ان اقامة نصب تذكاري لشهداء كفر قاسم كان مطلبا شعبيا في كفر قاسم ولدى أوساط واسعة في البلاد بين اليهود والعرب. ولابد من الإشارة الى أن ذكرى الشهداء لم تخلد منذ دفنهم وحتى اقامة النصب التذكاري في الذكرى الـ20 للمجزرة في عام 1976، سوى ما كتب في حينه على شواهد قبورهم وبصورة بسيطة للغاية...
وفي السنوات الأولى بعد المجزرة كان هنالك حجر على جدار ساحة المسجد القديم كتب عليه: "بسم الله الرحمن الرحيم – الفاتحة لشهداء كفر قاسم!!"، وطبعا هذا لا يلبي الحاجة لإحياء ذكرى شهداء لمجزرة مروعة مع ذلك الكم الهائل من الضحايا...
المساعي الأولى لإقامة النصب
بعد النجاح الكبير لمسيرة التحدي في الذكرى العاشرة التي بادر اليها الرعيل الأول من مناضلي كفر قاسم لإحياء يوم الذكرى، والتي رسخت فيها معالم يوم الذكرى، في نوفمبر 1966 قام السيد دفيد أرنفيلد، تاجر الماس المعروف في حينه بزيارة كفر قاسم يرافقه وفد ضم أيضا الفنان النحات "يجئال توماركين" وقد حلوا ضيوفا على لجنة احياء الذكرى.
وقام الفنان توماركين بشرح تصميمه المقترح للنصب التذكاري على هيئة مدرج مع موقد لشعلة تضاء سنويا.
في نفس الشهر في 17-11-1966 قام والدي المرحوم المناضل عمر أحمد عصفور بجمع التواقيع من 226 مواطنا من أهالي كفر قاسم يطالبون فيها بإقامة نصب تذكاري يليق بالشهداء، وليقدمها بدوره الى المجلس المحلي في حينه ولكن للأسف فوجئ بتمزيق هذه اللائحة في المجلس مما ترك امتعاضا وحزنا بالنفس، ولكن لحسن الحظ أنه كان يحتفظ بنسخة "الكوبي" للتواقيع.
ذلك النجاح المميز للجنة احياء الذكرى وتأييد الناس لهم والالتفاف بحماس حول نشطاء تلك اللجنة من الرعيل الأول من المناضلين وأصدقائهم، دفع بالسلطات لتكثيف ممارساتها في كفر قاسم واتبعت سياسة الترغيب والترهيب وبشكل مقصود من أجل وأد يوم الذكرى في مهده... وسعت لمنع تكرار ما حدث في الذكرى العاشرة ولمنع مساعي اقامة النصب التذكاري، ومع حلول السنة التالية وبعد نشوب حرب 1967 تبددت الآمال لإقامة النصب.
الحلم يتحقق
وتمر السنين ومعها ينمو ألأمل والحلم وصولا الى عام 1976 وتحديدا في شهر أيار يوم ذكرى النصر على النازية في الغابة الحمراء قرب قرية "أبو غوش". هناك تلتقي جموع مؤلفة من جماهيرنا ويشارك بينهم وفد كبير من أصدقاء الحزب الشيوعي في كفر قاسم وهناك كان لقاء مميز حضره من كفر قاسم الاخوة: "عمر أحمد عصفور، عبدالله نمر حمد، محمد داوود طه، محمود صالح النفيسة عامر، ومعهم الرفيق غازي شبيطة من الطيرة سكرتير منطقة المثلث للحزب الشيوعي والرفيق عوزي بورشطاين عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي من تل أبيب." (اقتباس من مخطوطة أبو ناصر) وتبادلوا الحديث عن تزامن ذكرى مجزرة كفر قاسم ال-20 مع الزخم الجماهيري بعد أحداث يوم الأرض الخالد واتفقوا على ضرورة اقامة النصب التذكاري في ذلك العام مهما كلف الثمن! "وقد كلفت لجنة احياء الذكرى المحلية في كفر قاسم توجيه دعوات الى شخصيات بارزة يهودية وعربية للاجتماع في كفر قاسم لإقامة لجنة قطرية يهودية عربية لجمع التبرعات وبناء النصب مع اقامة مهرجان قطري في كفر قاسم احتفالا بتدشين النصب."
وفي يوم السبت 14-08-1976 حضر معظم المدعوين الى مكان الاجتماع في ساحة بيت الحاج عبدالله نمر (أبو ناشد) وقد انضم الى الاجتماع العشرات من شباب كفر قاسم المؤيدين والمتحمسين وكان الجميع مصممون ومستعدون للخدمة والعمل لتحقيق الحلم". (اقتباس من مخطوطة أبو ناصر)، وأذكر انني تواجدت في ذلك الاجتماع وكنت حينها فتى في بداية المرحلة الثانوية، وأذكر أنها وضعت سماعة كبيرة على شجرة النخيل في ساحة البيت.
وقد تكونت لجنة محلية لجمع التبرعات لتغطية التكاليف لإقامة النصب والاحتفال القطري المقرر، حيث كان ينتظر أن يؤم كفر قاسم في اليوم الموعود الوف مؤلفة من الضيوف. وفي هذا الجانب قام والدي المرحوم عمر عصفور والحاج عبدالله نمر عبد بالسفر لعدة أيام الى مختلف البلدان العربية في المثلث والجليل والتقوا مع الجماهير، خاصة في نوادي الحزب الشيوعي وغيرها من الأماكن لدعوتهم وتجنيدهم للقدوم الى كفر قاسم في يوم الذكرى، ومع اقتراب يوم الذكرى كثفت السلطات من ممارساتها بالضغط على المجلس المحلي لإجهاض مشروع اقامة النصب وحاولوا بمختلف الوسائل، ولكن محاولاتهم باءت بالفشل.
وفي النصف الثاني من شهر أكتوبر بدأت تظهر في موقع المجزرة المعالم الأولى للنصب لتكتمل عملية بنائه عشية يوم الذكرى، وتغطى شاهدة النصب بالقماش الأسود، ليتشرف رئيس مجلس كفر قاسم في حينه المرحوم عبد الله الحاج موسى مع النائبين توفيق طوبي وماير فلنر وأعضاء لجنة احياء الذكرى أمام الألوف المؤلفة بإزاحة الستار عن شاهدة النصب التذكاري، وهكذا يتحقق الحلم ويصبح النصب التذكاري حقيقة واقعة رغم أنف السلطات بعد 20 عاما من ارتكاب المجزرة.
ولتنطلق بعدها الجماهير بمسيرة شعبية تعلوها الهتافات الحماسية متجهين الى موقع المهرجان في الساحة العامة قرب مبنى المجلس المحلي، وهناك يجتمع الألوف من أبناء شعبنا الذين قدموا من الجليل والمثلث والنقب ومن القوى الديمقراطية من الوسط اليهودي، ليقفوا مع أهل كفر قاسم في هذا اليوم المشهود. وقد ألقيت الكلمات المؤثرة وازدان المهرجان بالشعر باللغتين العبرية والعربية وكانت أيقونتها قصيدة للشاعر سميح القاسم "يا جبهة السفّاح لا تتشامخي" ومطلعها:
"لا سحر أن نطق الرماد الأبكم
تحت الرماد حرائق تتضرم
أنموت صمتاً حين ألفُ جريمة
تنهال: "يا أهل القبور تكلموا"
فتفجري يا صرخة مكتومة
وتكسري يا صخرة تتكتم
ولتحشد الدنيا هنا أحداقها
لترى الدم المسفوك يتبعه دم"
بو اصبع
//ازالة النصب التذكاري والترميمات في ساحته في الذكرى الJ50 عام 2006
ضمن التحضيرات ليوم الذكرى ال_50 فوجئت مثل العديد من أهالينا في كفر قاسم في صبيحة الجمعة 16-12-2005 بأنه تم ليلا هدم منصة النصب التذكاري وازالته من موقعه، وفي هذا اليوم أصدرت الجبهة الديمقراطية-كفرقاسم بيانا أعربت فيه عن الاحتجاج على هذه الخطوة وجاء في البيان: "اننا نرى في عملية هدم هذا النصب عملا خطيرا وغير مسؤول وهو مس خطير بمشاعر اهالي القرية وخاصة اولئك الذين قدموا التضحيات، ونطالب ادارة المجلس بإعادة ما تم هدمه من جديد خصوصا وان الحديث عن اهم المعالم التاريخية لهذه البلدة. وأن ممثل الجبهة في اللجنة الشعبية الرفيق عادل عامر أبدى معارضته لهدم النصب موضحا الأسباب، وبعد شرحه انضم أخرون لمعارضة قرار الهدم ". وقد شهدت كفر قاسم سجالا بالبيانات في الصحافة ووسائل الاعلام على اثر هدم النصب.
وبالنسبة لي ففي نفس اليوم ذهبت الى موقع النصب الذي هدم، وقد انتابني شعور من الغضب واحساس كأنه قد بترت ساقي من جسدي وقررت أن أصلي الجمعة في المسجد الكبير وسط البلد. وفي استراحة الدعاء للخطيب المرحوم الشيخ عبد الله نمر درويش، وقفت في المسجد أمام الشيخ وجمهور المصلين وقلت: "في هذا اليوم وتحت جنح الظلام فوجئنا بإزالة النصب التذكاري للشهداء، هذا المعلم الذي يجسد فترة التحدي للحكم العسكري والملاحقات، فلا يعقل أن يلقى به في المتاحف للغبرة، بل أن هذا النصب يجب أن يعاد الى مكانه الطبيعي هناك حيث تكومت جثث الشهداء في يوم المجزرة"!
على اثر ذ لك وبعد الخروج من المسجد جرى حديث بحدة بيني وبين السيد سامي عيسى الذي كان في حينها رئيسا لمجلس لكفر قاسم، وقلت له بوضوح "لماذا هذا التسرع ؟ كان من الأجدر مشاورة بعض الناس من ذوي الشأن بخصوص النصب،" فأجابني أتقصد الحاج أبو ناصر "أجبته نعم وغيره أيضا..." فأجابني "غدا السبت سأزور والدك ونتكلم..."
وبعدها انتقلت مسرعا لتفقد النصب، وقد وجدته ملقى على قارعة الطريق قرب بناية المركز الجماهيري بوضع لا يليق بالشهداء.
عندها اتصلت بمجموعة "شباب صلاح الدين" الذين كانوا على اطلاع على مجريات الأمور وشاركوا في عملية الهدم، وقد حضروا بعد صلاة الجمعة مباشرة الى بيت والدي واستمعوا الى حديثه عن مدى خطورة هذه الخطوة وقال والدي : "أخشى أن تكون هنالك مؤامرة على النصب" وأكد على ضرورة حماية النصب الى حين اعادته الى مكانه الطبيعي، وقد تبرع الشاب المرحوم حمادة اسماعيل اصبح طه باستضافة النصب على تلة مرتفعة في بيته الى أن يحين موعد اعادته. و في مساء الغد السبت حضر السيد سامي عيسى الى بيت والدي وقد شهدت اللقاء بينهما حيث استعرض والدي أبو ناصر حيثيات الموضوع والمشاكل والصعوبات والضغوطات التي واجهها أهلنا في كفر قاسم من اجل منعهم من اقامة النصب التذكاري الى أن تحقق الحلم بإقامته عام 1976وقال بوضوح: "ان النصب بهيئته يعتبر معلما تاريخيا لبلدنا ولا يجوز ازالته. ولا اعتراض على أن تجري ترميمات أو اضافات ولكن ليس بدلا من الموجود." وعندها سأل السيد سامي "اذا ما هو المطلوب؟"
فأجاب والدي "يجب اعادة النصب الى مكانه الطبيعي"!. عندها أجاب السيد سامي: "النصب سيعاد الى مكانه خلال الفترة القريبة وفي خضم الترميمات".
وفي نفس اللقاء عرض السيد سامي علي أن أنضم للجنة احياء الذكرى، وقد قبلت العرض حرصا مني على متابعة موضوع اعادة النصب الى مكانه الطبيعي.
وفي يوم الاثنين 19-12-2005 بعث رئيس كتلة المعارضة في مجلس كفر قاسم في حينه المرحوم الصيدلي شكري صرصور برسالة الى رئيس المجلس السيد سامي عيسى يطالبه بعقد جلسة طارئة على اثر هدم النصب، وجاء في رسالته : "وصلتني الكثير من التوجهات من قبل مواطني القرية وعلى الأخص من ذوي الشهداء بحيث أعرب الجميع عن سخطهم وغضبهم الشديد من عملية ازالة النصب من مكانه". أما رئيس كتلة الوحدة القسماوية المعارضة في حينه المحامي فطين عيسى فقد أدان عملية الهدم، وطالب رئيس المجلس بالتعهد على ابقاء النصب التذكاري محفوظا واعادته الى نفس الموقع، وطالب المجلس بعقد اجتماع طارئ لوضع الأجوبة على تساؤلات المواطنين المتذمرين.
ان هذه المواقف والجهود المتظافرة والمثابرة أثمرت عن تلبية مطلب الجمهور بإعادة النصب فعلا، فقد رافقت السيد عبد السميع محمود طه الذي قام بنقل النصب بسيارته الرافعة من بيت حمادة طه الى موقع المجزرة، لتكتمل اعادة النصب التذ كاري في يوم 3-05-2006 أي بعد ازالته بأربعة شهور! ليعود ذلك النصب من جديد ليشكل مزارا للأجيال كما عهدناه أيام الذكرى في كل عام.
أما في الساحة الممتدة أمام النصب فقد اكتملت أعمال الترميم واضافة ذلك الوتد الشامخ المعبر عن البقاء والتشبث في الوطن من تصميم رابطة ابداع للفنانين التشكيليين العرب، حيث سبق و زار و فد من الرابطة موقع المجزرة في27-12-2005 (بعد ازالة النصب) وضم الوفد الفنانين: جمال حسن، ابراهيم حجازي، كمال ملحم وايليا بعيني، نادية غضبان وسلام ذياب، وشاركت في استقبالهم الى جانب السيد سامي عيسى رئيس المجلس المحلي في كفرقاسم والفنان عبد التمام ابن كفرقاسم والاعلامي والشاعر المرحوم علاء عبد عيسى، وعدد من المشرفين على أعمال الترميم لمنطقة النصب التذكاري لشهداء كفرقاسم.
وقد رحب السيد سامي بالضيوف وقدم شرحا عن المخطط لإعمار المنطقة، حيث بدأ العمل بتحضير البنية التحتية للساحة. وأكد أن النصب التذكاري القديم سيعاد الى مكانه السابق (مترين الى الوراء). وأضاف "إننا نريد اقامة تصميم ومجسم ابداعي في الدوار المخطط أمام النصب التذكاري القديم ليكون مكملا له وليس بديلا عنه"!
وعلى اثر لك قام أعضاء الرابطة بالتشاور، و أعدوا تصميم الوتد الشامخ وعرضوه أمام لجنة احياء الذكرى في كفر قاسم، ليتم العمل على بنائه وتدشينه فيما بعد مع افتتاح متحف الشهداء في يوم الذكرى ال-50 في 29-10-2006.
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار...، لن ننسى ولن نغفر!



.png)

.png)






.png)
