news-details

كتاب "السارد وتوأم الروح" بصيغة أخرى: شهادات أكاديميين (2)| حسن العاصي

 

يواصل الباحث والشاعر يحيى عمارة: يشير الكتاب إلى أن هناك مرحلة جديدة تنبني على ما أسميه النص المركب تنظيرياً ومنهجياً، ورؤيوياً. مثلاً، النقد المُؤسس للكتاب، استطاع الدكتور الداهي بحرفية محكمة أن يجمع بين أفكار سيميائية وأفكار فلسفية. والنموذج -في ذلك- يتجلى في طريقة حديثه عن المربع السيميائي أو التمثيل البصري الذي يستوعب مضمرات الكون والوعي البشري. كان الرهان- في البداية- منصبا على مطابقة الحقيقة أو عدم مطابقتها بالنظر إلى موقعها ضمن المحاور المعتمدة؛ وهي الكذب والسر والزيف، لكن تبين مدى صعوبة القبض على الحقيقة التي أصبحت- في تساوق مع الدراسات الثقافية- مقرونة بالتصنع والاصطناع والتقنع والتخفي.

هناك مسألة أخرى، وهي أن الكتاب مرافعة نقدية عن الكتابة في السيرة الذاتية، تدعونا وتدعو القارئ، وتدعو المشهد النقدي العربي للاعتراف بها، لأنها أصبحت تنافس منافسة معرفية وجمالية، شقيقتها الرواية، بوصفهما تنتميان إلى سلالة السرد.

إن المتن النقدي للكتاب، يقوم على القراءة في الأصول مباشرة، وخاصة في النقد الفرنسي. هناك- بصفة عامة- أحكام نقدية عميقة، ذات أفق نقدي جدير بالاهتمام والرعاية. على سبيل المثال، يتحدث الكتاب عن المحكي الذاتي الذي أصبح إرثاً مشتركاً متداولاً بين الناس، وهو ما بوأه المكانة المستحقة لملء بياضات الذاكرة الجماعية.

وهناك أيضاً الاشتغال على متن متنوع من الحكايات، ممتد عبر أزمنة وفضاءات مختلفة، سعياً إلى استخلاص النتائج الملموسة، والقابلة للتعميم. هذا ما يؤكده الباحث الداهي.

أهم القضايا التي سجلتها في هذه الشهادة في حق المُحتفى به الدكتور الداهي وكتابه “السارد وتوأم الروح”، هو أنه يبين لنا كيف يتداخل الواقع التحليلي بالمحكيات الذاتية ـ الأدب الشخصي، أو الخاص ـ إلى أن يصل إلى درجة عالية من التوتر التي تفرز خلقة مشوهة أو هجينة. أعتقد أن الناقد الداهي متأثر بالفكر النقدي الإدواردي، نسبة إلى المفكر “إدوارد سعيد” الذي بنى فكره على "النقد الطِّباقي" الذي يعالج طرفا ونقيضه في جدلية مستمرة.

دعني أقول لك، وأنا أتصفح هذا الكتاب، ما هي الأسماء التي صادفتني، بمعنى أن الباحث الداهي عاد إلى الأصول النظرية، وإلى عظماء هذه النظرية، النظرية السردية، السيميائية، الفكرية، التاريخية. مثلا يذكر نماذج فلسفية، يتحدث الكتاب عن أرسطو، والتمييز بين الملفوظات الواقعية، والملفوظات الخيالية على المستوى النظري. يذكر لنا “أرنو شميث” حول قضية التصنع التي تتعارض مع التمثيل. ويتحدث عن مسألة الذاكرة، وعن المفكرين المنظرين الذين اشتغلوا على الموضوع نفسه في مشروعهم التنظيري، واشتغلوا على شاعرية الذاكرة.

بالإضافة إلى أننا نتصادف مع المنظر “جون بودريار” من خلال نحت المفاهيم الجديدة. وكذلك “جون -ماري شايفر” من خلال محور التموقع الوسطي المتزامن للدفاع عن التجاذب الجدلي، بين التخييلي والواقع. ولن أنسى بتاتاً المصدر الأول الذي هو “فيليب لوجون” صاحب ميثاق السيرة الذاتية. ولا أنسى الأستاذ الذي تأثر به محمد الداهي وهو “جان فونتاني” عند الحديث عن المربع السيميائي أو عن مشكل التحقق (Véridiction).

 في الشق الإبداعي هناك تعدد. هذا ما يتميز به كتاب الداهي. الانفتاح على التجارب الإبداعية العربية، والدولية، والوطنية. أعطيك أمثلة: يتحدث لنا الكتاب عن ابن خلدون في الشق العربي عن السيرة الذاتية من خلال كتاب “التعريف بابن خلدون ورحلاته غربا وشرقا”. وكذلك يتحدث لنا على السرديات الوطنية في “أوراق” لعبد الله العروي.

هناك أيضاً الحديث عن “عبد الغني أبو العزم” صاحب “الضريح”. وكذلك الروائي المغربي “سعيد العلوي” من خلال روايته “ثورة المريدين”. بالإضافة إلى كتاب “أنشودة الصحراء الدامية” لماء العينين ماء العينين، هذا على المستوى المغربي.

على الصعيد العربي يناقش كتاب “رحلة جبلية رحلة صعبة” لـ”فدوى طوقان”. كما يتأمل رواية الروائي العربي”جبرا إبراهيم جبرا” من خلال روايته المشهورة “البئر الأولى”، من خلال محور التلفظ المزدوج، وكذلك “عبد القادر الشاوي” من خلال روايات “كان وأخواتها” و “دليل العنفوان. يعني أن الناقد محمد الداهي يعرف ماذا يضع. ولن أنسى كذلك الوقوف عند تجربة الناقد والروائي المغربي “أحمد المديني” من خلال مجموعة من الروايات، خاصة رواية “ممر الصفصاف”.

إذن لكي أختم أقول إن كتاب "السارد وتوأم الروح" هو تتويج لمشروع الداهي، وهو استمرارية للاعتراف الرمزي بقيمة هذا الهرم النقدي المعاصر. ويكون بذلك مشروعه السيميائي النقدي التاريخي السردي مشروعاً أدبياً منفتحاً على أسئلة سردية جديدة، يجد فيها القارئ ذاته. حيث يعمل هذا المشروع على تحفيز القارئ للبحث عن أجوبة علمية، ومعرفية، منهجية، ورؤيوية، مرتبطة بالذاكرة الفردية، والذاكرة الجمعية من جهة، وبالسيرة الذاتية بأنواعها، الذهني، والوقعي، والتخيلي، والمهمش، والمنسي في التراث السردي القديم، وفي التراث المعاصر، وفي الأعمال السردية الحديثة والمعاصرة. كذلك لن أنسى قيمة التحاور، والإشارة إلى إشكالية التحاور مع الآخر معرفياً، وجمالياً، وإنسانياً. وأعتقد أن هناك إشكالية مطروحة على جميع المستويات، ويناقشها الجميع، هي علاقة الذات بالآخر على مستوى الهوية الفردية، ومستوى الهوية الجمعية. الناقد محمد الداهي يطرحها بعمق على المستوى السردي.

ما أشير إليه- بعجالة- هو أن ما يوحي إليه مشروع محمد الداهي، وهو أنه لن نتمكن من الوصول إلى طرح الأسئلة الوجيهة النقدية الجديدة، إذا لم نركز على مسألتين رئيسيتين، أولاً منهج جديد يتأسس على تنظير موضوعي عميق، والثاني رؤية ذاتية تختار أدواتها المناسبة لحرث أرض الإبداع وجني غلته. لا بد أن نستحضر مسألة المواءمة في قضية الدراسات والأبحاث، وأظن أن هذا ما سقط في فخه مجموعة من النقاد. في حين أن الناقد محمد الداهي لم يتهافت على المناهج الغربية لاستنساخها، بل استعان بها في إطار المثاقفة حرصا على نجاعتها وملاءمتها، وعلى قدرتها على قراءة النص وتأويله.

مرة أخرى أهنئ الصديق العزيز محمد الداهي بهذا التتويج المستحق، وأرجو له التوفيق والسداد والتألق الدائم.

 

//تعقيب الدكتور محمد الداهي،

//أستاذ السرد الحديث والسميائيات الذاتية بجامعة محمد الخامس في الرباط

جدد الشاعر والصحافي سعيد كوبريت التهنئة للدكتور محمد الداهي قائلا: هنيئاً لكم بالتتويج، وهنيئاً الإقرار وتأكيد منجزكم الإبداعي الأدبي النقدي الرفيع جداً الذي استحق جائزة الشيخ العالمية للكتاب عن جدارة. بدون شك أن الإبداع، والكتابة، والثقافة، ما هي إلا ترجمان وجداني، وترجمان واقع حال وما يدور في الواقع. أعتقد أن انشغال الدكتور محمد الداهي على الكثير من النصوص والمتون مكنه من ضبط صورة المؤلف أو القرين في هيئات وأشكال مختلفة؛ كما يوحي به عنوان الكتاب. أليس كذلك؟

في معرض تدخل الباحث الناقد محمد الداهي بيّن ما يلي:

شكراً على هذا التقديم الهام. من خلال العنوان يتضح أنني منذ سنوات وأنا أشتغل على صنف معين من المنجز السردي المغربي والعربي، والسرد الغربي أيضاً. سعياً إلى توسيع نطاق شعرية الذاكرة للبحث عن الأفق المشترك ضمن مجال اهتمامي بصفة عامة وهو السرديات والسيميائيات. منذ العام 1994 بدأت أشق طريقاً في عداد كوكبة من النقاد، أذكر منهم محمد برادة وعبد القادر الشاوي وعمر حلي، وهو الاهتمام بالسيرة الذاتية، ومتغيراتها في المغرب والوطن العربي. أظن أن هذا الجنس الأدبي ما زال يثير كثيراً من الأسئلة، بحثاً عن جنسيَّته، وسماته المشتركة، والبنائية، في تعالق مع الأجناس المجاورة (مثل اليوميات، والمذكرات، والسيرة، والبورتريه)، والأشكال البعيدة، والتي تلتبس به أحياناً (مثل الرواية، والرواية السيرذاتية)، أو الأشكال البينية التي نجد تتسم بالبيْن بيْن؛ ما يصطلح عليه بالمنطقة الملتبسة التي تفصل بين ملفوظات الواقع وملفوظات التخييل (التخييل الذاتيAutofiction، والسرد الذاتي Autonarration، والتخريف الذاتي Autofabulation، الفضاء السيرذاتي Espace autobiographique).

وأنا أشتغل على هذا المجال لمدة تربو على ثلاثة عقود من الزمن، لاحظت أن هذه القارة ما فتئت مجهولة، وتحتاج إلى مزيد من الاكتشاف، وإلى مزيد من الاستقصاء، خاصة وأنها تثير كثيراً من الأسئلة حول هويتها، والتباسها، بحكم أنها تتوافر على الميثاق المزدوج، أو القراءة المزدوجة. بمعنى أنها مرة تُقرأ بصفتها رواية أو تخييل، ومرة قد تُقرأ بوصفها عبارة عن سيرة ذاتية، أو عبارة عن بوح أو مسارَّة.

فهذا الكتاب هو حلقة من حلقات المشروع الممتد اعتباراً من عام 1994 عندما صدر لي كتاب “شعرية السيرة الذهنية” فى الآونة الأخيرة (صدور كتاب  "متعة الإخفاق" 2022) مرورا بـ "سيمائية الكلام الروائي"، و "الحقيقة الملتبسة، قراءة في أشكال الكتابة عن الذات"، و "صورة الأنا والآخر في السرد"، و "سيميائية السرد بحثٌ في الوجود السيميائي"؛ وغيرها من الدراسات في الأعمال الجماعية وفي المجلات المحكمة أو المعتمدة باللغتين العربية والفرنسية.

يتضح -من خلال العنوان- أن البحث في السرديات الكلاسيكية كان منصبا على موقع المؤلف، إما باعتبار أن السارد امتداد له، أو لبيس المؤلف الضمني، أو ما شابه ذلك. وكان هم النقاد وكتاب السيرة الذاتية وقتئذ مركزا على المشابهة Ressemblance (الضرب على منوال نموذج مسبق كما هو الحال في السيرة) وليس المطابقة Identité - تطابق هويات الكاتب والسارد والشخصية الرئيسة.

 لكن في إطار السرديات ما بعد الحداثية وإثر انهيار ما يسمى بالوهم النرجسي، ظهرت تصورات جديدة للتعامل مع صورة المؤلف. وهنا لا بد أن أنوه بالجهد الذي بذله أرنو شميث في كتابه "الأنا الواقعي/ الأنا التخييلي، ما وراء الالتباس الما بعد حداثي" ممهدا لأفق جديد في تعيير المنطقة البينية بأدوات ومفاهيم جديدة، وفي سياق استقواء الواقع الفائق الذي أدى- بحسب جون بودريار- إلى "جريمة مُتقنة". لا توجد جثة للواقع، والسبب أنه لم يمت بل اختفى. وبمقتضى ذلك أصبح الشباب يعبئون عن بعد تطبيقات "طلبيات الوجبات الغذائية" في أي وقت دون أن يتجشموا عناء التنقل إلى المطاعم. وبالمقابل يتصنع المؤلف توائم الروح التي تعكس جوانب من حياته بطريقة يلتبس فيها الواقع بالاصطناع والتشبه. وعليه لا يحل المُتشبِّهُ محل المتشبَّه به، بل يلغيه ليؤدي وظائفه بطريقة أفضل وأحسن.

 عندما نقرأ مثلاً رواية “ممر الصفصاف” للكاتب “أحمد المديني” نجد أحمد المديني المؤلف على غرة الغلاف، ولكن في الكتاب نجد أحمد المديني آخر، يقول أنا أحمد المديني، ولكن لا علاقة لي بالمؤلف الحقيقي. نجد غانم الذي يماثل سيرة أحمد المديني كما ترسخت في أذهاننا ـ. هناك الكلب جاك، وهناك الحارس، وهناك شخصيات كثيرة تتبادل الأدوار فيما بينها لتمثيل صورة المؤلف الحقيقية والمفترضة والمُختلقة. وفي هذا المنحى يستثمر أحمد المديني "لعبة أو صناعة فنية" بمفاجأة القرين غانم ليلا برفقة الكلب جاك للحسم في أيّ منهما أحق بالبطولة. يصرح القرين – من باب الضغط والابتزاز- بأنه يمثل الكاتب الحقيقي ليكون له هامش واسع من المناورة لتوزيع الأدوار: يضطلع هو بوظيفة تنظيم الفصول وترتيبها، في حين يسند لغانم وظيفة السارد العليم المكلف بسرد القصة. كل هذه الأصوات المتشظية تعبر عن جزء من المؤلف خاصة وأنه يصرّح في كثير من مفاصل الرواية، بأن هذا العمل ليس رواية بالمعنى الكلاسيكي، ولكن هي رواية بينية، يتقاطع فيها السيرذاتي و التخييلي.

أنتعامل معها بصفتها تهجينا، أم باعتبارها اختلاطا بين السجلين الروائي والسيرذاتي؟ أيصح أن نتعامل معها بمنطق القراءة الهرمنويطيقية؛ بمعنى أن كل قارئ يحرك المؤشر بحسب هواه وهذا ما يجعل العمل يصنف في جنس ما وضده.. قد يقرؤه المشرقي الذي لا يعرف أحمد المديني ويتعامل معها كرواية. ولكن عندما يقرأها المغربي، بحكم أنه يعرف أحمد المديني، قد يقول بأن هذا العمل ليس رواية مئة في المئة، ولكن هو أقرب إلى التخييل الذاتي. ينطبق المثل على كثير من الأعمال التي صنفت ضمن جنس بحسب المعايير الفنية السائدة، لكن أعيد تجنيسها بالنظر إلى تجدد المعايير النقدية. فمثلا صنفت رواية "الطائر المزركش" لجيرزي كوزينسكي ضمن السيرة الذاتية بتوهم أن الكاتب يسترجع الطفل الذي كانه وهو يتعرض لأصناف التعذيب والتنكيل طوال الحرب العالمية الثانية، لكن تأكد فيما بعد أن الكاتب يختلق صنيعا له بطريقة تختلط فيها مقادير الواقع بمقادير الخيال، وحري بأن يصنف العمل ضمن خانة ” التخييل الذاتي”. فهذه القضايا التي أثرتها قبل قليل تبين ملاءمة العنوان. كل كاتب يحمل في أحشائه، وفي ثناياه، توائم الروح، وهذه التوائم تنفجر وتبرز في فعل الكتابة. علاوة على ذلك من منا لا يحلم بتوائم روحه يوميا، ليس بالمعنى العاطفي، بل بالمعنى الوجودي. وهي في آخر المطاف مجرد أشباح هاربة نلاحقها باستمرار سعيا إلى التشبه بها؛ وهذا ما يبين هشاشة البديل أو القرين المثالي أو الكامل (Double parfait).

الجانب الثاني – الذي يتعلق بالعنوان الفرعي “من التمثيل إلى الاصطناع"- يقصد به رحلة الكتاب من الإبدال الحداثي - مراهنة السيرة الذاتية على المشابهةRessemblance   - إلى الإبدال ما بعد الحداثي - انهيار الوهم النرجسي باستقواء الشك والمشابهة الفائقةHyperresemblance.

يتأرجح الكتاب من الناحية الأفقية بين التمثيل إلى الاصطناع. كيف انتقلنا من إبدال السيرة الذاتية الكلاسيكية المتجلية في أعمال طه حسين (الأيام)، وأحمد أمين ( حياتي)، وتوفيق الحكيم (زهرة العمر، سجن العمر)، ويحيى حقي (كناسة الدكان)، وعباس محمود العقاد (أنا، حياة قلم)..الخ إلى إبدال سيرة ذاتية ما بعد حداثية ذات خلقة عجيبة لما تثيره من التباس في تجنيسها وفي تلقيها. وفي هذا الصدد تندرج أعمال كثيرة خاصة التي يصل فيها التوتر بين الواقع والخيال إلى أوجه (التخييل الذاتي): "ثلاثية بغداد" لغالب هلسا، و"صيف لن يتكرر" لمحمد برادة، و "دليل العنفوان" و"دليل المدى” و"من قال أنا” و"التيهاء” لعبد القادر الشاوي، و"ووردة للوقت المغربي”  و"ممر الصفصاف” لأحمد المديني وغيرها من الأعمال. وجب التنبيه لخلط وقع فيه كثير من النقاد العرب باقتداء ما سنه الناقدان الفرنسيان جاك لوكارم وإليان لوكارم-تابون في كتابهما المشترك عن السيرة الذاتية بتبني التدرج من السيرة الذاتية إلى التخييل الذاتي. لا يقترن التدرج النقلة من زمن إلى آخر، بل من إبدال إلى آخر، وهذا يعني أن عينات من التخييل الذاتي موجودة في الزمن الماضي، كما أن السيرة الذاتية الكلاسيكية لم تنقرض ما دام هناك كتاب يتبنون الإيديولوجيا السيرذاتية، وينزعون إلى التمثيل عوض الاصطناع.

انتقلنا في إلى كتابة جديدة؛ هي كتابة ما بعد حداثية. هي الكتابة التي نجدها عند عبد القادر الشاوي، وأحمد المديني ومحمد برادة، وغالب هلسا وأحمد فارس الشدياق، وإبراهيم المازني وغيرهم. وعند رائد هذه الكتابة في فرنسا سير دوبروسكي وأرنو جونو وباتريك مونديانو، وماري دريوسيك، وكامي لورون وغيرهم.

بمعنى أن الكاتب لا يضرب على نموذج مسبق وجاهز، بل يتصنع قرينه أو قرناءه المحتملين تفاديا لولوج "منطقة الحساسية"، وحرصا على توسيع هامش الحرية والإبداع والتخييل، وتطلعا إلى تمثيل الواقع بأصوات لا تنوب عنه فحسب بل تلغيه للصدع بالحقائق المغيبة أو المخفية.

 يخلق الكاتب –في هذا الصدد- بدائل له في الكتابة. أيهما أقرب إلى ذاته؟ أيهما يستطيع أن يعبر عن الكاتب الحقيقي؟ أيهما يجسد تطابق الهويات المحتملة؟ لا يكون الكاتب موهوماً بهذه الهوية: هوية المطابقة، أو هوية المشابهة. ولكنه مهموم بخلق شخصيا خيالية تعبر عن ذاته، وتنقل لنا جزءا من حياته الفردية بنوع من التصنع والاختلاق بحسب لويس أراكون بمعنى أن هذا المخلوق الجديد الذي يظهر في الكتابة، لا يحل محل الكاتب الحقيقي فحسب، بل ينحيه ويلغيه بطريقة ما. ويقول أنا الذي يمكن (صوت من الأصوات المفترضة) لي أن أعبر عن الكاتب أكثر مما يمكن أن يعبر هو عن نفسه. أحسن مثال أختم به الجواب عن السؤال الهام الذي طرحته علي، هو ما نعيشه الآن في مجال التصنع الذي يسم البضائع المعروضة علينا. أعطيك مثالا من أمثلة عديدة. تجسد لنا الورود البلاستيكية أحسن مثال عن الواقع الفائق، أو الواقع المصطنع. الورود الاصطناعية أو البلاستيكية هي من حيث النظر تبدو أكثر بهاءً، وأكثر تناسقاً، وأكثر جمالاً من الورود الحقيقية، رغم أنها منزوعة الواقعية من حيث حاسة اللمس (حين تلمسها تجد أنها بلاستيكية) ومن حيث حاسة الشم (عندما تقترب منها لا تنبعث منها رائحة، كالروائح الزكية التي تنبعث أو تصدر عن الورود الحقيقية). لكن الورود البلاستيكية- كما نلاحظ في الأسواق وفي قاعات المؤتمرات- لم تحل محل الورود الحقيقية فحسب، لكن ألغتها مؤدية أدورا فائقة (الخضرة الدائمة، الجمال المستديم، التناسق البهي). هذا أكبر مثال يعطيه “جان بودريار” عن مفهوم التصنع. بمعنى أن السيرة الذاتية الآن، أو الكتابة عن الذات، انتقلت من إبدال المشابهة، يعني الرهان على البحث عما يجمع بين الكاتب وصنيعه أو لبيسه، إلى كتابة أخرى هي أقرب إلى الاصطناع والتصنع، وهو ما يقتضي الاستعانة بالجهات التحقُّقية  (Modalité véridictoires) لتبيُّن مختلف حالات الحقيقة وأشباهها؛ ما يعقد “الحقيقة السردية” من جهة، ويكرس التصنع والزيف والشك على حساب الصدق والمطابقة والحقيقة.

 لا أخفيكم أنني وجدت مصاعب جمة في تفريغ محتويات البرنامج، ونقلها بأمانة لرفعة مستوى النقاش الهادئ والرصين، ولتمكن السادة الأساتذة الكرام من لغة وصف تزاوج بين التخصص الأكاديمي وتداولية الشأن الأدبي لمخاطبة جمهور أوسع. ولا يسعني في الأخير إلا أن افخر بأداء النقاش الذي سعى من خلال مسيّر الجلسة الإعلامي سعيد كوبريت أن يسلط الضوء على مكامن قوة الكتاب في سياق الإبدال ما بعد البينوي وما بعد الحداثي، وفي سياق عودة النقاش حول جدوى الأدب أو سياسة الأدب في منأى عن الأدلجة والشكلانية الفجتين، وفي سياق صحوة الذاكرة التي حفزت كثيرا من الشهود والمنفيين والتابعين والمعتقلين للإدلاء بشهاداتهم والتعريف بتجاربهم في الحياة - ما يصطلح عليه الأستاذ محمد الداهي بالتمثيل المضاد لأحادية الصوت السردي.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب