قصة قصيرة: عبث الحياة| د. فؤاد خطيب

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

جلست على المقعد الجلدي أمامي. كانتا عيناها حائرتان تنظران صوبي وحينا أخرا تبحثان عن صفوف الكتب حولي، وكأنها بحثت لها عن عنوان تستعين به لتبدأ حديثا وتخبرني بسبب زياتها لي في مكتبي.

كانت في عمر الورد جميلة، شعرها القصير بلون التبر العتيق عقدته خلف جيدها على شكل ذيل مهرة عربية أصيلة، صدرها ناهد يملأ كل فراغ حمالاته ويفور منها بلون العاج يبغى أن ينعتق من قيوده. ابتسمت تواضعا عن أسنان من لؤلؤ ناصع البياض من مسقط اصطاده صياد عماني قديم. ثم نظرت الي نظرة خاطفة مرة وأخرى ثم نظرت الى أرض الغرفة تحتها وكأنها تبحث عن كلام ضاع لتوه تحت مقعدها.

قلت - وأنا انظر الى حيرتها.. عذرا لا تحتاري ولا تهابي نحن لوحدنا، بعد أن تأكدت أن باب الغرفة مغلق وبعد أن أخبرت السكرتيرة في الغرفة المجاورة أن لا تدخل أحدا الى مكتبي وأن تعتذر عن تحويل مكالمات. ثم قلت وأنا أنظر الى عقارب ساعتي "لماذا جئت اليّ؟ كلي أذان صاغية وعاقد العزم على سماع كلامك ومساعدتك اذا استطعت الى ذالك سبيلا ". كم كانت جميلة وأنيقة تخفي ولهًا فيه حرارة الدنيا كلها بعد أن انعقد ذاك الجمال وتصور كله بين رضاب شفتيها الوردي الأرجواني الذي يذكرني بغروب الشمس في أفقي الغربي الذي امتصته لتوها عيونها العسلية اللوزية الجميلة. أنزلت الجميلة دمعة بلمعان البلور سالت خجلى على خذها الأسيل.

قالت "أرجوك لا تؤاخذني.. أعرف أني أزعجتك. كلماتي عواصف تهدر في أعماقي أحاول أن أرتبها وأقولها لك. اعطني لحظة من وقتك بعد" ثم نظرت عبر النافذة الى البعيد وكأنها فعلا تحاول لملمة أفكارها التي أصبحت كما يبدو أوراقا في دوامة رياح الخريف تلعب بها الريح من مصير الى مصير. خرجت لتوي من أمامها قاصدا الابتعاد واعطائها فرصة من وقت أخرى تلملم فيه أفكارها. عدت بعد بحث أمر طارئ من السكرتيرة بعد دقائق الى مكاني واعتذرت لها ورأيت هدوء عينيها وقد أرخت ضفيرتها وضاعت مهرتها ألأصيلة من شعرها الحائر الى قارعة الطريق. ثم التفتت الي وابتسمت وطغى جمال حيرتها وقالت "سأقول لك لماذا جئت اليك وما حير أمري، ربما تكون أنت وعاء شكواي وأحزاني وأسراري وطبيب روحي المتوترة التي لم تهدأ ولم تكن لحظة في حياتي. أتدري يا حكيم معنى أن تعيش وأنت لا تأمل شيئا من هذه الحياة، أن ترى نفسك مثل شجرة جوفها فارغ، نعم مازالت واقفة ولكنها ميتة هربت منها روح الحياة، تمارس رغما عنها بدع تبدل الظواهر وتكرار الفصول، تورق في الربيع وفي الخريف تسقط أوراقها وتتكدس حول جذعها في خشوع وتصلي صلواتها الجنائزية تنتظر هبات الريح لتأخذها الى حتفها وقبرها. أتدرك يا حكيم معنى أن تعيش عشرين، ثلاثين أربعين عاما مع قلب محروق كالجمرات وأفكار وحواس مشتتة تعذبه ويعذبك في كل لحظة في وجود جميل لم يعد موجودا داخلي، حرقته صروف الدهر ومعاناة الحياة وضياع العمر. ما معنى أن تعيش الثواني في سنوات قادمة وتقول لذاتك أنا مازلت هنا وتترك هذه الذات تعذب ذاتها وتحمل هموم هذا العالم كله. كيف تشعر عندما تعرف أنك أنت وذاتك هي مشكلتك في هذا الوجود وهي تسألك وتسألها كل رهفة رمش هل هناك ضرورة لهذا الوجود ".

أسقطت دمعات متتالية وأشاحت بوجهها الى زجاج النافذة ودمعتاها ترافق قطرات المطر الهاطل لتوه على النافذة. ناولتها منديلا ورقيا من أمامي ووضعت يدي على يدها بحنو أبوي بالغ وأنا أحاول أن أهدئ روعها وأشاركها أحزانها. وأقول لها وأحاول جاهدا أن تلتقي مقلتينا "غريب أمرك. ما أرى هو أنك أنت كلك وجودك طاغ وجميل ومن أجمل ما في هذه الحياة، أنت وردة في هذه الحياة. امسحي دمعك وابتسمي. الربيع هنا أراه في هدبك وشعرك وجسدك وهناك آت ولامحالة خلف قطرات هذا المطر الحزين لحزنك. ستورق أوراقك من جديد في حياتك وبراعمك ستعود لك أزهارا ربيعية. عودي الى ذاتك ففيها أسباب كل وجودك الجميل. ربما لعبت بك الحياة لعبتها مرة معك. أنت قادرة على صنع لعبتك مع الحياة وقادرة أن تجملي هذا الوجود حتى يصبح طيع بنانك".

تنهدت طويلا وقالت وهي مبتسمة وتمد يدها للمصافحة الحارة "كم أحبك وأحب حديثك". خرجت باسمة وأنا اشاهد غنجها وقد دبت فيها وفي جمالها الساحر حياة هادرة حولت شتائي الى ربيع بلحظات وأنا أداعب ذقني التي تركتها على حالها تموج فيها الألوان الحائلة بين الأسود والرمادي وأنا اقول لذاتي التي حارت بدورها من أمري.. سأراها ولا شك مرة أخرى في الربيع.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين