لا يجد هاني أبو سمرا صعوبة ما عندما يحاول أن يستعيد ذكرياته النّاعمة مثل نوّار اللوز أو القاسية مثل أغصان النّعنع أو البعيدة عن متناول راحته مثل قوس قزح في نهارٍ أشرقت شمسه متسللة من بين الغيوم.
لا يذكر كيف سقطت سيجارته من بين سبّابته وبين أصبعه الوسطى من يده اليمنى حينما رآها تتقدّم نحوه مثل غيمة في فصل الرّبيع وتمدّ راحتيها مثل يمامتين فشعر كأنّ ملاكًا سماويًّا رحيمًا هبط على الأرض وسار نحوه واستولى على جسده من رأسه حتّى قدميه كما استولى على قلبه وعلى حواسه الخمس جميعها.
سقطت السّيجارة من بين اصبعيه بلا إرادة والّا كيف مدّ ذراعيه لتعانق راحتاه راحتيها وقد لفّع سكون اللّيل جسديهما وغطّاهما نور الكهرباء الشّحيح الّذي تشظّى على أغصان أشجار الأكاسيا الّتي سوّرت ساحة قاعة الأفراح.
يذكر هاني أبو سمرا الشّابّ الأنيق الحريص جدًّا على لحية حليقة يوميًّا على عكس شبّان هذه الأيّام الملتحين ولا علاقة لهم بالسّنّة النبويّة أنّه في تلك الأمسيّة الّتي ما زال طعم حلاوتها على أسنانه ووقع أناملها على ظهره، كان يجلس حول مائدةٍ مع مجموعة من الشّبّان العازبين، منهم أصدقاء، ومنهم معارف، ومنهم من يلتقي بهم للمرّة الأولى، جاءوا ليعرّسوا معًا في حفلة الصّديق شريف الماجد في قاعة شهرزاد الرّحبة، واختار ابن عمّ العريس، المشرف على ترتيب جلوس المدعوّين، هذه المائدة للشّبّان العازبين فقط لعدم الاحراج كما قال. ولم يفصح احراج مَن، احراج الشّبّان أم احراج العائلات.
يبدو أنّ والد العريس كان سخيًّا وبرز ذلك من الوجبة الدّسمة الّتي قدّمها النّادلون لضيوفه.
لا يذكر أنّه شاهدها من قبل، لا في حلبة الرّقص المكتظّة بالرّاقصين وبالرّاقصات ذوات الفساتين الجميلة الّتي يتسلّل منها الاغراء، ولا في عيون الرّاقصات الكحيلة الّتي تحلّق فوق أكتاف الأزواج البلهاء وترمي شباكها على القلوب الباحثة عن صيد.
كان الامر عاديًّا ولا جديد فيه. تناول الشّابّ هاني أبو سمرا ما لذّ وطاب من الطّعام وشرب عدّة كؤوس من النّبيذ الأحمر الّذي يفضّله على كلّ شراب آخر، ولم يبق له سوى تدخين سيجارة من السّجائر الأمريكيّة الّتي يحبّها ويزعم أنّ مخترعها كان قد أكل سمكًا وشرب نبيذًا.
حينما نهض عن كرسيّه سأله صديقه نزار: الى أين؟ فأجابه على عجل: سيجارة، ثمّ قال هامسًا: أكلنا وشربنا ولم يبق سوى السّيجارة. فقال نزار: ظننت أنّ الصّنارة علقت.!
لا صنّارة ولا طُعم ولا سمكة حتّى ولا سردينة يا نزار. وهل يجرؤ رجل على لقاء امرأة جاءت مع زوجها أو لقاء فتاة جاءت مع والديها أو شقيقها الى حفلة عرس يشارك فيها المئات من الّذين جاءوا ليفرحوا مع العروسين، أو من الّذين جاءوا لتسديد دين أو أداء واجب، أو من الّذين يحبّون الحياة ومن الّذين يبحثون عن عيوب الاخرين في الحفلات، ومن كلّ لونٍ ونوعٍ ومشرب. نحن عرب. ولعلّ كلمة عرب تشاركت في الحرفين الأول والثّاني، العين والرّاء، مع كلمة "عرض" وتركت الباء والضّاد للجسم البضّ يلهو بهما.
كانت السّماء صافيّة وتبدو في جمالها الخجول في هذا اللّيل الممزوج بنور المصابيح الكسولة، فيما كان نسيم البحر يهبّ من الغرب طاردًا ما تبقّى من حرّ الصّيف في أواخر أيلول، وكان هدير أمواج البحر رقيقًا، وكان هاني يدخن سيجارته بلذّةٍ وهناء وراحة بال ويستعيد صورًا لأزواج يرقصون بسعادة.
لا يذكر كيف برزت، ولا يعرف كيف جاءت. هل حملها نسيم البحر النّاعم الى ساحة بناية قاعة الأفراح؟ هل حملتها "عنات" أو الهة فينيقيّة أو اغريقيّة على راحتيها وجاءت بها الى هنا؟ هل حملتها موجة من موجات البحر الّتي بدأت تعلو شيئًا فشيئًا وألقت بها هنا؟ هل حملها سكون اللّيل؟
سارت اليه مثل حلمٍ سعيد تمدّ ذراعيها العاريتين وراحتيها مثل فرخيّ يمامة.
لا يذكر ولا يعرف ولم يشعر كيف سقطت سيجارته من بين اصبعيه قبلما تعانق راحتاه راحتيها.
كانت عيناها اللوزيّتان والرّموش الوطفاء ترشّان الماس على وجهه الأسمر. وتعطلت كلّ اللّغات الّتي يتقنها أو الّتي يعرف منها كلمات الغزل فقط في فمّه ونام لسانه واختفت الثّرثرات الّتي يتقنها في المجالس. لا كلمة ولا حرف. ولا يذكر إذا ما شدّت جسده الى جسدها أم هو الّذي شدّ جسدها الى جسده. وكانت أصابعها جريئة وقديرة في الكلام. وكان صدره يكتب لصدرها مطلع رواية جميلة.
شاهد على عنقها شامةً مثل ثمرة التّوت قبل نضوجها. شامة جميلة شهيّة فقبّلها. ولم يدرِ لماذا نفرت مثل غزالة باغتها ذئب، فاستدارت وعادت مسرعةً الى قاعة الأفراح. كانت أمامه وبين ذراعيه ونفرت شامتها وهربت أناملها.
وبقي الرجل مذهولًا.
هل أخطأ في تصرّفه أم أنّ المرأة شاهدت أحدًا يخرج من القاعة؟
فتشّ بعينيه يسارًا ويمينًا ومن كلّ الجهات فلم يجد أحدًا.
لماذا تركته يعيش في المجهول؟ لا يعرف اسمها أو رقم جوّالها أو عنوانها. لا يعرف شيئًا عنها.
يا هاني! كيف تركت الغزالة تفرّ من بين ذراعيك ولم تكلّمها ولم تعرف اسمها أو عنوانها؟
عاد الرّجل مهمومًا الى القاعة. عاد ضائعًا الى القاعة.
قال له رفيقه نزار: يبدو أنّ النبيذ فعل فعله يا هاني؟
لا يا نزار، هناك ما هو أشّدّ تأثيرًا من النّبيذ.
