قصّة: واحترق كلّ شيء| نبيه القاسم

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

كانت الفرحة تكسو وجه سعيد وهو ينظر من بعيد، من خلال الدموع التي تنسكب من عينيه، يُتابع لهيب النيران المتعالية القوية من البيت الذي كان بيته قبل قليل وتلتهم الأهل الذين كانوا أسرته، والدَين وأشقاء وشقيقات. ينقل عينيه بين المشاهد التي تتوالد من مشهد النيران، ناس يتراكضون، صراخهم يعلو، سيارات إسعاف وإطفاء، شرطة وقوات خاصّة تحاول تفريق وإبعاد المُحتشدين. وهو يبتسم ودموعه تنسكب ويجلس بهدوء بعيدا عن الجميع ويعيش مع كل واحد.

منذ وعى سعيد على الدنيا، كما يقولون، وهو يعيش حالة غضب وتساؤل ورَفض ورَغبة في التّدمير.. كان يُثيره أن يرى ابنَ عمّه "اللي ما يتْسمّى" كما اعتادوا على تسميته يتعمّد الصّدام مع أيّ واحد من أفراد الأسرة، بالنّظرة المُتعالية المثيرة، بالضحكة الوقحة العالية، بالكلمات البذيئة، بادّعاء أحقيّته في كل ما يملكون، فهو له، ووالدُه أورثه إيّاه.

كان يسأل والدَه: لماذا لا تتصدّون له؟ وتضعون حدّا لتصرّفاته؟

فيجيبه الأب: اتركه يا ولدي، الله سينتقم منه آجلا أم عاجلا.

ويسمع الجواب نفسه من والدته وإخوته وأخواته، ويكظم غيظه وينطوي على نفسه.

كثيرا ما كان يتساءل: لربما ادّعاءات ابن العم صحيحة وكلّ ما نملك له؟

ويسرع كل فرد من الأسرة لينفي ذلك ويقولون إنّه شاب مغرور بقوّة عضلاته ويريد الاستيلاء على بيتهم بالقوّة.

وكثرت الاعتداءات وظلّ يسمع نفسَ الكلمات من أفراد أسرته:

-الله يجازيه وينتقم منه. مرمَر لنا حياتنا. الله المُنتقم منه. لا تْوَسْخو إيديكم فيه، الله يُعاقبه.

وحتى يخفّف من اعتداءاته قرّر الأب التّنازل له عن جناح من بيته مُعلّلا ذلك بأنه لا يريد أنْ يخسر ابنَ أخيه، فهو من لحمه ودمه، لكنّ ابن الأخ رفض وطالب بكلّ البيت، مُتّهما عمّه بكل الصّفات المعيبة.

قرّر سعيد أنْ يتصدّى لابن عمّه في أوّل مُواجهة معه، وبالفعل كانت اللحظة الحاسمة عندما نزل "اللي ما يتْسمّى" من سيّارته وبدأ يدور حول البيت، يتوقّف في بعض المواقع ويشتم بصوت عال.

اقترب منه سعيد وسأله عمّا يريد، ولماذا يقوم بهذه الحركات الاستفزازية ولا يحترم أحدا حتى عمّه؟!

سخر "اللي ما يتْسمّى" من سعيد وأجابه باحتقار: انت بعدك ولد صغير خلّيك بعيد أحسن لك.

فسارع سعيد وضربه وأوقعه على الأرض، وأخذ يكيل له الضربات القويّة فأدماه وكسر له يدَه ورمى به بعيدا وسط الشارع.

غضب الجميع من سعيد ولاموه. وشهد الوالد ضدّه واتّهمه بأنّه مَن اعتدى، وسبّب له اعتقالا لعدّة أيام في مركز الشرطة.

منذ خرج سعيد من مركز الشرطة قرّر الصّمت، ولم تعد تُثيره تعديّات "اللي ما يتْسمّى" ولا بذاءاته. بدأ يتأقلم مع وضعه الجديد ويتقبّله، ويتلفَّتُ حوله إذا ما سمع أحدَ أفراد أسرته يُردّدُ أنّ الله سينتقم لهم مِن "اللي ما يتسمى" باحثا بسخرية ظاهرة عن هذا الذي سينتقم لهم منه ويُعاقبه.

لم يُصدّق سعيد ما ترى عيناه وهو يقترب بعد ظهر اليوم من بيته، كان بعض اخوته وأخواته يُحَمّلون موجودات البيت على سيارة شحن كبيرة "واللي ما يتسمى" يحثهم بكلمات بذيئة على الإسراع في العمل.

دخل سعيد إلى البيت فوجد والدَيه في حالة يرثى لها يبتهلان للربّ ويطلبان منه أنْ ينتقم من الظالم.

ابتعد سعيد عنهما، حمل تنكة وقود البنزين التي أحضرها أمس لملء خزان السيارة، وأخذ يصبّ منها في كل أنحاء البيت ثم خرج وقذف بما بقي على "اللي ما يتسمّى" والشاحنة وكل مَن وجد، وأشعل النار وسارع ليركض إلى حيث يجلس بعيدا يراقب ما يجري أمامه والفرحة تكسو وجهه والدّموع تنسابُ بغزارة على وَجنتيه.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين