لا أذكر اسم الرئيس الأمريكيّ الذي قال: خطاب من ثلاث ساعات أكتبه بثلاث دقائق، وخطاب من ثلاث دقائق أكتبه بثلاث ساعات... والقول دقيق وعميق.
كان هذا قبل أسبوعين في مساقين منفصلين: الأول عن الشعر العربيّ التقليليّ والثاني عن الأدب النسويّ العربيّ. وهما مساقان متقدّمان لطلبة الماجستير والدكتوراة. قلت في الأول: إنّ الصمت أحد أنماط التعبير في الأدب وقد يتمظهر في المبنى أكثر ممّا يتأدّى في المعنى. وشرحت. وقلت في الثاني: قد يكون الصمت ثالث الخيارات المأنوسة والمتاحة: اليد واللسان والقلب. قبل أن أكمل كلامي، اندفعت طالبة دكتوراة متحفّزة وسألتني بتوثّب واقتحام: وكيف يكون الصمت من أنماط التعبير وهو حالة غياب أصلًا؟! قلت: ليس الصمت غيابًا بل هو حضور مدوٍّ لارتجاجات الصوت والصدى. وكلّ حديث في العدميّة أو اللاشيئيّة بعيد عن العقل. قلتُ وشرحتُ وتطرّق الشرح وتشعّب، أي دخل في طُرُقٍ وشعاب، حتى تجاوزنا الأدب ووصلنا إلى سيمياء الصمت في الواقع، في واقعنا الفلسطينيّ والعربيّ.
وفي الواقع نقول: "قلّة الحكي أحسن!" أو "قلّة الحكيِ حكيٌ". وهي الفكرة نفسها التي حكاها عبد القاهر الجرجانيّ قبل قرون وأجملها على الإيجاز: "غياب الذكر أبلغ من الذكر". كلّ هذه الصياغات صحيحة وفصيحة. صحيحة لأنّ التجربة، التي تتكوّم باستمرار، تشهد على ذلك بالقرينة الحيّة. وفصيحة لأنها بليغة. وبليغة لأنّ مجموع دلالاتها أكبر من معناها. والدلالات ظاهرة توسّعيّة. هي صدًى للمعاني تنسحب على كلّ موقف. والمواقف التي تصلح فيها قلّة الحكي وتصحّ كثيرة، قد تُعدّ لكنّها لا تُحصى، ولا يمكن أن تُحصى.
انكتب الكثير عن جماليّات الصمت في الأدب العربيّ الحديث. وما زال ينكتب. وجعلوه بعضًا من حالة نظريّة وظاهرة إجرائيّة سمّوها "التقليليّة". ومنطق التقليل تمثّله أجناسٌ في السرد والشعر والمسرح. أمّا في الشعر فقد سمّوها قصيدة الهايكو، والبرقيّة، والومضة، والشذرة، والتوقيعة، واللافتة... والاجتهادات لا تتوقّف. وراح بعضهم يستبسلون في التجنيس، فجعلوا كلّ تسمية منها جنسًا منفصلا له حدوده الحصينة المنيعة. وكانوا في كلّ مرّة يكتبون يخلطون بين القِصَر والإيجاز في سياق حديثهم عن التقليل. ولمّا كانوا قد ابتعدوا عن المرجعيّات النظريّة البلاغيّة القديمة فقد اختلطت عليهم الأمور والتبست فارتبكوا. وسلفنا الصالح قد دخلوا إلى أنماط التعبير من باب المعنى وليس من باب المبنى، وهذا هو الأصل، وتواضعوا على أن تكون في ثلاثة أضربٍ: الإيجاز والمساواة والإطناب. أمّا الإيجاز فهو ما قلّ لفظه وكثر معناه، والمساواة ما كان معناه على قدر لفظه لا أكثر ولا أقلّ. والإطناب، عكس الإيجاز، وهو ما كثر لفظه وقلّ معناه... ولو كان هؤلاء، الذين يستميتون في الدفاع عن حدود هذه التسميات، يستبسلون في الذود عن حدود أوطانهم لكان أشرف لهم ولنا. يقول قاسم حدّاد في قصيدته "لغة":
فعلٌ ناقصٌ
ونحاةُ الكوفة
يستبسلون
أدرك العرب الفرق بين الحذف والقِصَر والإيجاز. وكلّها حالات في الصمت. والصمت في مسارين: (1) الحذف. ما لم يُقل من كلام. أي السكوت عن الكلام والاكتفاء ببعضه عن بعضه، (2) التلويح والتلميح. ما لم يُقل بصراحة. أي السكوت عن المعنى والاستغناء بالتلويح عن التصريح أو بالمجاز عن الحقيقة. والصمت لا يخلو من جمال مثلما يقول قاسم حدّاد في قصيدته "سطوة/محاولة أولى":
أمام الورقة
أقف مذهولا مباغتًا
من يجسر على كسر هذا البياض الجميل.
الصمت هو المسكوت عنه إن كان في المبنى أو في المعنى. الصمت هو لغة مكظومة أو مكتومة لكنها مسموعة في الحالتين. الصمت فعلٌ وفاعل. هو في ذاته حدث ومحدِث أي باعثٌ لحدث آخر. وقد عبّر العرب بالصمت والسكوت عن الكامل المقطوع باليقين. فقالوا عمّا لا يقبل الجدل والهذر والثرثرة "يحسنُ السكوتُ عليه". وعبّروا عن الناقص بقولهم "لا يحسن السكوتُ عليه".
ما فعله أيمن عودة مع بن غفير في المستشفى يحسن السكوت عليه رغم أنه لم يتجاوز الواجب في حدّه الأدنى. وقد استنفد أيمن عودة في هذا الموقف كلّ الخيارات الثلاثة التي وردت في الحديث النبويّ الشريف "من رأى منكم منكرًا". ولو تنازل عن واحد منها لخسر المواجهة. يقول عزّ الدين المناصرة في قصيدته "لا ينام الليل":
لا ينام الليلُ في الليلِ،
فهو ينتظر الصباحَ لكي ينام.
ما فعله منصور عباس في قانون المستشفى السخنينيّ لا يحسن السكوت عليه رغم أنّ الحكي معه لا يقطع. ومنصور عبّاس هنا حالة مثال. مثال سيّئ. هو في ذاته لا يعنينا، يعنينا النهج. يقول نزار قبّاني في قصيدتين "الدمية" و "تصحيح" شيئًا ما عن هذا النهج المعيب:
أخاطب عقلك من غير طائل..
أخاطب فكرك من غير طائل...
أخاطب فيك الثقافة..
من غير طائل..
ولكنني، لا أرى غير جسمٍ مثيرٍ
وأسمع في قدميك
رنين الخلاخل...
أقلّ ما يقال عن منصور عبّاس أنه تخلّى عن ذاته، لأنه شطب قوميّته ووطنيّته. وهاتان هما مسألة وجود فيزيائيّ. وهو لضحالة ثقافته وضآلة مداركه يظنّ أنهما حالة ظرفيّة يتحلّل منهما متى شاء وأينما حلّ وارتحل. غريب. وكأنه لا يعلم أنّ كلّ ما يحدث في قرانا ومدننا من حرب دامية وخراب مردود أصلا إلى هذه القوميّة والوطنيّة. لا أعرف كيف يرهن قوميّته ووطنيّته ويقايضها بوضعيّته المدنيّة؟! وهو رهان منافٍ لكلّ عرف وخلق ونهج. يقول نزار قبّاني في قصيدته "تصحيح":
أنا لا أعلن الحرب
على جنس العرب..
وإنما أعلنها،
على عرب الجنس!
ما رأيته من أسماء في قائمة الأعضاء المنتسبين إلى اتحاد كتّاب الكرمل – 48 لا يحسن السكوت عليه. لكنّ الحكي عنه وفيه ينبغي أن يقطع. من غير المعقول ولا المقبول أن توزن الثقافة لا بالعدد ولا بالحجم ولا بالكيل ولا بالمساحة. الثقافة هي القدرة على الإخصاب الفكريّ. وهذا التعداد في الاتحاد هو حالة خصاء. من جهتي ينبغي تقليص هذه القائمة الطويلة واختزالها في نسبة محدودة لا تتجاوز الخُمس. هذا من باب المسامحة. يقول عزّ الدين المناصرة في قصيدتين "الصمت" و "إذا":
//الصمت
يا أيّها الرجلُ الصَموتْ
ما بين أكوامِ السكوتْ
اشربْ دواءَكَ كي تموتْ.
//إذا
إذا أردتَ أن تعرفْ مدينة
لا تبدأ بمثقّفيها!!
فهم لا يعرفون !!
قرأت قصيدة "عودة جفرا" للشاعر مفلح طبعوني. يستغرب بعض الناس كيف يكون مفلح جِفْسًا في بعض حكيه وراقيًا رقيقًا في شعره. وأنا أستغرب من استغرابهم. لو كان الأمر معكوسًا لوقعت مصيبة. معادلة الإبداع هي القدرة على الغضب الحقيقيّ، والانتصار للمظلوم ضدّ ظالمه، والتعبير عنه بالصبر والكظم. وأنا أحبّ مفلحًا في الحالتين. على العموم، هي أربعة أنماط في الشعر: شعر صابر تسبقه شحنة غضب. أو شعر صابر تسبقه شحنة صبر. أو شعر غاضب يسبقه صبر. أو شعر غاضب يسبقه غضب. ولدينا في شعرنا الفلسطينيّ نماذج من هذه الأربعة. مصيبتنا الشعريّة أنّ الأنماط الثلاثة الأخيرة هي سيّدة الموقف، هي وليست الأولى... وجفرا التي يعيدها مفلح في القصيدة أصلها من كويكات قضاء عكا. أعني زرع الدير بأرض الدير... عند مفلح لا يسكت الواقع، ومعه لا يحسن السكوت أبدًا. نحتاج واحدًا، أو واحدة، يعرف كيف يستفزّه حتى يكتب. وهؤلاء ليسوا بالآحاد بل هم بالمئات والآلاف والملايين. يقول عزّ الدين المناصرة في قصيدته "ابدأ نهارك":
ابدأ نهاركَ بالصهيلْ
فالحيطُ أقربُ أن يميلْ.
ما لي لا أرى ولا أسمع عن "تأبين" الأديب الكبير محمد نفّاع؟! و"التأبين" لفظة عاجزة قاصرة في سياق الحديث عن "أبو هشام" صاحب المدرسة الأرضيّة العريقة في السرد الفلسطينيّ كلّه. إذا كان هناك من يتنازل عن واجبه السياسيّ فنحن لا نتنازل عن حقّنا الأدبيّ فيه. وهي فرصة لنجتمع كلّنا حول الرجل بروحه ونَفَسه ونهجه. وما أحوجنا إلى ذلك في هذا الزمن الكالح! يقول سامح درويش في قصيدته "رفيف يُعيد تشكيل الهباء":
متبرّجة،
لا تُبالي بالخريف
شجرةُ النّارنْج.
ما لا أراه ولا أسمعه لا يحسنُ السكوتُ عليه... لا يحسنُ السكوتُ عليه!



.png)

.png)






.png)

