوقه في الدولة والهوية، إنها نفس الأقلية التي صاغت معادلة التوازن بين القومي واليومي، وبين السياسي والخدماتي، إنها الأقلية القادرة على صناعة التغيير .
//المشهد الداخلي، مشهد الأقلية القومية في البلاد :
إن إنجازات هذه الأقلية واجتراحها لملحمة الصمود أقلقت المؤسسة الإسرائيلية وجعلتها هدفا ثابتا لمؤامراتها، لضربها في شتى المجالات، ولكن هذه الأقلية الصامدة التي حاولت إفشال كل المؤامرات ما زالت تواجه ممارسات المؤسسة لتقويضها وإضعافها وضرب جهاز المناعة المجتمعي والسياسي لديها، فما نعيشه من انتشار مستنقعات منظمات الجريمة وانتشار السلاح ما هو إلا محاولة أخرى للمؤسسة لضرب جهاز مناعة هذه الأقلية، وجعلها عرضة وفريسة سهلة لكل الامراض، من أجل النيل منها وجعلها في موقع الاستجداء .
إن مؤامرة قانون كامنتيس ومن يقف وراءها كجمعية ريجافيم ما هو إلا محاولة من المؤسسة لتحويل هذه الأقلية إلى مجموعة تحارب من أجل بقائها، ومن أجل أساسيات الحياة والحق الأساسي في المسكن .
أصبح واضحا أن المؤسسة اصبحت تعرف الوزن النوعي للأقلية القومية الفلسطينية في المشهد السياسي الإسرائيلي كما ونوعا، ووضعت لنفسها هدفا لتغيبنا من خلال إشغالنا في أساسيات الحياة والأمن والأمان، والحق بسقف نعيش تحته .
إن المؤسسة لا تريدنا أن نضع وزننا النوعي من أجل تغيير الخارطة السياسية الاسرائيلية، لأنها تعي أن هذا الوزن عندما نضعه بالشكل الصحيح سوف يقوض المعادلة الصهيونية، ولو بشكل جزئي .
الجماهير العربية، ومعها القوى الديموقراطية اليوم من خلال القائمة المشتركة، وضعت الميزان الحقيقي الذي يجب أن يكون في الخارطة السياسية الإسرائيلية، والذي حسبه القائمة المشتركة التي تمثل وحدة المضطهدين والصوت الديموقراطي الحقيقي والجوهري في البلاد، قررت وحسمت بأصواتها مصير حكومة بنيامين نتنياهو، حكومة قانون كامنتيس، وقانون القومية، وسياسيات الهدم. نعم نتنياهو الذي قال قبل سنتين "قواتنا تهدم في قلنسوة".
اليوم مرة اخرى، تثبت القائمة المشتركة بمركباتها، الجبهة الديموقراطية والعربية للتغيير والتجمع الوطني، أنهم مع مصلحة شعبهم الحقيقية وضد ألد خصومها، نتنياهو وسياساته ، والأهم أنها تُثَبِت في المشهد الاسرائيلي حقيقه واضحة، أن من يعادي الأقلية القومية الفلسطينية، من يمييز ضدها، من يمارس سياسات التمييز ضدها لن يهنأ له بال، لن يستطيع أن يحكم في هذه البلاد .
إنها رسالة مباشرة إلى اليمين وقوى اليمين، وهي أيضا رسالة إلى القوى التي تعرف حالها مركز ويسار، أنتم تحتاجوننا دوما، وإن بوصلة موقفنا هي الموقف من قضايا الاحتلال وإنهائه، وقضايا جماهيرنا العربية وبلداتنا .
الرساله اليوم، أننا سنحافظ على وحدتنا، سنبني آفاقا بين القوى الديموقراطية في الشارع اليهودي لنطرح بديلا سياسيا من أجل إنهاء الاحتلال وتعميق الديموقراطية، والقضاء على سياسات التمييز .
إن ما يحدث هو البدء في ركض المارثون والذي يحتاج الى نفس طويل، حتى تبدأ قطاعات من المجتمع الاسرائيلي تسلم بحقيقة احتياجهم إلى القائمة المشتركة وما تُمثله من أجل صنع التغيير، وأنه لن يكون التغيير بدوننا، وإلا سيبقى المجتمع الاسرائيلي يقبع في قبضة إما نتنياهو أو بينت وأشباههما .
ولكن الأهم مبدئيا، لماذا نضع أنفسنا في سوق المقايضة، ونحن إذا نجحنا سنحصل على فتات مرة أو مرتين، وسنعود نصطدم في عقلية التمييز المؤسساتية؟ وسنبقى رهينة معادلات الأزمات، لنستغلها لابتزاز ميزانية هنا او هناك .
لماذا نتعامل مع من عادانا وأخرجنا من سياق المواطنة من خلال سن قانون القومية؟ لماذا لا نُسقط ونطرد من بيننا من يهدم في بلداتنا يوميا؟
لماذا لا نُسقط من يرتكب الجرائم بحق أبناء شعبنا وما زال يصر على إبقاء أطول احتلال في العالم؟
المطلوب وطنيا الآن: التمسك بالوحدة والانطلاق إلى الانتخابات القادمة ضمن أوسع وحدة ممكنة على أسس وثيقة، تأسيس القائمة المشتركة والاستمرار في تعميقها !
وإذا كان من بيننا من يريد أن يجعل في هذه المرحلة الاختلافات بالرؤى بيننا موضوعا للنقاش في الانتخابات القادمة من خلال إضعاف مشروع المشتركة والذهاب بشكل منفصل، فليكن، ولندير نقاشاتنا بشكل حضاري، فنحن من حقنا أن نختلف، ومن واجبنا أن ندير نقاشا عميقا مُثَقفا لأجيالنا الطالعة .
وإن كنت أفضل أن تكون المعركة القادمة بالأساس تدور حول نقاشنا مع المؤسسة، حول فرض وزننا النوعي، أن نقحم أنفسنا إلى معادلات المشهد السياسي، ونراكم الثقل نحو فرض الأجندة والمواقف السياسية، وليس أن نبدي استعدادانا أن نرضى بإنجازات عينية، مرتبطة بمعادلات التوازنات بين القوى الصهيونية.
المطلوب أن نستمر في مراكمة الثقل النوعي نحو أكثر عدد من المقاعد، وأكثر مواقف لنصبح فعلا القوة التي ستصبح بيضة القبان، وعندها سوف نغيير في سياسيات المؤسسة ونفرض أجندة بقوة الصوت والتأثير وليس منة من أية قوة ولا اعتمادا على أية أزمة .
أما بعد الانتخابات القريبة، المطلوب فورا البدء باختراق الشارع اليهودي، من خلال إقامة حراك شعبي وجماهيري لنتحدث إلى الشارع اليهودي، والذي أصبح وخصوصا اليوم بعد أن حسمنا في قضية إسقاط نتنياهو، أنه بدون قوتنا لن يكون تغيير. تعالوا بوحدتنا ومن خلال موقف قوة وفقط بالقوة، قوة الحسم والصوت أن لا نكتفي في مقايضة هنا أو هناك، بل نفرض الأجندة والبرنامج السياسي والاجتماعي .
قد يخرج من يقول لي: أنت تحلم.
أقول أنه سباق مارثون يريد منا النفس الطويل، ولكن لننتبه إلى أن قوتنا الآخذه بالازدياد وتحولنا إلى نوع من انواع بيضة القبان في سياقات وسناريوهات معينه سَيُجبِر القوى وحتى الصهيونية من بينها في ما يسمى باليسار الصهيوني أن يزحف أمامنا في محطات قادمة، ليتفاهم معنا على أجندة وبرنامج وسياسات، وليس على صفقه هنا أو هناك .
نعم نعم، مزيدا من القوة والوحدة والمشاركة السياسية، ومزيدا من اختراق الشارع اليهودي، والحديث معهم على أن مصلحتهم معنا سيكون التغيير، ولو كان بعد حين!
أول ما أنادي فيه اليوم، رغم مشاعر الغضب، فيما يتعلق بالحركة الاسلامية وخروجها عن إجماع المشتركة، هو رؤية ما صدر عنها ككبوة، واعتبار أن "لكل جواد كبوة"، وأن يتم العودة إلى إقامة المشتركة والحفاظ عليها كبؤبؤ العين .
علينا أن نفوت الفرصة على نتنياهو بتحقيق رغبته بتفكيك المشتركة .
//خلاصة :
الاعتماد على النفس هو عنوان المرحلة القادمة، لن ننتظر الفرج لا إقليميا ولا عربيا، ولا فلسطينيا وبالتأكيد ليس اسرائيليا رسميا .
ما العمل؟
النهوض فورا بمشروع سياسي ديموقراطي تقدمي عربي يهودي، يكون البديل بأل التعريف لكل المشاريع المنبثقة عن مراكز الأبحاث الصهيونية، أو الصناديق المختلفة والتي تهدف إلى صناعة التغيير الحقيقي في المجتمع الاسرائيلي، وصياغة وعي تقدمي ديموقراطي .
إن هذا المشروع هو مشروع يحتاج لنفس عدائي المارثون وليس لنفس عدائي المسافات القصيرة، لأنه سوف يواجه مسلمات كثيرة قد تشكلت في أجواء الصهيونية المهيمنة، وسوف يضطر القائمون عليه إلى النحت بالصخر من أجل الإقناع والاستمرار.
إن أصحاب هذا المشروع عليهم أن يتذكروا دائما أن السمك الحي هو الذي يسبح عكس التيار، وكل السمك الميت يعوم فوق التيار.
إن الأقلية الفلسطينية التي وجدت نفسها بعد النكبة كالأيتام على مأدبة اللئام، وقامت شامخة من تحت ركام النكبة، والأقلية التي نهضت بعد الحكم العسكري الذي اضطهدها والتي انتفضت في يوم الأرض، وجعلت نفسية المواجهة هي سيدة الموقف، هي القادرة اليوم في ظل سواد المشهد الاقليمي الفلسطيني الإسرائيلي الداخلي أن تنهض بمشروعها السياسي الكبير الضخم نحو تغيير الخارطة السياسية الاسرائيلية، ونصرة قضية شعبنا الفلسطيني وإحقاق حقوقه، والانتصار لقضايا المستضعفين والمظلمومين في هذه البلاد، والعمل على التغيير نحو تخليصها من أزمة الصراع على أنفاسنا الأخيرة من أجل الحياة في ظل الجريمة والمعركة على سقف نعيش تحته .
علينا الانطلاق في حراك جماهيري على رأسه حزبنا الشيوعي وجبهتنا الديموقراطية، نحو بناء شراكة عربية يهودية ديموقراطية تقدمية حقيقية، الآن الأن وليس غدا.
العمل على وضع برنامج وجدول زمني للعمل على توسيع صفوف الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة، في بلداتنا العربية وبين أوساط يهودية تقدمية، والانخراط في سلسلة نضالات طبقية اقتصادية معيشية، والبدء بحملات مستمرة لتسييس الناس وإدخالها إلى الحراكات الشعبية المختلفة، وأن نجعل الحراك الانتخابي خلال الشهرين القادمين فرصه لتقوية الجبهة وتوسيعها، إلى جانب الدعوة للتصويت للقائمة .
إن توسيع الجبهة بالشكل أنف الذكر هو الضمانه لتأمين عمق تنظيمي وسياسي للحراك العربي اليهودي، وسيصبح نوع من البوصلة الثابته للثوابت السياسية والاجتماعية .
إقامة مؤتمرا جماهيريا على مستوى الجماهير العربية قاطبة، تدعو له لجنة المتابعة كل اللجان والحراكات الشعبية في قرانا ومدننا، ليضع برنامجا كفاحيا نضاليا ضد قانون كامنتيس، ومن أجل الضغط على المؤسسة كي تأخذ دورها من أجل القضاء على مستنقعات منظمات الجريمة في قرانا ومدننا، والتخلص من الوباء الذي يستهدف جهاز المناعة المجتمعي والسياسي لهذه الأقلية الفلسطينية في البلاد، كي تتفرغ لوضع وزنها النوعي في معادلة إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية وتحقيق المساواة، والانتصار لقضايا المستضعفين والفقراء في هذا البلاد .



.png)

.png)






.png)
