قصيدة "الفرحُ" للشاعر علي هيبي: قصة العيد في زمن الحرب| د. نبيل طنوس

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

في أعقاب الحرب الأخيرة (2021) على غزّة الّتي جاءت "كتهنئة" للشّعب الفلسطينيّ في العيد، انتشرت في وسائل الإعلام المختلفة صور لمشاهد الموت: موت الأطفال والشّباب والنّساء والمسنّين وغيرهم من الكائنات الحيَّة، وانتشرت صور لمشاهد الهدم وتساقط البنايات الكبيرة، وانتشرت صور لأطفال خرجوا بملابس العيد ليلعبوا ويسرحوا ويمرحوا بين الحطام بُعيد العيد.

من يقرأ قصيدة "الفرح" للشّاعر "علي هيبي" سيعرف حقّ المعرفة بأنّ الشّاعر شاهد كلّ ما شاهدناه ونتجت عنه هذه القصيدة، ليذكّرنا ببراعة استهلال قصيدة "المتنبّي" الرّائعة في هجاء "كافور الإخشيديّ":

"عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ

لما مَضى أَم لأَمرٍ فيكَ تَجديدُ

أَمّا الأَحِبَّةُ فَالبَيداءُ دونَهُمُ

فَلَيتَ دونَكَ بيدًا دونَها بيدُ"

لكنّ قصيدة "الفرح" لا تبكي إنّما ينهيها الشاعر بالتّفاؤل إذ يقول:

"والطّفولةَ القادمةَ

والأيّامَ

كشمسِ غدٍ"

في القصيدة ثلاثة عوامل: العيد والحرب ورجال السّياسة.

  1. العيد:

العيد المقصود في القصيدة هو عيد الفطر المبارك والّذي يأتي بعد شهر الصّيام، رمضان الكريم. وهو مقدّس قداسة الأشهر الحرام: ذو القعدة، ذو الحجّة، محرّم ورجب وهي الأشهر الأربعة الّتي يُمنع فيها القتال والحرب بين العرب. ورمضان هو الشّهر الّذي أنزل فيه القرآن الكريم "هدًى للنّاس" في ليلة القدر المباركة.

عيد الفطر يأتي بعد نهاية شهر رمضان في اليوم الأوّل من شهر شوّال وفيه تنتشر الفرحة والنّقاء والنّظافة وقيم المحبّة والعطاء والتّسامح وغيرها.

  1. الحرب:

المقصود في القصيدة هي حرب الاحتلال على "غزّة" وشعب "غزّة" في شهر رمضان وليلة القدر والعيد.

  1. رجال السّياسة:

قياداتٌ تافهةٌ، تعليقاتِ السّاسةِ البارعةِ الكذبِ وكأنّهم موجودون في سوق النخّاسين وكالإعلاميّين المرتزقة.

فوضى عارمة منتشرة في كلّ مكان، وعلى الرّغم من كلّ هذا خرج الأولاد بملابسهم الجديدة والمزهوّة إلى الشّارع الممتلئ ببقايا "رذاذِ غبارٍ بعدَ الحربِ" وعلى الرّغم من القادة التّافهين والكذبة. خرج الأطفال لأن لا أحد يستطيع أن يسيطر على أحلامهم، خرج الأطفال نحوَ الفجرِ المنتظرِ على الرّغم من أنّ الحطام الّذي سبّبته الحرب يحاول انتزاع فرحة العيد.

 

//شعرية القصيدة:

التّشخيص: لبس الفرح، يتظاهرُ بالعيدِ. لبس وتظاهر هما فعلان يقوم بهم الإنسان والفرح هنا هو كناية عن الأطفال.

التّشبيه:

  1. كعود ثقاب، كتعليقاتِ السّاسةِ، كنداءات الباعةِ، كتقاريرِ الإعلاميّينَ، كشبحٍ، كنفايات. كلّها   تشبيهات سلبيّة للتّقليل من أهمّية القادة وهيبتهم. 
  2. كشمسِ غدٍ هي تشبيه إيجابيّ لإبراز آمال الأطفال وأحلامهم نحو غدٍ أجمل.

التّناصّ مع "نعم لن نموت ولكنّنا" شعر: "معين بسيسو" يوظّف الشّاعر "على هيبي" في قصيدته "الفرح" النقطة المركزيّة (البوينتا) في "معين بسيسو" الّتي يفتتحها بالمقطع التالي:

"نعم لنْ نموتَ، ولكنّنا

 سنقتلعُ الموتَ من أرضنا

هناكَ... هناكَ... بعيدًا بعيدْ...

