بدايةً؛ هذا الدّيوان هو الرّابع للشّاعر الكابوليّ "علي هيبي" الصّادر عام 2020. وبنظرة عامّة يقع الدّيوان في 115 صفحة من الحجم المتوسّط، بغلاف قشيب، وعلى الغلاف الأماميّ تظهر صور لشخصيّات قادة وزعماء وأدباء وسياسيّين قد قضوا، ولهم باع كبير في ترسيخ التّاريخ والعدل والحكم والسّياسة عامّةً.
منذ الاستهلال والعنوان "أنا مع الحسين ولست مع يزيد" يتّجه نحو الدّلالة السّياسيّة. وسيميائيًّا الشّاعر علي هيبي يؤطّر نفسه في بوتقة الالتزام السّياسيّ الأيديولوجيّ، فهو مسكون بالسّياسة والهمّ الوطنيّ الجمعيّCollectivism)) والتّحوّلات الّتي طرأت على الكيان العربيّ والعروبيّ.
وبلحمة لهذا الاتّجاه والموسوم بالذّرائعيّ، أو البراغماتيّ العمليّ، نحاول عبره أن نضع نصابنا على المعنى أكثر من الأسلوب، كون المعنى هو ثمرة النّصّ وفاكهة الكتاب، ومنجزها الحقيقيّ. والمعنى في النّصّ هو ما يريد الأديب أن يفهمه القارئ وما يفهمه المخاطب وليس ما يقوله؛ لأنّ القول في الرّؤية الذّرائعيّة هو القناة البسيطة الأولى لنقل المعنى وليس هو المعنى ذاته، ويرتبط ذلك بعمليّة التّفسير والتّأويل. لذلك فالرّؤيا الذّرائعيّة ينصبّ اهتمامها على الانتقال من السّطحيّ إلى العميق، وتشير إلى تداوليّة المعنى لا الكلام؛ لأنّ المعنى يمرّ عبر مراحل وآليّات منها: البناء الجماليّ والبلاغيّ؛ العقلانيّة، واللّسانيّة التّناصيّة، ودرجة العمق والانزياح نحو الرّمز والخيال والموسيقى الشّعريّة، والبؤرة الثّابتة في النّصوص...(يُنظر: الذّرائعيّة بين المفهوم الفلسفيّ واللّغويّ، للنّاقد الذّرائعيّ عبد الرزّاق عودة الغالبي: 2019).
ومن هنا فالعنوان يدلّل على هاجس الشّاعر الوجوديّ في انتشاء وانثيال فكريّ. فالفكرة الدّينيّة السّياسيّة منبثّة وتلقي بظلالها على قصائد الدّيوان. ولا سيّما أنّ الدّيوان يحمل اسم القصيدة الّتي استُهلَّ الدّيوان بها، ومن هنا فالعنوان يشير إلى التّسييس والأيديولوجيّة الفكريّة الّتي ينطلق منها الشّاعر ويصبو لإيجاد الفارق الحسّيّ الوجوديّ وسط تزاحم التّيارات الفكريّة الّتي تدعو إلى نهج الانتماء، والانضمام إلى المبدأ في صفوفها دون فروقات إثنيّة أو جندريّة.
ومن هنا فالعنوان يثري الدّلالة، وفيه اختراق لمنظومة المنع والرّفض، ليمارس كلمته ويُدلي بصوته دون ريبة أو خوف. إذن فالعنوان بشموليّته يحيل إلى دوالّ عديدة؛ سياسيّة واجتماعيّة وفكريّة، تتعدّى في مفهومها المباشرة والتّلقائيّة عند أخذ الكلام على محمل القوّة ومحاولة الكشف عن اللّباب واستخلاص الدّلالات؛ المباشرة والمجاورة والمغايرة على صعيد النّصّ أفقيًّا والمجموعة رأسيًّا.
- الاحتمالات المشتركة في النّصوص شكلًا ومضمونًا:
في ديوان الشّاعر علي هيبي يستجيب الشّكل للمضمون، وهذا ما يظهر في القصائد بحيث يوحي عنوان القصيدة بالفكرة، أو الجدل الفكريّ الّذي يلامس مفهوم القصيدة. انظروا إلى هذه القصائد: أنا مع الحسين ولستُ مع يزيد، القدسُ، غزّة تعيد سؤالها فهل من جواب، حيّ العراقيب، قسم جبهويّ، محمّد وِلد راشد الذّيب، حينما يتسلّل الحلم إلى أرض الحقيقة... هذه النّصوص بمجملها تطرح قضيّة تؤرّق الشّاعر وإن كانت سياسيّة الطّرح، وهذا حقّ مشروع للشّاعر؛ كونه يطرح أفكاره، ويأمل أن يناقشها الآخرون وربّما تؤثّر في القارئ ويجعله يتماهى معها؛ نظرًا لأنّ الشّاعر ينطلق من الواقعيّة الاشتراكيّة في طرحه بهدف تبئير القضايا لتكون واقعيّة في المحصّلة العامّة وتتبنّى الهمّ الجماعيّ في بعض منها، دون الحياد عن جادّة الواقع الاجتماعيّ والإنسانيّ؛ فالشّاعر يحاكي الشّعور ويبرز الصّخب الوجوديّ الّذي قد لا يروق للآخرين في ظلّ تكدّس القضايا الملحّة والّتي تتصدّرها الأرض والوطن والإنسان ونضاله السياسيّ المتلازم. لذلك فلا بدّ للشّاعر أن يعود إلى ذاته ويشتغل بهمومه قبل الانطلاق للعالم الأوسع ويبرز معاناته، وإن كان في المجمل العامّ لا بدّ أن يكون المبدع كونيًّا، يؤمن بضرورة الانكشاف وتجسيد الرّؤية الفرديّة والجماعيّة بنظرة وجوديّة، يضع القضايا كلّها على المحكّ وإن اختلفت الجغرافيا والهويّة القوميّة ومن هنا نلمس النّزعة الكوزموبوليتانيّة في بعض القصائد ولا سيّما القصيدة الدّيوان "أنا مع الحسين ولست مع يزيد"، ومن هنا المجتمعات برمّتها تصطفّ على طريق واضح في ضرورة حضور العدل المجتمعيّ والإنسانيّ. ونحن ترتسم أمامنا تلك الفئة المظلومة الّتي تتعرّض للإقصاء والعنصريّة من قِبَل الفئة الباغية المتنكّرة للحقوق ومبدأ التّعايش والسّلم الأهليّ، في ظلّ الواقع الكولونياليّ والإمبرياليّ القابض على السّلطة ومقدّرات البلاد في الواقع المعاصر، بعيدًا عن الاحتكام للقواعد الإنسانيّة والشّرعيّة في نظام تحكمه العَوْلَمةُ القابضة على كلّ حركة ومدّ ونشاط أيّ كان، باعتبارها حركة بَيْنَ عالميّة قابضة على الحراك السّياسيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ والفكريّ كذلك بأدواتها السّلطويّة والبرجوازيّة والبيروقراطيّة واللّوجستيّة. قصائد الدّيوان بمجملها تضرب على الوتر السّياسيّ والدّينيّ العقديّ باستثناء بعضها. ويبدو الشّاعر متماهيًا بشكل مطلق مع الشّخصيّة الدّينيّة السّياسيّة المعروفة في التّاريخ الإسلاميّ الأوّل "الحسين بن عليّ" رضي الله عنه. هذه الشّخصيّة يعتبرها الشّاعر مظلومة ولا بدّ من نصرها؛ كيف لا وقد ظُلِمت وأُغمط حقّها بنيل الخلافة. فالشّاعر في ذوده عن الإمام الحسين إنّما يدافع عن شخصيّة طالما قد تجذّرت في الوعي الإسلاميّ والجماعيّ الأوّل، فكلّ تاريخها النّضاليّ مُشرّف ويشار إليه بالبنان منذ نشأتها حتّى استشهادها في الحادثة المعروفة "بِكربلاء". وهنا لسنا في محلّ تبيان الصّراع السّياسيّ آنذاك حول السّلطة بوجود فرق دينيّة عديدة كلّ منها تطمع بالخلافة وترى بنفسها صاحبة الحقّ. ونحن ندرك بأنّ هنا ضوابط وشرائع لتولّي الخلافة وفق النّاموس الكونيّ الإلهيّ. ومن هنا أُدرك أنّ الشّاعر هيبي، يدعو للثّورة بكلّ آليّاتها وجماليّتها وعدم الرّضا بالحكّام المأجورين الّذين يمتهنون الدّين
ويتاجرون به. فالشّاعر في قصائده تلك يؤكّد النّهج السّياسيّ والعمليّ البراغماتيّ، وينتابه شعور الإجحاف والظّلم وتراكمه الجائر على مدى العصور، وحتّى في حاضرنا ما زلنا نعاني من تراكميّة الظّلم والتّمييز واللّاعدل الاجتماعيّ والفكريّ والبيئيّ كذلك. فالهمّ الوطنيّ يلقي بظلاله على نفسيّة الشّاعر، وتكاد لا تخلو قصيدة من ذكر لفلسطين لاتّصال الوجع والحال مع الآخرين ممّن لا يعترفون بواقعيّة القصيدة ولا رهبة المواقف الّتي تمليها الأحداث المتزاحمة في كلّ وقت ومكان، وفلسطين كما نرى تمثّل عند الشّاعر درّة الوجود وأيقونة المجد والصّمود، والنّموذج العمليّ لاحتدام كلّ القوى بأشكالها في بؤرتها الوجوديّة وشرعيّتها، ولذلك فهي محكّ الدّيالكتيك المعرفيّ والوجوديّ من العدميّ في كنف الصّراع المستحوذ والمتراكم هذا...لذا فنلمس في القصائد الالتزام والدّفاع عن المظلوم، وهتك صورة القداسة عن كلّ مسوح فكريّ أو صومعة أو أيديولوجيا دينيّة لا طائل تحتها!
قصائد الشّاعر تنضح بالفِكر الحضاريّ البراغماتيّ والتنوّر الإنسانيّ العدليّ؛ وهذه بعضها: "أنا مع الحسين ولست مع يزيد"، "نموذج ثوريّ"، "السيّد قام"، "القدس"، "غزّةُ تعيد سؤالها...فهل من جواب"، "جمال عبد النّاصر"، "حيّ العراقيب"، "لك ملكوت الله وسدرة المنتهى"، "عندما يتسلّل الحلم إلى أرض الحقيقة"، "صُور قصار من جُزأي الذّلّ والكرامة".
أرى أنّ الشّاعر في قصائده يدعو ويبذر بذور التّغيير للوصول إلى الصّورة المرتضاة في واقعنا المعيش...فدعوته شاملة تصيب كلّ من أهان الأمّة، وغرز مبضع الشّك والخوف في وجودها وقلْقلَها وطعن بموروثها وعقيدتها، وأتى عليها بعدوّ غاشم لا تأخذه في الله إلًّا ولا ذمّة...فالانتهاك لا حدود له، حتّى ليصحّ القول بأنّ هذه الأمّة من شرقها إلى غربها لا تزال متقوقعة بأفكارها الرّجعيّة، وترزح تحت وطأة المُستعمِر، المُنتهك لمقدّراتها وشعوبها؛ وهي بلا شكّ آثمة لقبولها الذّلّ والهوان ولم تجاهد نفسها للخروج من حالة الاستكانة وقهر الظّروف القاسية باتّجاه الإيجابيّة، في دفع عجلة الإنسان التّقدّميّ بالعلم والأخلاق والفكر العمليّ السّليم.
فكما قال المفكّر الجزائريّ "مالك بن نبي" رحمه الله: "أخرجوا المُستعمِر من أنفسكم؛ يخرج من أرضكم". فلا يكفي أن ننادي بقهر الظّلم ونصرة المظلومين دون أن نحرّك ساكنًا ووازعًا، فهكذا نبقى ضحايا للانتهازيّين والكائدين غير آبِهين بما يجري في أوطاننا، وبالتّالي سيسدل الظّلام علينا أبوابه، وعندها لا ينفع الرّجوع إلى دَيدن النّبع الصّافي بعد النّدم المتأخّر، ولا الصّيام في رجب كما قيل!
- المدخل السّلوكيّ والأخلاقيّ:
لقد اتّفق للشّاعر علي هيبي في هذه المجموعة الشّعريّة ما لم يتّفق للكثير من شعرائنا. فقد انتقد المجتمع والحاكم/ السّلطة بذكاء وألمعيّة، دون أن يمسّ بمقدّسات ولا أضرّ بالمنظومة الأخلاقيّة، فقد سطّر في أرضنا ومقدّساتنا قصائد؛ كقصيدة القدس (ص 27)، غزّة تعيد سؤالها... فهل من جواب (ص 45)، وحيّ العراقيب (ص 59)... كما وكان للحُسين بن عليّ- رضي الله عنه- حصّة الأسد في ثيمات القصائد ممّا يشير إلى التّماهي الفكريّ والأيديولوجيّ مع شخصيّته الثّوريّة والدّينيّة، كما في قصيدة "نموذج ثوريّ" (ص 13). وحدّثنا في قصائده عن الكفاح والنّضال الّذي يستند على الفكر والأخلاق السّامية. وهيّأ جوًّا من التقبّل والموافقة بقدر ما لمّح إلى تزمّت مجتمعه وحكّامه في الشّائعات والمحرّمات والخرافات. وقد أبرم كلّ ذلك وأحكمه من خلال ما حدّثنا عن كفاح بطل النّصّ أو القصائد بمجموعها وهو "الحسين" من أجل تغيير المفاهيم؛ فهو الجادّة ومنبع الفكر السّويّ الصّافي لمن أراد أن يمضي في ركابه، حتّى في حياتنا المعاصرة، فهو يمثّل التمرّد على الفكر السّلبيّ الخائن للوطن وكلّ شيء، فلا بأس في جعله نبراسًا لكلّ من يريد أن يكون طاهرًا متطهّرًا، متعاليًا عن الفئويّة البغيضة والسّياسة الضّيّقة المقيتة؛ أيقونة إنسانيّة شاملة، ولا غرو في ذلك؛ إذ إنّ المجتمعات تنهض على أساس متين من الفكر الصّافي المناهض لقيم الفساد والامتهان، وتنظر إلى الواقع بميزان العدل والخلاص الإيجابيّ من كلّ المكاره والمصائب الّتي تعتور طريقها.
- المدخل اللّسانيّ والانزياح نحو الخيال والرّمز:
من خلال النّظر في قصائد الدّيوان يتبيّن لنا أنّ القصائد مختارة ومكتوبة/ منظومة باحترافيّة وبعمق فكريّ موغل في الرّمز والتّكثيف الدّلاليّ، واختصار الطّريق إلى المعنى، فهو في مجمله برأيي يهدف إلى مساءلة مكامن النّفوس المتقلّبة بين الخير والشّرّ/ الكرامة والهوان/ العزّة والسّؤدد مقابل الانبطاح والامتهان وغيرها...وغيرها من المعاني المتوازية المتقابلة، فالمعاني لا تُعرف إلّا بأضدادها، وكلّ ذلك ليكون نافذة محمّلة بشتّى الدّلالات للشّخصيّة المركزيّة في النّصوص عامّةً.
إذا حاولنا إحصاء عبارات أو ثيمات من القصائد؛ فنجد أنّها كثيرة تؤكّد على الاتّجاه الفكريّ وسيميائيّة الشّاعر في نظرته وتعامله مع الواقع. فلنأخذ أمثلة تدلّل على الاتّجاه اللّسانيّ، والّذي يخدم المدلول العامّ. في القصيدة الأولى والّتي تحمل اسم الدّيوان "أنا مع الحسين ولست مع يزيدَ" ص 6، نجدها مُترعة باللّسان واللّغة الصّامتة الصّارخة كَ "أنا واضح كلّ الوضوح"؛ "لست مع اللّذين يحلمون بالفتاوى الحارقات؛ لست مع اللّذين يستعبدون النّاس بالنّيران ولقمة العيش والحديد؛ ولست مع عثمان؛ ولست مع خلافة بايزيد؛ ولست مع كلّ ما يقال عن طوفان نوح؛ أنا القديم أنا الجديد؛ أنا العنيد...أنا الشّريد؛ أنا الثّائر مع الحسين ولست مع معاوية، ولست مع يزيد...أمير المؤمنين أمطر القرآن بالوعد والوعيد؛ يجب أن نكتب التّاريخ والتّراث من جديد؛ ونُعيد فتح باب الاجتهاد؛ ونعيد فتح باب الاجتهاد على بيدرنا...". وفي قصيدة أخرى بعنوان "السيّدُ قام" ص 15، نجد معجمها اللّسانيّ أيضًا طافحًا. فموتيف (السيّد قام) يتكرّر في افتتاحيّة كلّ مقطوعة، وعددها اثنتا عشرة، وإن كان في كلّ مرّة يتناول الشّاعر موضوعة، يُثري الدّلالة النّصّيّة، ويجعل الموضوع فضفاضًا؛ فيه من السّياسة والدّين والاجتماع.
هذا على سبيل المثال لا الحصر، وإن كنّا نلمس أنّ الشّاعر يتناصّ في قصائده وهذا يُثري المعجم اللّغويّ، بحيث تنزاح القصيدة عن المعاني المباشرة إلى المعاني المغايرة؛ فهو يستعمل الألفاظ والتّعابير ويجنّدها لتخدم معاني سياسيّة/ إنسانيّة/ دينيّة أيديولوجيّة. وسنأتي بأمثلة من بعض القصائد الّتي توظّف أسلوب التّناصّ ضمن المعجم اللّسانيّ الّذي يحيل إلى دلالات رمزيّة بفروعه المختلفة؛ كالتّناصّ اللّغويّ - الشّعريّ، والأسطوريّ، والدّينيّ التّاريخيّ.
"في الأرض فُرسٌ وتُركٌ" (ص 19)؛ "طال الصّيام عقودًا معدودات" (ص 21)؛ "أمِ المسيح ُ بهذا المهدِ قد صُلبا" (ص 27)؛ "نامت نواطيرُ مصرَ عن ثعالبها" (ص 27)؛ "حكيم النّرويج سلامًا" (ص 31)؛ "قل أعوذ بربّ النّاس من ذلّ الوسواس" (ص 36)؛ "لا أحد قال لأبرهةٍ...للقرآن إلهٌ يحميه...للبيت إلهٌ يحميه...هاتِ الأنعاما...حكيم النّرويجِ سلاما" (ص 32)
"فإنّك بالواد المقدّسِ سائلٌ" (ص 50)؛ "اقرأ يا محمّد...اقرأ القرآنْ"، "تُبّتْ يدا أبي لهب" (ص 72). وقد انحاز الشّاعر بشكل ليس كبيرًا نحو الخيال في الأسلوب الأدبيّ المنتهج في القصائد، فكما يتغذّى الأسلوب الأدبيّ بالعاطفة يتغذّى كذلك بالخيال، وهو ما ينتج عن العاطفة الّتي تدفع الأديب إلى التّحليق خارج الدّائرة الصّغيرة الّتي تحصر تفكيره، فيتأمّل ويمتدّ ببصيرته متجاوزًا التّعابير المباشرة والصّور الجاهزة. ولكي يصل الشّاعر/الكاتب إلى الخيال المبدع لا بدّ له من التّمتّع برهافة في الحسّ وشفافيّة في الشّعور، وذوق فنّيّ رفيع، يتسنّى له الظّفر بالصّورة الخياليّة الّتي تعينه على تجسيد فكرته، وشحن موقفه بما يجعله واضحًا ومؤثّرًا.
والخيال في الشّعر يقوم بالصّلة بين النّصّ والقارئ والسّامع، والتّأثير ممّا يرتقي بالنّصّ الأدبيّ إلى حيّز الإبداع. وفي نصوص شاعرنا علي هيبي، نلمس اتّكاءه على الخيال عندما يجنح به خلال الاستطراد في الفكرة، وتوخّي إيصال المعنى الدّلاليّ، والّذي هو يتّكئ برمّته على ميول أيديولوجيّة فكريّة ارتضاها الشّاعر، وعبّر عنها بروح شعريّة سامقة تمتح من الواقعيّة الاشتراكيّة. ففي قصيدة "السيّد قام"، على سبيل المثال لا الحصر، يقول الشّاعر في المقطوعة الأولى: "اخلع نعليكَ واقرأ، أنت في وادي القراءة، اقرأ...اخلع نعليْك، يتفجّر النّور بعد الأسر من عينيك... عيونُك في الكتاب اغْمسْ" (ص 15). وفي القصيدة ذاتها نجده يقول: "السيّد قام... أتاك الرّبيع سلامًا يُرفرف على الطّفلة النّائمة...أتاك الرّبيع سلامًا يُكفكف رؤى الدّمعة الحالمة..." (ص 17). وهنا وفق تحليلنا وفق النّهج الذّرائعيّ البراغماتيّ ينبغي للخيال ألّا يطغى على الفكرة، ويذهب بعيدًا في التّأويل والغَور في تناصّات منهكة تستحوذ على الفكر بالمجهود الكبير، وإلّا تحوّلت الكتابة إلى ما يشبه الوهم، ولكن يجب أن يقوم التّناسق المطلوب في الأسلوب الأدبيّ، وتؤدّي الوسائل التّعبيريّة وظائفها المرجوّة منها. فالنّصّ بمجمله يعتمد موازين فنّيّة تتكافأ منها أجزاء النّصّ، وتتّحد اتّحادًا تامًّا.
• التّجنيس الأدبيّ والموسيقى الشّعريّة:
يُعدّ التّجنيس الأدبيّ الرّكيزة الأساسيّة في الذّرائعيّة، وقد هاجمت الذّرائعيّة التمرّد الشّائع على التّجنيس، واعتبرت ذلك مسلكًا فوضويًّا من شأنه أن يقوم بتخريب الشّكل المتميّز الّذي يتحلّى به النّصّ العربيّ. فالتّجنيس وإضفاء الجنس( (Genreأو النّوع على العمل الأدبيّ المكتوب ركيزة أساسيّة في عرف الذّرائعيّة قبل الولوج إلى نقد وتحليل النّصّ. ومن هنا إذا اقتفينا أثر النّصوص الشّعريّة في الدّيوان سنجدها متشظّية على عدّة أشكال، وبمجملها تنتمي إلى الشّعر المتداول بين المذاهب المعروفة، فنجد بين دفّتي الدّيوان القصيدة الكلاسيكيّة الّتي تسير على البحر الشّعريّ القديم، كما في قصيدة "نموذج ثوري" ص 13، وهي على بحر الوافر؛ وقصيدة "القُدس" ص 27، على بحر البسيط؛ وقصيدة "أيّها القسّ الأحمر...كلّ الألوان لا تملأ الفراغ" ص 51، على بحر الكامل؛ وقصيدة "جمال عبد النّاصر" ص 55؛ على بحر الكامل؛ و"حيّ العراقيب" ص59 على بحر البسيط؛ و "إلى خير منقلب...من شرّ منقلب" ص 61 من الكامل؛ و "لك ملكوت الله وسدرة المنتهى" ص 63 من الكامل. أما بقيّة القصائد ففيها دمج بين الشّعر والنّثر، أو ما يعرف بقصيدة النّثر أو الشّعر المنثور. هناك قصائد تدمج بين التّفاعيل، كما في "أنا مع الحسين ولست مع يزيد" و ""غزّة تعيد سؤالها...لا بدّ من جواب". وهناك قصائد عامّة انتهجت طريقة القصيدة النّثريّة نظرًا لموضوعها الّذي تتناوله، ولربّما لا تستقيم الموسيقيّة الكلاسيكيّة فيها، فجاءت عفوّية اتّجاه الموسقة؛ نجد ذلك في "قَسمٌ جبهويّ" ص 65. و"محمّد وِلد راشد الذّيب" ص 69. "أبدأْتَ تُحصي من معكْ" ص 83. "أين محطّتك القادمة... يا قطار الشّعوب" ص 103. "البؤس" ص 109. وهناك قصائد تسير وفقًا للتّفعيلة في الشّعر الحرّ، كَ "السيّد قام" ص 15، إضافة إلى قصائد تستعمل اللّهجة المصريّة المحكيّة مثل: "حالات مصريّة مصيريّة" ص 91. هذا على سبيل التّمثيل لا الحصر، فقد وضّحنا خلال تناول قصائد الدّيوان أنّها ما كانت لتكون لولا ضرورة ملحّة من الشّاعر وصولًا إلى هدفه. وهذا التّنظيم الدّلاليّ والثّيماتيّ المتنوّع عند الشّاعر جاء ليجيب عن حاجاته الإنسانيّة والوجوديّة والوجدانيّة والسّياسيّة، الّتي تقضّ مواجعه وتؤلّب عليه حياته وواقع وجوده، وبالتّالي تُلقي بظلالها وكَلْكلِها على هذه الأمّة.
• وأخيرًا:
فقد أتينا في هذا الدّيوان المُنجز للشّاعر "علي هيبي" وفق الرّؤية الذّرائعيّة البرغماتيّة، وتطبيقها بشكل من الأشكال على هذا العمل الشّعريّ، بصورة تتواءم وهذا التّوجّه الحديث نسبيًّا. هذا الاتّجاه التّداوليّ يتعامل مع النّصّ شكلًا ومضمونًا؛ فلا يضحّي بالشّكل على حساب المضمون أو بالعكس، وذلك ليكون العمل النّقديّ متوازنًا، وبالتّالي يُغطّي الشّاعر مساحة من حركة الإبداع، خلال عمليّة الإبداع عنده؛ كون حركة الإبداع النّصّيّة، ناصيتها بيد الشّاعر أو المبدع هنا، وبدون ذلك نعدم النّقد والتّأويل الموضوعيّ، على اعتبار كلّ واحد يعود إلى الآخر ولا ينهض إلّا به، ليتكامل المشهد الأدبيّ النّقديّ، وبذلك يكون الإبداع والنّقد توأمين لا ينفصلان...



.png)

.png)






.png)