يا هاني أبو سمرا! أنت لست مراهقًا ولا بتولًا بل أنت في السّابعة والعشرين وأحببت مرّتين وافترقت عنهما مرّتين وعرفت نساء من قوميّات عديدة فما الّذي أصابك؟
لم تعرف عينا هاني أبو سمرا النّوم في تلك اللّيلة فقد كانت صورة الفتاة ذات العنق العاجيّ والشّامة السّمراء في مهوى القرط وذات الأنامل الّتي تتكلّم تحوم فوق سريره. ما هذه الجرأة؟ ربّ صدفةٍ خير من ميعاد! هل خرجت من القاعة لحاجة في نفسها مثلًا أن تشمّ هواءً نقيًّا فوجدته أمامها وحيدًا في اللّيل أم أنّها شاهدته حينما خرج من القاعة ولحقت به؟
حاول أن يقنع نفسه بأنّه شاهدها في حلبة الرّقص عندما كان المطرب الشّابّ يغنّي: شاميّة وجاي من الشّام. من الشّام جاي الشّاميّة. فمن كان يراقصها؟
كانت حلبة الرّقص تغصّ بالشّبّان وبالشّابّات، وبالرّجال وبالسّيّدات، شبّان يرتدون قمصانًا من ماركات فرنسيّة وايطاليّة وتي شيرت من ماركة بوس، وآنسات وسيّدات ترتدين الفساتين العصريّة الغالية الثّمن الّتي تكشف عن الصّدور العامرة والأفخاذ اللامعة والظهور السّمراء والبيضاء والعاجيّة، فكلّ ما يهمّ السّيّدة في هذه الأيّام أن ترتدي فستانًا جميلًا لم ترتده من قبل، فالفستان لسهرة واحدة فقط أو لمناسبة واحدة فقط فمن العيب أن تراها زميلتها أو جارتها أو احدى معارفها ترتدي فستانًا للمرّة الثّانيّة. ولا شفقة ولا رحمه على جيوب الأزواج. والفستان الغالي الّذي يكلّف أحيانًا راتب شهر لموظّف عاديّ يتحوّل في آخر السّهرة أو في الغداة الى قطعة قماش من سقط المتاع.
رقص مع رفاقه العازبين بفرحٍ وبأدب ولم يتحرّش بسيّدة أو بفتاة لأنّه شابّ مؤدّب وابن أصول فكيف إذا كان العريس صديقًا عزيزًا فمن الأصول أن يتعامل في سهرته مع الاخرين بأخلاقٍ رفيعة فهو يعي أنّ نظرة وقحة لجسد سيّدة أو غمزة أو ابتسامة قد تؤدّي الى شجار والى تخريب السّهرة فنحن شعبٌ لا يعدّ للعشرة إذا كان الأمر غزلًا أو اعجابًا متعلّقًا بالزّوجة أو بالأخت فعندئذٍ يغلي الدّم في الرّأس ويا ساتر يا الله.
هاني أبو سمرا ليس راهبًا أو صدّيقًا أو وليًّا من أولياء الله بل هو شابّ عازب يحبّ الحياة ويحبّ التمتّع ويحبّ النّساء الّا أنّه يعرف الأصول ويصرّ أن يمشي في حياته حسب الأصول فلا يقترب من زوجة صديق ولا يخون العيش والملح إذا ما دخل بيتًا وتناول فيه شطيرة ولو بالزّعتر. فمن أين جاءت هذه الفتاة؟ هذه المرأة!؟ وفي سهرة زفاف صديق عزيز!
هل هي حوريّة من حوريّات البحر صعدت من بين الأمواج وحلقت في الفضاء بعدما سمعت الغناء والزّغاريد وآهات الرّجال والنساء ولا سيما أنّ القاعة قريبة من الشّاطئ؟
قرأ هاني ذات مرّة اسطورة جميلة عن حوريّات البحر وجمالهنّ الفتّان وقلوبهنّ الرّقيقة فهل هي واحدة منهنّ أم هي فتاة لعوب اختارته من بين مجموعة كبيرة من الشّبان؟ أم هي من هؤلاء النّسّاء العابثات اللّاتي يغرين الرّجال ويدفعنهم الى ارتكاب حماقات مصّورة تتحوّل الى استغلال ماليّ وأخلاقيّ كما حدث لموظّف كبير في البلدة تناقل النّاس صوره الفاضحة بلا رحمة وبلا شفقة فخسر سمعته الطّيّبة وخسر زوجته وعائلته وماضيه وحاضره ومستقبله؟
أم لا هذه ولا تلك؟
حاول هاني أن يحاسب نفسه ويردعها عن أفكار خياليّة لا تليق به. أنت يا هاني لست مراهقًا ولا من هؤلاء الرّجال الّذين يطير عقلهم من الرّأس إذا ما ابتسمت لهم حسناء أو إذا ما غمزتهم بعينها امرأة أو إذا ما هزّت ردفها أمامه صبيّة؟ أنت تقترب من الثّلاثين وفي كامل الرّجولة ولا ينقصك شيء. أنت تحمل اللّقب الجامعيّ الأول وتدرس وتبحث كي تحصل على اللّقب الثّاني. تعمل بوظيفة جزئيّة في شركة محترمة وتتقاضى أجرًا يكفيك للسكن والطّعام والشّراب والأقساط الجامعيّة واللباس الأنيق. ولا تعتمد على جيب والدك. وأنت تحظى باحترام الزّملاء والأتراب لرزانتك.
نعم يا رزين. هي امرأة عابرة. هي واحدة من نساء عبرن في حياتك.
داوم هاني أبو سمرا في مكان عمله يعمل بنشاط كعادته. وكان يعود يوميًا الى شقتّه الصّغيرة المستأجرة في شارع عبّاس في حيفا الّتي تطلّ على الخليج والميناء ويعدّ طعامه من البطاطا المقليّة وسلطة الخضار وثلاث قطع من النّقانق أو شريحة من لحم البقر. يتناول طعامه ويرتاح قليلًا ثمّ يعمل على بحثه الجامعيّ.
وكان يلوم نفسه أحيانًا كيف تعلّق بفتاةٍ لا يعرف اسمها وعنوانها بل لا يعرف عنها شيئًا. هي فتاة جميلة هيفاء ووجهها حنطيّ وعيناها لوزيّتان ورموشها وطفاء وشفتاها مثل الكرز وعنقها عاجيّ وعليه شامة جميلة جذّابة تشبه ثمرة التّوت قبيل نضجها، وشعر رأسها قصير، وصدرها بين بين، ليس عامرًا وليس صغيرًا، وطولها يلائم ويناسب طوله ولها أنامل تتكلّم. نعم لها أنامل ناطقة.
لو علم رفاقه أو أترابه بتعلقه بفتاة مجهولة لحوّلوه الى سخرية والى قصّة يتناقلونها من لسان حادّ الى لسان ساخر.
ارتاح هاني أبو سمرا وبعد أيّام عندما ظنّ أنّه نسيها ولكن ما جرى له هذا الأسبوع يقول العكس فقد وجد نفسه بعد أن أنهى عمله في الشّركة يقود سيّارته المازدا 3 الصّغيرة ويتّجه الى قاعة شهرزاد للأفراح ويركن سيّارته على مقربة من باب القاعة ويدخل قاصدًا مديرها في مكتبه الّذي رحّب به هاشًّا باشًّا ودعاه للجلوس على كرسيّ أمامه وأعدّ له بنفسه فنجان أسبرسو وقال له: أهلًا وسهلًا بك. أعتقد أنّك عريس. أصارحك أنّ القاعة محجوزة في جميع الليالي من شهر أيّار حتّى نهاية أيلول. هناك ما زالت بعض الليالي شاغرة في شهري أكتوبر ونوفمبر ولكن طبعًا ليست أيّام جمعة أو سبت. نأمل أن نلبّي طلبك.
كان هاني يستمع الى صاحب القاعة بهدوء بل حاول أن يتظاهر بأنّه جاء كي يحجز موعدًا لعرسه.
وبما أنّ النّباهة كما يُقال تغيب أحيانًا وتحضر أحيانًا أدرك هاني أنّ مجيئه الى القاعة للبحث عن فتاته خطأ، وأن سؤاله لصاحب القاعة عنها سخيفٌ وأنّ الرّجل سوف يسخر منه ويشكّ في عقله.
شكر مدير القاعة على حسن استقباله وأثنى على سمعة القاعة الطّيّبة والخدمة الرّاقيّة وخرج من القاعة وبدأ بعد لحظات يلوم نفسه ويقرّعها فهذا تصرّف لا يليق بشابٍّ على مشارف الثّلاثين من العمر! ولا يليق بشابّ يحمل شهادة جامعيّة. هذا أمرٌ فيه بله، ولو عرف أصدقاؤك يا هاني مجيئك الى قاعة شهرزاد تبحث عن فتاة لا تعرف اسمها لأشبعوك سخرية واهانة. كفى يا رجل! هي فتاة جميلة وساحرة وفاتنة وقد اختارتك من بين مئات الرّجال في القاعة وطارت. ويبدو أنّه من المستحيل أن تلتقي بها. ولو التقيت بها فكيف سوف تتصرّف معك؟ قد تتجاهلك وقد تهينك وقد تتهمك بالتّحرّش الجنسيّ. هل تقول لها: أنا الرّجل الّذي كان في ساحة قاعة الأعراس؟ أنا الّذي كنت أقف وحيدًا في الليل؟ أنا الّذي جئت اليه مثل ملاكٍ من السّماء أو مثل حوريّة من البحر؟ وماذا سيكون ردّ فعلها؟
من الأفضل يا هاني أبو سمرا أن "تضبّ الطّابق". أن تنسى الفتاة الهيفاء ذات الشّامة السّاحرة. من الأفضل لك أن تبتعد عن ثمرة التّوت بل عن شجرة التّوت مخافة أن يحدث لك ما لم يحمد عقباه، وأن تنسى الأنامل النّاطقة.
وهكذا قرّر الشّابّ الجامعيّ ذو السّمعة الطّيّبة هاني أبو سمرا أن ينسى فتاته السّاحرة.
ومرّت أشهر الشّتاء بمطرها ورياحها وبردها فأشهر الرّبيع بشمسها الدّافئة وأزهارها وخضارها وجاء الصّيف بحرارته وقيظه فقرّر هاني في عصر أحد الأيّام أن يذهب للسّباحة في شاطئ البحر وقد احتار في البداية في اختيار المسبح الملائم بين شاطئ الطّنطورة وشاطئ حيفا الطّويل الجميل وأخيرًا قال: المكان القريب أفضل، فاختار أن يسبح في شاطئ العزيزيّة فوجده يعجّ بالسّابحين من الرّجال المسّنين والعجائز ومن الشّبّان والصّبايا الحسناوات ومن العائلات فشعر بندم لأنّه جاء وحيدًا.
سبح وركض على الشّاطئ وقفز على الرّمال وغبط بعض الشّبّان على تمتّعهم مع صديقاتهم واللّهو بالمياه، وقبيل الغروب حمل حقيبة ملابسه وتوجّه الى بناية الحمّامات كي يغتسل من مياه البحر المالحة وفيما هو داخل الى حمّامات الرّجال ألقى نظرة خاطفة على الصّبايا الدّاخلات الى حمّامات النّساء فلمح عنقًا على يساره شامة جميلة مثل ثمرة التّوت ففكّر أن يقفز ويمسك بها أو أن ينادي أو أن يجري ولكنّ الجسد الجميل والعنق العاجيّ وثمرة التّوت اختفوا في حمّامات النّساء.
استحمّ على عجل وجفّف جسده وارتدى ملابسه بسرعة وخرج وهو يعتقد بأنّ صاحبة الشّامة سوف تخرج من الباب ولا بدّ له من أن ينتظرها هناك.
وجد كرسيًّا بلاستيكيًّا فتناوله ونظّفه من الرّمل وجلس عليه. من هنا سوف يرى كلّ من تخرج من الحمّام. وصار يحدّق في عنق كل امرأة تخرج من هناك فشاهد عجائز على أعناقهنّ تجاعيد تشي بالعمر الّذي تخطّى العقد السّابع أو الثّامن وسيّدات ذوات كروش سمينة ومؤخرّات مترهلّة وصبايا رشيقات جميلات سمراوات وشقراوات وحنطيّات.
وكانت النّساء الخارجات من الحمّامات أو الدّاخلات اليها يعبرن من أمامه وينظرن اليه نظرات فيها تساؤل وفيها اشمئزاز وبعد دقائق قليلة جاء رجل اربعينيّ ذو عضلات بارزة على ذراعيه ووشم كبير لتمساح على ذراعه الأيمن ويرتدي قبّعة من القشّ وسأله بفظاظة: منذ متى تجلس هنا؟
اختار هاني الصّمت.
قال الرّجل: أنت شابّ وقح ولا تخجل. كيف تجلس قرب باب حمّام السّيّدات.؟ هذا عيب. امّا أن تنصرف حالًا أو ادعو الشّرطة.
قال هاني محرجًا: أنا في حمّام شمسيّ.
- انصرف من هنا!
حمل هاني حقيبة ملابسه وسار وهو يلوم نفسه بشدّة على تصرّفه وحينما خرج من الشّاطئ ووصل الى سيّارته الصّغيرة ووضع حقيبته فيها استدار ونظر الى البحر وأقسم بالله أن ينسى ذات الشّامة الجميلة للأبد.
هذه المرّة الأخيرة يا هاني! اخجل يا رجل! احذر يا رجل! اصحَ يا رجل!
ونجح هاني في المحافظة على قسمه وغابت المرأة ذات الشّامة الجميلة والأنامل النّاطقة من عالمه.
أنجز هاني الوظيفة الجامعيّة بتفوّق وحصل على وظيفة كاملة في الشّركة وبعد سنتين تقريبًا تمّت خطوبته على الآنسة رباب مصطفى الفتاة الجميلة الّتي تحمل شهادة جامعية في التّمريض وتعمل في مستشفى الكرمل وهي ابنة عائلة محترمة فأبوها مدير مدرسة اعداديّة وأمّها موظّفة في قسم الحسابات في البلديّة وأخوها محامٍ وأختها الصّغرى تدرس علم النّفس سنة ثانية في جامعة حيفا وقد تعرّف اليها في مناسبة سعيدة لأحد أصدقائه.
أحبّ رباب وأعجب بها وخطّطا معًا لبناء بيت عصريّ والحصول على قرض للإسكان وشراء شقّة في برج "القرنفل" على السّفح الغربيّ للكرمل الّذي يطلّ على البحر الجميل.
كانت فترة خطوبة سعيدة. وفي أحد الأيّام كان الشّابّان السّعيدان يتبضّعان في المجمّع الكبير تحضيرًا لعرسهما وحمل كلّ واحد منهما بعض الحاجات ودخلا الى المصعد الكهربائيّ قاصدين موقف السّيّارات حيث ركن هاني سيّارتهما التّيوتا الجديدة. وكان المصعد الكهربائيّ على وشك الهبوط حينما وصل مصعد آخر وفيه سيّدة ذات شّامة جميلة على عنقها ورفعت راحتها ولوّحت بها مبتسمة فرفعت رباب راحتها أيضًا ولوّحت لها، ورفع هاني راحته بحركة لا اراديّة.
وتحرّك المصعد هابطًا.
هل كانت ذات الشّامة الجميلة تحيّيه أم كانت ذات الأنامل الناطقة تحيّي رباب؟ وهل يسأل رباب عنها؟
هل جننت يا هاني؟ ماذا تقول لك ربابك؟ اذا ما سألتها عن فتاة أخرى.
وركبا السّيّارة وقادها هاني الى المسكن وأخذا بترتيب الحاجات في الشّقّة.
ومرّت أشهر.
كانا يجلسان حول مائدة معدنيّة في مقهى صيفيّ وفيما كان هاني يشرب كأسًا كبيرة من البيرا الباردة كانت رباب تشرب كأسًا من عصير البرتقال، وكانت حقيبتا السّفر الكبيرتين أمامهما وكانا ينتظران بفارغ الصّبر القارب الّذي سينقلهما من ميناء أثينا الى الجزّيرة الصّغيرة الّتي سيقضيان بها شهر العسل الّذي فاجأ هاني به عروسه.
قال هاني: سألتني المذيعة ذات مرّة: أيّ كتاب ستصحبه اذا ما سافرت الى جزيرة نائية كي تقضي فيها أسبوعًا فاحترت في البداية هل أحمل معي كتابًا تاريخيًّا أم سيرة ذاتيّة أم رواية وهل أحمل كتابًا مترجمًا من الأداب العالميّة أم كتابًا من أدبنا العربيّ القديم ثمّ قلت: "ألف ليلة وليلة" ولا أدري لماذا اخترته مع أنّ كتبًا عديدة تعجبني موجودة على رفوف مكتبتي، ربّما بسبب حوريّات البحر وأساطير هذا الكتاب الجميلة ولكن لو سألتني المذيعة اليوم لأجبتها بدون تلعثم: رباب. فأنتِ الرّواية الجميلة الشّائقة الّتي ستبقى معي.
كانت رباب تصغي اليه فرحة ورغبت بأن تعانقه وتقبّله الّا أنّها امتنعت أن تفعل ذلك أمام النّاس الجالسين حول موائد المقهى أو الواقفين ينتظرون القوارب والسّفن لتنقلهم الى مرادهم. وكان عدد من السائحين يترجلّون من القارب الّذي وصل الميناء فيما كان آخرون يستعدّون للصعود اليه. فوجئ هاني وهو يشاهد عروسه رباب تقف عن كرسيّها وتقول بصوت عالٍ: أهلًا سونا! شو هالمفاجأة؟ شوه الحلاوة يا مقصوفة العمر. وسارت مسرعةً نحو سيّدة شابّة من العائدين الّذين يترجلّون من القارب، وتعانقتا بحرارة.
كان هاني يقف مذهولًا يحدّق بالسيّدة سونا الّتي تعانقها عروسه وكان يحدّق أكثر في ثمرة التّوت الشّهيّة على العنق العاجيّ وفي الأنامل النّاطقة على ظهر رباب.
هي هي.
وقف هاني مذهولًا وهو يحدّق بالسّيّدة سونا الّتي ترحبّ بها رباب وتعانقها.
هي هي.
وحدّق هاني في ثمرة التّوت على العنق العاجيّ.
هي هي.
الجسد الرّشيق والشّامة الجميلة.
وحدّق في أناملها. ظانًّا أنّه يسمع كلامهنّ.
التفتت رباب الى زوجها هاني وقالت: صديقتي سناء وخاطبتها: هذا زوجي هاني.
ومدّت سناء راحتها وأناملها فمدّ هاني راحته وصافحها وشعر بهزّة مثل مسّ كهربائيّ يعتري جسده.
حاول أن يتكلّم. أن يقول شيئًا. أن يلفظ كلمة. أن يرحّب بها، الّا أنّ الصّمت خيّم على لسانه فهزّ رأسه عدّة مرّات.
وسحبت سناء راحتها وقالت وهي تشير الى رفيقها: زوجي فريد.
وغادرت.
وجلست رباب حول المائدة المعدنيّة وتبعها هاني في الجلوس.
كانت رباب تشيّع سناء بنظراتٍ فيها فرح واعجاب وقالت: سناء يا هاني، كانت ملكة الصّف في جمالها وعقلها ومرحها وكنّا نحبّها.
وصمتت لحظة ثمّ أضافت: مرّت المسكينة قبل سنوات بحالة نفسيّة قاسية والحمدلله فقد خرجت منها واستعادت عافيتها وتزوّجت. وهي اليوم مهندسة طبيّة وتعمل في مختبر مستشفى رمبام.
كان هاني يسمع كلام زوجته مذهولًا.
هي هي ذات الشّامة الجميلة على عنقها العاجيّ وذات الأنامل النّاطقة.
- شباط 2022



.png)

.png)






.png)

