قراءة في ديوان "فاكهة الندم" للشاعر عبد الناصر صالح| محمود صبحي السايس

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

    "فاكهة الندم"، الديوان السادس للشاعر الفلسطيني: عبد الناصر صالح، وهو من منشورات" بيت الشعر " في رام الله. وكان قد صدر له قبل " فاكهة الندم "، "نشيد البحر"، "المجد ينحني أمامكم"، "خارطة للفرح"، "داخل اللحظة الحاسمة"، و"الفارس الذي قتل قبل المبارزة".

    والشاعر عبد الناصر صالح، يعتبر من الجيل الرابع للشعراء الفلسطينيين، وقد أثرى المشهد الثقافي للقضية بنشاط متزايد، رغم كل الحلقات المسلسلة من اجتياحات ومنع للتجول وتدمير وقتل وكمٍّ للأفواه وتدمير للثقافة، ونقص شديد في وسائل تنشيط المشهد الثقافي، كالمسارح وقاعات المحاضرات وانحسار دور السينما، وضعف تأثير الجامعات في خلق تيارات فكرية وثقافية، إلاّ أني مصرّ على أن طولكرم مؤهلة لأن تكون بؤرة نشطة في ثقافة فاعلة.

    الأدب العربي، والشعر على وجه التحديد كلون أدبي، يكاد يكون قصيدة واحدة سواء من حيث الشكل أو المضمون، بعناوين كثيرة متعددة، وأسماء تكاد تتباين فلا تكاد تبين، لكن يبقى إبداع الشاعر وفنه.

    في هذا الديوان لدينا لغة رائعة، تصلح لأن تحمل هموم القضية بألوان الطيف وتناسق الشكل والموسيقى، هذه اللغة حملت كلمات الله الواحد الديان "قل لو كان البحر مدادًا لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدادا".

    وهنا، يبرز سؤال محير وشائك، لماذا يكتب الشاعر بلغات متعددة؟ وبأشكال ومضامين تتباعد وتتقارب، لماذا تختفي وراء المسألة؟ هل هو الاغتراب، هل اللغة التي يكتب بها أصبحت، هي الأخرى، غريبة عنا؟ عن تركيبتنا النفسية والاجتماعية والحضارية، هل اختلف الأمر عما كان عليه في عصور سابقة، أظنها الحالة الإنسانية والحدث الجلل.

    والنقاد مولعون جدًا بتقسيم الأدب والشعر إلى عصور وحقب تاريخية ومدارس وجامعات، لقد بدأ التكسير في قواعد سيبويه وامتد ذلك إلى مناهج التعليم ولغة الكمبيوتر والفضائيات، عبر الشاشات الفضية والملونة التي أشاعت لهجات جعلتنا في حالة لغوية ازدواجية مركّبة. يقول صاحب المرايا المحدبة: نحتاج إلى من يهدم الجدار بين الثقافة الرفيعة والثقافة الشعبية، فلسفة المقاومة التي يقود لواءها عبد الناصر صالح وبقية الشعراء، في الأرض المحتلة، لا تحتمل بقاء مثل هذا الجدار، فلدينا حالة ثقافية إبداعية بدأت بحجر بين يدي طفل بريء، وانتهت بدماء كثيرة روت كل الحقول العطشى في الداخل والخارج، أعني أن الإنسان، هنا، قادر على صنع الثقافة وتصديرها وهذا ما حدث، فمن يرسم لهذا الإنسان تاريخ المستقبل غير الشعراء.

    وبعد، أرى لزامًا عليّ أن أعرّج على الغاية التي نتلمسها في شقوق النص وساحات الصمت وتصدعات البناء الشعري التي تتسرب خلال النص بدعوى أيديولوجية، مما يضفي على الشعر الحديث إيهامًا هو في غاية التغريب والاختلاط، الشعر الجديد يقود سامعه إلى قضايا صعبة تتحول، فيما بعد، إلى ألغاز، إلاّ أن البنيوية وما رافقها من رمزية موغلة، أفسحت المجال للتفكيكية والتحليلية والشكلانية الروسية لتحل هذه الرموز، مما أحدث انفجارًا معرفيًا كبيرًا، لكن الثقافة العربية الحديثة، وما رافقها من عجز على متابعة ما يجري على الساحة الأدبية، يحتاج إلى مواظبة وعكوف وسرعة تنظيم للحاق بالركب، ما دام أدباؤنا وشعراؤنا يصرون على الكتابة بالنمط الجديد للشعر، لكني أعود مرغمًا إلى الساحة الأصيلة التي نشأت على أثرها مدارس النقد الحديث، لأتعرف على أصل التغريب، والترميز في أدبنا العربي، لأجد أن البنيوية والتفكيكية، أوجدها المولدون من شعراء العصر العباسي الأول أمثال أبو العتاهية وأبو نواس.

    عبد الناصر صالح، ومن معه من الشعراء الذين كتبوا الأدب الرفيع لشعب صانع للثقافة، رسموا صورة رائعة لهذا الإنسان، واستطاعوا، بشعرهم، حشد طاقته القصوى ورسم صورة مشرقة لمستقبله.

    لنتعرف على الشواهد من خلال القصائد، فهو في "فاكهة الندم" يتكلم عن النورس الشهيد الذي لا يعرف النعاس، الدائب الحركة. ينزف أبدًا، ثم يدعو القريب والبعيد ليعطوه إكليل أرواحهم ويعطوا الميادين أسماء هؤلاء الشهداء الذين رووا بدمائهم الأرض، النوارس القادمة إرثها العشق للأرض فوق الجراح، أبناء الأرض هم أصحاب الإرث، ولا إرث للصوص الأدعياء، تعود من تبقى من النوارس العاشقة إلى وطنها وتعود معها البهجة، أنظر إلى هذه النوارس تملأ محرابها، والعناقيد تنهض خضراء، والماء يصفو، وقد ورث الأرض أبناؤها.

    قصائد عبد الناصر صالح في ديوان "فاكهة الندم" تكاد تكون لوحات مضيئة، أو معادلات رياضية صادقة لا تحتمل التقديم أو التأخير أو الحذف، بناء متماسك أو بحر عظيم يحتاج إلى غواص حذق، للوهلة الأولى تصد عنها صدودًا، ثم لا تلبث أن تبدأ بالاستمتاع والاحتواء والغوص، ثم التقاط الجوهرة، المسألة المختفية وراء السطور، عبر شواهد مضيئة، تجعلك أحد العشاق للأرض، الإنسان والتاريخ، العشق، الموت، المقاومة. فرسان عبد الناصر صالح في قصائده مغتربون، مقاومون، عاشقون، فرسان يحتضنون الوطن ويلبون النداء، في قصيدة "جذع قديم على حجر"، العاشق يعيش الغربة والذكريات حتى الموت، وفي قصيدة "مرحبًا أيها النيل"، ماء الحياة وفارسها ينادي الأرض ليهبها الحياة رغم لصوص الحلم، وفي قصيدة "على غير عادتها"،  الماضي الجميل، استنهاض الفارس الذي يحتضن الوطن، فيبكيان معًا ويضحكان معًا، وقصيدة " كيمياء للوجد، سحر للممالك"، رغم البعد، اتصل الفارس بالأرض هوى وعشقًا، فالحب شفاء وبلسم:

                   "انتظري..

                    عادتي أن أجيءَ،

                    وأغمرَ جبهتكِ الملكيّةَ بالقُبل المُصْطفاةِ

                    ويغمرني سِحرك المُشتهى بالممالِكْ".      ص28

    ثم يبلغ أوج العظمة في شعره حين يتوحد الفارس والوطن:

                   "يا وطني..

                    لكأنّك بي قطراتُ دمي

                    لكأنّك بي قدري".                    ص38

    لقد ازدحمت الساحة الأدبية العربية بالكثير من النظريات الوافدة والكتب التي ترجمت وشرحت تلك النظريات، خصوصًا وأن هذه النظريات كان مصدرها ومكان ولادتها الغرب، فكانت الخريطة الثقافية العربية والفلسطينية ممتلئة بالتشويشات والتهتهات والبلبلة التي لا حصر لها، ذلك أنّا لم نسهم في إنتاج تلك النظريات ولم يتفق المترجمون على تسمية المصطلح المترجم، ثم إن الذين قاموا بالترجمة أناس لم تكن اللغة العربية لغتهم الأولى، فكانت الصعوبة.

    تبع ذلك تبعية أدبية ولغوية، إجمالًا، فكان الأديب مشوشًا لم يساهم، أصلًا، في تطوير النظرية إبداعًا ووضعًا، دائمًا كان تابعًا لذلك. ان مصدر نشوء الألوان الأدبية الحديثة من قصة ورواية ومسرحية وما ظهر من شعر حديث، كان، أيضًا، مكان ولادته ومصدره الغرب، وبذلك كان الأدباء والشعراء العرب مقلدين غير مبدعين.

    إلاّ أن الأدباء والشعراء العرب، والفلسطينيين، على وجه الخصوص، وقفوا وقفة رائعة لتأكيد دورهم في تعزيز الحرية وبناء صرحها، وأضاءوا الشموع عبر قصائدهم لإغناء الحياة والدفاع عن الحرية والأرض والإنسان، وأن بعضهم من أمثال الشاعر علي فودة قد بلغ الأوج مجاهدًا بشعره حتى مات وهو يحمل البندقية.  

    التحول عن النقد الجديد صاحبه تحول في التركيب من النص الشعري إلى التأكيد على بقية النصوص والألوان الأدبية الأخرى. لنرى كيف نتذوق نصًا أدبيًا موجزًا فيه لغة نسبية، اقرأ معي الإهداء: إلى مرحلة الفجيعة، من مائدة العشاء الأخير. قرأتُ هذا على جدتي، فقالت: أنا لا أفهم إلاّ العربية منذ اللحظة الأولى، وعند قراءة الإهداء أمعنا في قراءة النصوص الستة عشر في الديوان، يظن من يقرأ أن النص صعب مبهم، ولهذا نبدأ بالرفض، وللحقيقة هو كذلك، ذلك أن اللغة التي كتبت بها القصائد لغة شعرية تعبيرية بعيدة كل البعد عن المتداول من لغة الناس، فكان البعد الزمني محلّقًا عن البعد الواقعي، وهنا يأتي دور البحث والتحليل وتفكيك النص، بحثًا عن المسألة المختبئة وراء النص، تلك المسألة التي لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة، فجاءت مرمزة في أماكن اختبائها.

    يقول بشندر: "يمكن القبض على الرسالة بسهولة في النظم الشعري الهزلي وشعر المناسبات، وماعدا ذلك، علينا الاهتمام الدائب حتى نفهم القصيدة بشكل نسبي".

    النظريات النقدية ومدارسها هي إحدى وسائل بلوغ هذا الهدف، لقد أوجد الشاعر في "فاكهة الندم" رسالة حملها، ضمنًا، للنصوص وجعلها مختبئة في لغة زخرفية محيرة، لكن الرسالة لم توجد النص الشعري وإن كانت تصنع بواسطة النص، ونحن كقراء ومتذوقين للنص الشعري نشارك في صياغة النص وفهمه، اقرأ معي:

                   "هيّئوا للنوارس زينَتَها

                    هيّئوا للشهيد الذي عاد حنّاءهُ

                    للخيول أعنّتها".       ص4

    ثم في مكان آخر:  

                   "حناؤنا هذا الترابُ

                    ووردنا الجوريّ حبلُ وريدنا

                    القدسُ موئلُنا الأخير وصرحُ وَحدتنا".    ص83

    هنا، ثمة علاقة حميمية بين القارئ والمؤلف والنص الشعري، على اعتبار أن النص فرضية معينة، واختباء الرسالة الفرضية في النص يجعله صعبًا على القارئ العادي، لكننا نقرأ بلغتنا ونمارس هذه القراءة بلغتنا، الشاعر كتب بلغة صعبة، لكنه نص رسالة، هذه الفجوة تشير إلى البعد الحقيقي بين الشاعر والنص والقارئ، ولقد أوحى لنا الشاعر عبد الناصر صالح في ديوانه "فاكهة الندم"، بالبعد الكامن داخل السطور كإضاءة مشرقة نهتدي بها لما يريد قوله من خلال نص راق نراه للوهلة الأولى صعبًا، ولأن العلاقة بين القارئ والشاعر علاقة تاريخية دينية، كفرضية ضمن رسالة وقضية، وهنا، نقرأ عن هذه النوارس، هؤلاء الفرسان، العشاق للأرض والمقدسات، وضعوا أرواحهم على أكفهم، بمعنى أن الإنسان متوحد مزروع في الأرض عاشق للمقدسات بعضه يكتوي بالبعد، وبعضه سيعود شهيدًا مضرجًا بدمه، وبعضه عاشق مزروع بالأرض، تتابع الصور في إشراق رائع، وآخرون يهيئون الخيول، الإنسان في حركة زمنية مكانية تاريخية متوحدة ومتوثبة، انظر إلى التجلي:

                   "النوارس قادمة والخيول

                    وقافلة الشهداء

                    فمن يَرِثُ الأرضَ

                    أبناؤها أم لصوص الخزائنِ

                    أم ثُلّةُ الأدعياء؟".      ص5

    الشاعر، النص، القارئ، في توحد تاريخي ديني رائع يستنطق الحجر، انظر معي إلى النص، هنا:

                   "قال السور: كانت صيحةُ الميلادِ

                    واجتمعتْ على دمهم أبابيل السماء

                    وقَبّلَتْهُ،

                    فطاف فوق المسجد المحزونِ

                    يقرأُ آيةَ التكوين".      ص80

    ثم يقول:        

                   "القدسُ قِبلتهمْ

                    القدسُ مَسْراهُم".       ص82

    ثم تتدفق من صدر الشاعر مشاعره الإنسانية العليا، داعيًا إلى الحب منعًا للظلم، ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، رغم كل الجراح:

                   "ليس سوى الحبِّ يأسرني

                    إنّه الحبُّ

                    هذا العذاب الجميل، انسياب المشاعرِ،

                    أكبر ما في الوجود

                    وأجمل من لذّة العمر،

                    أحلى من العسل المُنْتَقى..

                    كيف لي أن أعيدَ إلى القلب نشوتَهُ

                    للكلام روائعَهُ،

                    عادةُ الحبِّ أنْ ينتمي".   ص26+27

    إن قراءتنا لنظريات الأدب ومتابعة تطورها، تضيء لنا شمعة في كيفية قراءة النص الأدبي، وتجعلنا نتعرف على نقاط القوة والضعف فيه، ثم نكتشف لماذا نقرأ نصًا شعريًا أو أدبيًا؟ فمنّا من يقرأ للتسلية، ومنّا من يقرأ للمتعة، ومن يقرأ ليثور، لكن الصعوبة، في رأيي، التي يجدها تأخذ طريقها للتمييز بين المستويات، القارئ المبتدئ لا يدرك معنى القصيدة، الأمر الذي يوحي بأن ما تقوله القصيدة ليس بالضرورة ما يفهمه القارئ، وهذا يقودنا إلى عناصر القصيدة الخاصة، النص نفسه، الأحداث والظروف الحقيقية المتخيلة التي يحققها الشاعر في القصيدة، ثم دور الشاعر في كتابة القصيدة، وهل "أنا" الشاعر هي المتحدثة في القصيدة؟ ثم يأتي، أخيرًا، دور القارئ والمؤثرات التاريخية والثقافية والدينية والآنية المؤثرة على المعنى.

    إن استجابة القارئ الذاتية لأهمية النص، تعطي مفهومًا يعكس الاهتمام باللغة المكتوبة في النص، مضافًا إلى ذلك ما طرأ ويطرأ من مدارس نقدية تلقي بظلالها على الساحة الأدبية العربية والفلسطينية، ونحن نقرأ النص ونتذوقه بطرق كثيرة ولأسباب كثيرة ولاعتبارات خاصة، وهذه النظريات لها ميزات ونقاط ضعف، ولكن أيًا منها يقدم وسيلة مختلفة لقراءة النص الشعري.

    الشاعر الذي يعاني، يطل علينا من خلف الكلمات، قارئًا لمستقبل الإنسان، مستفزًا مؤثرًا في القارئ ثقافيًا واجتماعيًا وتاريخيًا، بأشكال كثيرة متعددة ومتنوعة ليصنع الحدث ويؤثر فينا عبر ظروفنا الواقعية التي نحياها ونعرفها جيدًا.

    ثمة كلمة أخيرة:

    إن عبد الناصر صالح شاعر أسعدنا عبر قصائده في "فاكهة الندم"، فكان ديوانه إضافة إبداعية جديدة للساحة الأدبية الفلسطينية.

    بقي أن أقول:

                   "أيّها الوطنُ الجميلُ،

                    تَبارَكت أسماؤك الحُسْنى،

                    وبورِكَ عَنْدمٌ يمتدّ فيكْ".    ص64

 

 

                                                         (مخيم نور شمس / طولكرم)

 

 

* عبد الناصر صالح، فاكهة الندم، شعر، منشورات بيت الشعر الفلسطيني، ط1، رام الله 2001م.

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين