فائق وراد قامة وطنية عملاقة، عشق فلسطين كل العشق، ماركسيًا كان منذ سنه المبكرة ومتواضعًا أيضًا. عاش معظم حياته مطاردًا. خبر حياة السجون والمعتقلات وخبرته، لكنها لم تكسر عنفوانه. ابن قرية “بيتين” لم يحدث مرة أن تكسر رأسه في وجه المحتل الاسرائيلي أو جلاديه، عنيدًا في الحق، يتمسك به وإن كلّفه ذلك أقسى التضحيات، حياة المعتقلات زادته شموخًا!
وكدليل على ذلك أشير إلى حادثة رواها عنه الكاتب الفلسطيني فيصل حوراني، يقول: ذات مرة وفي اجتماع للقيادة الفلسطينية الوطنية في بيروت وبحضور الرئيس ياسر عرفات -رحمه الله- “نَحت المناقشات مَنحى لا يرضيه، فحرد وعزل نفسه في حجرة بعيدًا عن الآخرين، وكان المرحوم فائق وراد مدعوًا إلى الاجتماع، لكنه تأخر عن الحضور، ولما حضر شاهد المجتمعين واجمين “فتساءل: كفى الله الشر، إيش اللي صار”، وهنا أجابه ياسر عبد ربه عضو اللجنة التنفيذية الفلسطينية، تفضل يا سيدي، أبو عمار بدو دولة بدون أحزاب وفصائل! فاقتحم أبو محمد “فائق وراد” الحجرة التي يعزل عرفات فيها نفسه، وخبط على مكتب رئيس اللجنة التنفيذية خبطة سمع الموجودون خارج الحجرة صوتها، وسمعه هؤلاء يقول: “اسمع يا “ختيار” اللي أوله شرط آخره رضا. اسمع يا “ختيار” بدنا دولة زي ما بدك بس مع أحزاب واحترام للتعددية”. (المرجع السابق ص 23).
وللعلم وكما يقول فيصل الحوراني “لقد انتبه ياسر عرفات إلى هذه الأصالة الممزوجة بأكرم القيم السائدة (يقصد أصالة فائق وراد) وما أكثر ما سمعت وسمع غيري أبا عمار يخاطب أبا محمد (فائق وراد) بالصفة التي كان يؤثرها الزعيم الفلسطيني “أيها الفلاح الفلسطيني”! (المرجع السابق ص 25).
تعرض وراد لمحاولة خنق في أحد المعتقلات نجاه منها سجّان آخر في آخر لحظة مدركًا خطورة الموقف وحتمية الموت. (المرجع السابق ص 16).
في مقال له يقول الكاتب والأديب الفلسطيني محمود شقير: “فائق وراد، اسم له دلالات”، دلالات كبيرة وعميقة في وجدان من عرفوه وعايشوه وناضلوا جنبًا إلى جنب معه. اسم يفخر به التقدميون والوطنيون الفلسطينيون العرب. سلام على فائق وراد المناضل الكبير وأحد أبرز الرواد في حركة اليسار الفلسطيني في القرن العشرين”. (المرجع السابق ص 195).
وفي رثائه يقول المفكر الفلسطيني د. عبد القادر حسين ياسين: “.. وعلى الرغم من توجهه الفكري الماركسي الذي لا يخفى على أحدـ إلا انه كان متمسكًا بالقول المتوارث “إن الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية”. ومن يعرف أبا محمد يدرك أنّه كان يتحاشى الخوض في أحاديث خلافية. كان يبحث عن نقاط لقاء بينه وبين الآخرين ويفتش عن تقاطعات ايجابية تجمعه وإياهم” (المرجع السابق ص 173).
وفي رثائه أيضًا يقول الشاعر معين البرغوثي
عشت مناضلًا فذًا
قاومت..
منذ نعومة أظفارك
لم تتوان يومًا
عن رفع راية التقدم والنصر
قاومت
ولم تثنك ريح الغدر
ومُتاجري السلاح
رحلت
رفيقنا
صنديدًا
شهدت لك رمال الجَفر
وأمضت لك تقول
رجلًا أنت ونعم الرجال
وفي كلمة رثاء حارة لرفيقة دربه رقية النجاب تقول: “لم يتذمر فائق وراد يومًا رغم كل ما تعرض له من عَسف وأذى، وما تعرض له كذلك من مرض جَرّته عليه مكابدات النشاط السياسي وشروطه القاسية”. (المرجع السابق ص 163).
وبعد، يرحل هذا المناضل الكبير والقضية الفلسطينية تراوح مكانها، بل تزداد تعقيدًا، بينما الخلافات الجانبية الفلسطينية تتسع وتتسع ناهيك عن الخلافات العربية /العربية. يرحل فائق وراد ولا ترحل ذكراه. آمن الراحل الكبير بالوحدة الوطنية التي تنهي التشرذم والاختلاف. كم تفتقدك فلسطين اليوم.
رحل ولسان حاله يقول مع الشاعر الشابي: إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر. ولا بدّ لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر.



.png)

.png)






.png)