 سيحملني يا رفاقي... الجنودْ...

سيُلقون بي في الظّلامِ الرّهيبِ 

 سيُلقون بي في جحيمِ القيودْ"

أمّا أوّل سطريْن اللذيْن وظّفهما الشّاعر "على هيبي" ليعلن للمتلقّي أنّه يتبنّى فكرتهما:

"نعم لنْ نموتَ، ولكنّنا

 سنقتلعُ الموتَ من أرضنا"

يتكرّران سبع مرّات في القصيدة المكوّنة من سبعة مقاطع، هذا التّكرار يجعل من هذيْن السّطريْن لازمة للقصيدة وهي النّقطة الأساس (البوينتا). في نظرنا كتب "معين بسيسو" هذه القصيدة بكاملها ليؤكّد فكرة السّطريْن، وهي الصّمود أمام الموت الّذي لا يخافونه. كتب "معين" كلّ قصيدته بلغة المفرد، بضمير المتكلّم "أنا" "سيحملني، إخوتي، غرفتي، بي وغيرها" ما عدا هذيّن السّطريْن، كتبهما بلغة الجمع لضمير المتكلّم "نحن": "لن نموت، ولكنّنا، سنقتلع، أرضنا" هدف الانتقال من لغة المفرد إلى لغة الجمع هو تأكيد عدم ذاتيّة الموضوع وإبراز شموليّته لكلّ الشّعب، هذا الأسلوب يؤدّي إلى تماهي المتلقّي مع مطلب الشّاعر. وتوظيفهما في قصيدة الشّاعر "علي هيبي" يدلّ على رغبته في الحصول على تماهي المتلقّين مع فكرته وتجمّعهم حولها. تغلب في القصيدة أجواء الصّمود والدّعوة لها. وتؤكّد ذلك نهاية القصيدة:

"والطّفولةَ القادمةَ

والأيّامَ

كشمسِ غدٍ"                      

وتكرار الكلمات: عيد 5 مرات، فرح 4 مرات، أحلامَ مرتين، الغناء مرتين، مزهوًّا، أشعّةُ، الفجرِ، الألعابِ، كشمسِ، غدٍ. 

 

***

 

الفرح / علي هيبي/ كابول

 

لبسَ الفرحُ ملابسَهُ مزهوًّا

خرجَ إلى الشّارعِ أطفالًا

يتظاهرُ بالعيدِ

في كلِّ مكانٍ تغمرُهُ أشعّةُ أيّارَ

بقايا رذاذِ غبارٍ بعدَ الحربِ

وقياداتٌ تافهةٌ

كعودِ ثقابٍ محروقٍ

كتعليقاتِ السّاسةِ البارعةِ الكذبِ

كنداءات الباعةِ غيرِ المسموعةِ

في سوقِ النّخّاسينَ

كتقاريرِ الإعلاميّينَ المأجورينَ

في ذاتِ السّوقِ  

نزلَ الفرحُ إلى الشّارعِ

أحلامَ طفولةٍ تغذُّ السّيرَ

نحوَ الفجرِ المنتظرِ

سبقَ خُطاها العيدُ

بينَ حطامٍ يسرقُ ألبسةَ العيدِ

كشبحٍ في معطفْ 

وركامٍ جعلَ العيدَ بلا عيدٍ

تأتي الأطفالُ إلى السّاحةِ

عندَ حطامِ الألعابِ

يغنّي الفرحُ على شاكلةِ الأطيارِ

وتشكيلاتٍ من أطفالٍ وبناتٍ

"نعمْ لنْ نموتَ

ولكنَّنا

سنقتلعُ الموتَ

منْ أرضِنا"

فليغنِّ الفرحُ

بقايا أحزانٍ في وجهِهِ وشوقٌ طاغٍ

على وجنتيْهِ رذاذُ غبارٍ

بعدَ الحربِ

وقياداتٌ تافهةٌ كنفاياتٍ

تتكالبُ خلفَ الدّمنِ 

ما زالتْ تنبحُ

خلفَ نشيدِ القافلةِ

حيثُ يسيرُ الفرحُ

في الميدانِ

يقودُ الغناءَ والأحلامَ

والطّفولةَ القادمةَ

والأيّامَ

كشمسِ غدٍ    

في الصورة: غزة في العيد بعد الحرب هذا العام (شينخوا)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين