ابن الرومي يصف خبازًا فيقول:
يُلقي العجينَ لُجينًا من أنامله
فيستحيلُ شبابيكًا من الذَّهب
في بحثي عن أصل اشتقاق كلمة فضَّة وصلت إلى قاموس المورد في اللغة الإنكليزية للعلامة الجليل منير بعلبكي، وكان أملي أن أعثر على ضالّتي في معجمه، بعد أن تتبّعت الكلمة في المعجمات العربية، وجدت عنده المثل الإنكليزي الذي يقول: Speech is Silver , but Silence is Gold الكلام من فضَّة ولكن السكوت من ذهب. وتقول العرب: إذا كان الكلام من فضَّة فالسكوت من ذهب. وطريف قول ميخائيل نعيمة في تعليقه على هذا المثل: إن يكن الصمت من ذهب فما أغنى الخرسان. وسنحاول ونحن نقصّ حكاية أسماء هذا المعدن في اللّغة والحياة أن يكون كلامنا عن الفضَّة أغنى من سكوت الذهب.
//(كسب)
عرف سُكّان بلاد ما بين النهرين والهلال الخصيب فكرة الاقتصاد القائم على النقد منذ منتصف الألف الثالث قبل الميلاد. وتُخبرنا الرقم الطينية المكتشفة عن ضرورة تسديد الالتزامات المالية بما يعادل قيمتها من فضَّة. أي أن السعر الحقيقي للمحاصيل الزراعية أو المواشي أو المنتجات اليدوية في البيوت أو في دكاكين الحرفيين، يُحسب بما يعادل كمية الفضَّة المطلوب تسديدها ثمنًا لهذه البضاعة. ففي أحد النصوص من فترة أرشيف القصر الملكي في مملكة إبلا 2250 قبل الميلاد، والتي تقع أطلالها في (تل مرديخ) إلى الشرق من مدينة إدلب في الشمال السوري. يذكر النص الإبلائي: 13 مينة فضَّة، نحو 6 كغ، مقابل 90 مكيال زيت زيتون، ومكيال الزيت نحو 30 لترًا، وهذه الكمية من زيت الزيتون هي ثمن شراء أربعمئة وسبعة عشر ثوبًا.
ولو أجرينا حسابًا بسيطًا بأسعار اليوم لاكتشفنا أن المرأة في مدينة إبلا تلك الأيام كانت تدفع ست لترات زيت زيتون ثمنًا لثوب أنيق من عمل نساجي القصر الملكي. وهذا -لعمري- يستحق الثناء والتقدير. وبذلك تحوّلت الفضَّة من معدن في الصناعات اليدوية إلى وحدة معيارية ترادف مفهوم النقد أو العملة. والعملة في المعاجم، أجرة العمل. يقال: سعيد رديء العملة أي المعاملة إذا كان لا يفي ما عليه من النقود. والنقد مصدر نقد، والجمع نقود ما يعطي من الثمن معجلاً.
وكدليل على العلاقات الثقافية والاقتصادية القائمة بين مدينة إبلا وبين مدينة كيش في جنوب وادي الرافدين. يورد النص الإبلائي الموسوم بالرقم TM.75.G.1693 مسألة حسابيّة مبنية على النظام الستيني وضعها كاتب من مدينة كيش اسمه إشمع إل. ويظهر أنه كان أستاذًا زائرًا في مدارس مدينة إبلا، وقد نصادف الأستاذ إسماعيل هذا بباب متجر إبلائي يساعد التاجر في فهم ما جاء في رقم طيني مكتوب بالأكادية؛ لأن تجار ذلك الزمن استخدموا ما يعرف اليوم بالحوالة أو الشيك، ويبدو على شكل لوح طيني مختوم، وكان باستطاعة المرء صرف ما يعادل قيمته الحقيقية، لأن الشخص الذي أصدر اللوح لديه القدرة الاقتصادية على التعامل بالشيكات الطينية مثل قدرته على التعامل بالنقد الحر، أي الفضَّة. العبارة الأكادية التي وردت في الرقم الطيني هي:
(كسبم أو صبش أن تمكارم أتار)
وهذا شرح العبارة كما حققته: (كسبم): كسب الاسم الأكادي لمعدن الفضَّة، والميم لاحقة تتبع الاسم والصفة في اللغة الأكادية. وقد تمكَّن العالم الدنماركي إدوار هنكس عام 1846 من عزل كلمة كسب في النصوص الأكادية، حيث تتبع الكتابة المقطعية لهذه الكلمة مستعينًا بالآرامية والمندائية والعبرية. ولم يكن يدرك يومها أن كسب الفعل الثلاثي في اللغة العربية ما هو إلا كسب الأكادي مع تغير طفيف في المعنى. والفيروز أبادي في قاموسه المحيط يقول كسب: أصاب. والمثل يقول: أكسب من نمل.
(أو): حرف عطف، وهو يقابل حرف الواو في اللغة العربية.
(صبش): ربح، الشين ضمير متصل. وقد انتقلت الكلمة إلى العربية بمعنى أصاب. وأصبتُ مالاً، ربحته، كسبته، والجندي في حقل الرماية يقول: صبتُ الهدفَ. وهي عين الكلمة الأكادية؛ لأن صاب في اللسان الأكادي تعني جندي.
(تمكارم): تاجر، والميم لاحقة للاسم والصفة في اللغة الأكادية.
(أتار): يعيد، يرد الفعل في النصوص الأكادية، وبتأثير من اللغة السومرية في نهاية الجملة.
وعند كتابة الجملة حسب أصول النحو العربي تصبح: سيعيد الفضة وربحها إلى التاجر. والعبارة واضحة الدلالة والقصد. وما تزال إحدى القرى السورية الواقعة عند أقدام جبل الأمانوس تحمل التسمية الأكادية لمعدن الفضَّة "كسب" وهي بلدة نزهة لطيفة البناء والسكان.
وقد بقيت كلمة كسب حيَّة في لغة الصابئة، حيث جاء في كتابهم المقدس "الكنزا ربّا" أي الكنز العظيم، وهي نصوص تتحدث عن الأساطير التي تدور حول خلق الكون والإنسان والصراع بين قوى النور والظلام ويوم الحساب: صم لغريكون من مزجبا بنكيا، ولا تشرون آلماد نافقتون من فقر يكون، لا نهفيكون روهانا لملكيا وشلطانا ومريدا هازن آلما، ولا لدهبا وكسبا شاجيش تغرا وأزليا بنورا باشليا.
يقول النص: أمسكوا أرجلكم عن السعي في السوء، ولا تشتروا الدنيا إذ هي دار نفاد، ولا تهبوا أنفسكم لملوك وسلاطين ومردة هذه الدنيا، ولا للذهب والفضَّة ذلك يرميكم بالأذى ويجعلكم وقودًا للنار الحامية.
//(لُجين)
ورد في اللسان الأكادي كلمة أكن أو لكن أو لجن أو لقن. والفرق في اللفظ يعود إلى علماء الآثار من أهل الغرب لأخذهم الحرف اللاتيني في هجاء الكلمة وصياغتها النحوية. علمًا بأن اللسان العربي أكثر طواعية لقراءة الإشارات المسمارية في الرقم السومرية والأكادية والبابلية والآشورية. لجن من الكلمة الأكادية أكن Agannu وهي أصل الكلمة في اللسان الآرامي والسرياني والعبري. اللكن عند أهل العراق وبلاد الشام إناء من نحاس. وقد امتحنت جدتي زينب -رحمها الله- في أواخر العقد الثامن من القرن العشرين. فقلت لها متسائلاً: أين اللكن يا جدتي؟ فأشارت إلى وعاء نحاسي يغسل فيه ويعجن. وفي اليونانية Lekani وعاء من معدن. وقد وجد الباحث العراقي علي الشوك كلمة بابلية "لخانو" وأغلب الظن أن هذه الكلمة مستعارة من السومرية، وتعني وعاء. وهناك إشارة إلى صلة بين كلمة لكن الأكادية وكلمة Lagga السريانية والتي تعني إناء فاكهة، وإلى احتمال وجود علاقة بين هذه الكلمة السريانية وكلمة لج العربية والتي من معانيها الفضَّة. واليوم إن التمست ختماً من فضَّة وقلت لصائغ الجواهر: هات خاتمًا من لُجين، لم يدرك مرادك، مع أن قصيدة الشاعر الأخطل الصغير أشهر من نار على علم. وهي من خفائف الشعر على البحر المجتث وقد ازداد إيقاع القصيدة ألقًا حين تسربلت بلحن الرحابنة وغناء الأسطورة فيروز حيث تصدح بصوتها العذب:
يـا عاقد الـحاجبين
على الجبين اللجين
إن كنت تقصد قتلي
قـتلتني مـرتين
وفي إحدى أغانيها الشعبية تخاطب جارتها "دستك، لكنك، عيرينا" اللكَنُ في الأغنية إناء من معدن. والدست كما نعرفه في مدينة إدلب في الشمال السوري وعاء من نحاس متفاوت الأحجام يُطبخ عكر زيت الزيتون في كبيرها ليصير صابونًا. وكعب الدست اسفله. والمثل يقول: أكل قتلة من كعب الدست. أي سوداء. وكعب الدست أسود دائمًا. وأول عهد الإنسان بالمعادن كانت أوانيه من لُجين. وها هو فيلسوف معرة النعمان -زيتنا في دقيقنا- يجيب بعض الشعراء عن قصيدة أولها:
ارقد هنيًا، فإني دائم الأرقِ
ولا تَشُقْني، وغيري، ساليًا، فشق
يقول في ديوان سقط الزند على قافية القاف المكسورة:
وانهض إلى أرض قوم صوب جوهم
ذوب اللجين، مكان الوابل الغدق
يغدو إلى الشول راعيهم ومحلبه
قعب من التبر، أو عس من الورق
جمع في بيتين من الشعر ثلاثة أسماء للفضَّة: اللجين، والتبر، والورق. القعب والعس في الأبيات من أواني الرعاة تلك الأيام. ولُجين اسم جارتي في الحي، حفظها الله، ولا أعلم أيشبه الاسم المسمى؛ لأني من مريدي قول عنترة العبسي:
وأغض طرفي ما بدت لي جارتي
حتى يواري جارتي مأواها
//(وَرِقْ)
الورق، بكسر الراء، الفضَّة، وهي من ألفاظ القرآن. وردت مرة واحدة في سورة الكهف الآية 19: وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يومًا أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورِقكم هذا إلى المدينة فلينظر أيهما أزكى طعامًا فليأتيكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدًا.
وفي الحديث عن جرير بن عبد الله قال: جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله عليهم الصوف. فرأى سوء حالهم، فحثَّ الناس على الصدقة، فتكاسلوا عنه حتى رئي ذلك في وجهه. قال: إن رجلاً من الأنصار جاء بصرة من وَرِق، ثم جاء آخر، ثم تتابعوا حتى عرف السرور في وجهه، فقال رسول الله: من سن في الإسلام سنة حسنة، فعُمل بها بعده كتب له مثل أجر من عَمِل بها، لا ينقص من أجورهم شيء. ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعُمل بها بعده، كتب عليه مثل وزر من عَمِل بها لا ينقص من أوزارهم شيء. الورق في الحديث الفضَّة. وفي اللزوميات:
إذا كشفت عن الرهبان حالهم
فكلهم يتوخى التبر والورِقا
//(صَرف)
المدهش أن نعثر على اسم آخر للفضَّة في العربية الجنوبية، والكلام على عهدة الدكتور جواد علي في كتابه (المُفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام) يقول الفضَّة تسمى الصرف في جنوب الجزيرة العربية. والفيروز أبادي في القاموس المحيط يقول الصريف الفضَّة الخالصة، والصيرفي المحتال في الأمور، كالصيرفي وصراف الدراهم، وتصريف الآيات تبيينها، وفي الدرهم والبياعات إنفاقها، وفي الكلام، اشتقاق بعضه من بعض كما نفعل في مقالنا هذا. والمصارف جمع مصرف مثل: مصرف التسليف. والمصرف مكان كنز الأموال مثل: المصرف المركزي. والمصرف عند عامة الناس البالوعة التي يتم عبرها تجميع وصرف المياه الوسخة من البيوت والشوارع ومنها اشتق مصطلح شبكة الصرف الصحي. فتأمل هذا التصريف اللغوي البديع.
وقد قرأت عند الباحث العراقي هادي العلوي أن النشاط الاقتصادي في بغداد كان قائماً على النقد حين أُنجز بناء مدينة السلام عام 149هجرية. وقد أنشأت الدولة دار الضرب التي تتولى سك النقود وفق النسب المحددة رسمياً. وكانت العملة الأساسية هي الدينار من ذهب والدرهم من فضَّة، ومقدار كل منهما مثقال في المعتاد. كما وجدت كسور الدرهم وهي الدانق والفلس وكلاهما سدس الدرهم، ويُسكَّان من نحاس. ونتيجة تطور الاقتصاد النقدي ظهر النظام المصرفي. وكانت مهنة الصيرفي شائعة في المدن الإسلامية قبل بغداد لكنها كانت مقتصرة على الصرف ثم تطورت إلى قبول الودائع والقيام بأعمال الإيداع والسحب. وقد سمي الصيرفي في هذا الطور بالجهبيذ وسمي النظام المصرفي الجهبذة، وكان السحب يتم بصكوك. ويحتوي الصك على أمر بالدفع لشخص معين الاسم مع ذكر المبلغ المطلوب دفعة، ويذيل بتوقيع الأمر بالدفع. ويبدو إن الصك كان يذيل بأكثر من توقيع. وكان المودعون هم الأفراد ومؤسسات الدولة على السواء. وكان المصرفي يتقاضى عمولة لقاء خدماته ولا يأخذ أو يعطي فائدة. وخلافًا للفكرة المبسطة عن عطايا الخلفاء وغيرهم من ذوي السلطان بأنها كانت تتم نقداً فان المدفوعات كانت تتم في الغالب بالصكوك على الجهبذ. ويبدو أن الدولة وجدت حاجة إلى حصر ودائعها في مؤسسة خاصة بها فأنشأت جهبذة رسمية يديرها موظف يعينه الوزير. ولعل هذه أقدم صيغة عرفت حتى الآن لمصرف الدولة المركزي.
// (رقة)
في الحديث عن أنس أن أبا بكر كتب له هذا الكتاب، لما وجهه إلى البحرين: هذه فريضة الزكاة التي فرضها رسول الله على المسلمين في الرقة ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومئة فليس فيها شيء. الرقة في الحديث الفضَّة المضروبة نقدًا. وكانت العرب في الجاهلية وصدر الإسلام يتداولون النقود الرومية -دنانير ذهب ودارهم فضَّة- بحكم صلاتهم التجارية مع أهل الشام. ومن المعروف أن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان أول من ضرب النقد العربي في الدولة الإسلامية.
وقد جاء في رسالة الغفران: يقول المثل السائر وجدان الدعة والرقين، يذهب أفن الأفين. ويروى يغطي أفن الأفين. وليس للرقة شرف هذه الأشكال المشرقة، وللذهب على الفضَّة صرف والمكارم لها عرف.
الرقين: الدراهم، والأفن: الحمق، والأفين: الأحمق.
// (تبر)
التبر بكسر التاء الذهب والفضَّة أو فتاتهما قبل أن يصاغا فإذا صيغا فهما الذهب والفضَّة أو ما استخرج من المعدن قبل أن يصاغ. وكلمة تبر في البابلية والآشورية المعدن الخام. وعند أهل سومر بر- بر BARBAR أبيض، فضَّة. ومن المرجح أن كلمة تبر مشتقة بطريقة ما من هذه الكلمة السومرية.
جاء في كتاب الخليفة الراشدي الرابع علي بن أبي طالب إلى عُثمان بن حُنَيف الأنصاري عاملُهُ على البصرة. وقد بلغه أن عُثمان بن حُنَيف دُعيَ إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها: أما بعد يا ابن حنيف فقد بلغني أن رجلاً من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة فأسرعت إليها تستطاب لك الألوان، وتنقل إليك الجفان، وما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفو، وغنيهم مدعو، فالنظر إلى ما تقضمه من هذا القضم، فما اشتبه عليك علمه فالفظه، وما أيقنت بطيب وجهه فنل منه. ألا وإن لكل مأموم إمامًا يقتدي به، ويستضيء بنور علمه، ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمه بقرصيه. ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد، وعفة وسداد، فو الله ما كنزت من دنياكم تبرًا، ولا ادخرت من غنائمها وفرًا، ولا أعددت لبالي ثوبي طمرًا.
//(فضَّة)
الفضَّة من ألفاظ القرآن وردت معرفة مرتين ونكرة أربع مرات، وقد شاع اسم الفضَّة في الجاهلية والإسلام. وفي القرآن (قوارير من فضَّة قدروها تقديرًا) أي تكون مع صفاء قواريرها آمنة من الكسر قابلة للجبر، جبر الله خواطر عباده أجمعين. وفي محكم تنزيله (يا أيها الذين آمنوا إن كثيرًا من الأحبار ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضَّة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم. التوبة الآية 34.)
الآية من أخطر ما نزل من القرآن في مسألة العلاقة بين المال والبشر. وقد فنَّد حكاية الواو الواردة في الآية الباحث الجليل هادي العلوي -طيب الله ثراه- حيث قال: ورد في الدر المنثور للسيوطي عن مؤلف قديم هو ابن الضريس أنهم لما جلسوا لجمع القرآن أرادوا أن يلقوا الواو في الآية: والذين يكنزون. فنهض أبيّ بن كعب وقال: لأضعن سيفي على عاتقي أو لتثبتنها. فأثبتوها، وأبيّ بن كعب صحابي من حملة القرآن.
والواو هنا استئنافية قطعت الجملة اللاحقة عن السابقة. ولو أنها حُذفت لاتصل شطر الآية وصار اسم الموصول الذين متعلقًا بالأحبار والرهبان على سبيل البدل أو عطف البيان ويكون حكم الآية بذلك منصرفًا إلى اليهود ممثلين في الأحبار والنصارى ممثلين في الرهبان. ومع الواو تكون العبارة مستقلة عمّا قبلها ويكون حكم الآية شاملاً.
تمسك أبو ذر الغفاري بهذه الآية دفاعًا عن المستضعفين في الأرض، وراح يرددها حتى ضاق به معاوية بن أبي سفيان والي الشام في دمشق فقال: يا أبا ذر إن الآية نزلت في أهل الكتاب فقال أبو ذر: بل نزلت فينا وفيهم.
وفي الحديث عن أم سلمة أن رسول الله قال (الذي يشرب من آنية الذهب والفضَّة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم) ولخطورة معنى الحديث تناوله أهل الفقه بالدراسة والتمحيص. وقد قرأت رأيًا للإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية المتوفى سنة 751 هجرية في كتابه الطب النبوي أعرضه هنا لفائدته:
قيل إن علة التحريم تضيق النقود، فإن الذهب والفضَّة إذا اتخذا أواني فاتت الحكمة التي وضعت لأجلهما. وقيل العلة الفخر والخيلاء. وقيل العلة كسر قلوب الفقراء والمساكين إذا رأوها وعاينوها. وهذه العلل فيها ما فيها. فإن التعليل بتضيق النقود يمنع من التحلي بها، وجعلها سبائك ونحوها مما ليس بآنية. والفخر والخيلاء حرام بأي شيء كان. وكسر قلوب الفقراء والمساكين لا ضابط له. فإن قلوبهم تنكسر برؤية الدور والقصور الواسعة بحدائقها العجيبة الباذخة، والمراكب الفارهة والملابس الفاخرة والأطعمة اللذيذة وغير ذلك من المباحات في الدين الإسلامي. ويقال إن كارل ماركس كان يردد جملة وليم شكسبير المشهورة في روايته تيمون الأثيني: أيها الذهب، أيها الثمين البراق، إنك تجعل الأبيض أسود، والقبيح جميلاً، والشر خيرًا، والجبان باسلاً، هذه العبودية الفانية هي التي تعقد الروابط المقدسة وهي التي تحلّها. إنها تبارك الملعون وتشرّف السارق وتضمن له السلطة والنفوذ. إنها تُحضر العُشاق للأرملة العجوز، يا للمعدن الملعون. نجد هنا بعدًا فلسفيًا شرقيًا واضحًا في فلسفة الرَّجُلين.
وكل هذه علل منتقضة إذ توجد العلة ويتخلف معلولها. والصواب أن العلة في التحريم -والله أعلم- ما يكتسبه القلب من غلظة وجفاء وقسوة في الهيئة المنافية لعبودية الله منافاة ظاهرة. لهذا علل النبي بأنها للكفار في الدنيا. فلا يصح استعمالها لعباد الله. وإنما يستعملها من خرج عن حب الله. وهذا التعليل يطابق ما جاء به يسوع المسيح فقد نظر إلى جمع وكنز الأموال بوصفه من أبواب الشرك، إذ هو يتعارض مع الإقرار بوجود الله كرب واحد يجب عبادته دون غيره. ومن هنا اعتبر الغنى إثماً من الكبائر التي تمنع مرتكبيه من الدخول إلى ملكوت الله. جاء في الإصحاح التاسع عشر الآية الرابعة والعشرين من أنجيل متى: أقول لكم إن دخول جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله. وقد تشدَّد يسوع في هذا المعيار، فرفض دخول الأغنياء في جماعته. وفي إنجيل متى أن شابًا أراد أن يكون من أتباعه فقال له: إن أردت أن تكون كاملاً فاذهب وبع أملاكك وأعط الفقراء فيكون كنزك في السماء وتعال اتبعني.
وفي حادثة شهيرة روتها الأناجيل تقول: دخل يسوع إلى بيت الله وأخرج جميع الذين كانوا يبيعون ويشترون، وقلب موائد الصيارفة، وقال لهم: مكتوب بيتي يدعى بيت الصلاة وأنتم جعلتموه مغارة لصوص. وقد شملت تعاليمه تحريم كنز الأموال حيث جاء في أنجيل متى: لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض حيث يُفسدها السوس والصدأ وحيث ينقب السارقون؛ لأنه حيث يكون كنزك يكون قلبك أيضاً. لأن القلب لا يجمع محبوبين، الله والمال. وجاء في الأثر: لما ضُربت الدراهم والدنانير صرخ إبليس صرخة وجمع أصحابه، وقال: قد وجدتُ ما استغنيتُ به عنكم في تضليل الناس، فالأب يقتل ابنه، والابن يقتل أباه بسببه.
والمفاجأة المحزنة أن تكون الفضَّة سببًا في تسليم يسوع المسيح إلى أعدائه كي يصلبوه. جاء في الإصحاح السادس والعشرين من أنجيل متى: ذهب يهوذا الإسخريوطي إلى رؤساء الكهنة وقال: كم تعطوني لأسلمه إليكم؟ فوزنوا له ثلاثين قطعة من فضَّة. وهذه -في رأي- علّة جديدة وقوية لتحريم الكنز.
والكنز في الأصل هو المال المدفون. وفي الاستعمال هو المال الكثير الذي يدخر صاحبه لنفسه لوقت الحاجة. بصرف النظر عن وسيلة الادخار. وقد تعددت أشكال الكنز عبر العصور؛ كأن يكون الكنز في جرار فخارية محكمة الإغلاق مطمورة في جدار أو جب. أو تحت بلاط الغرف. وفي العصر الحديث يتم الكنز في بنك أو مصرف بالنقد الوطني أو الأجنبي أو السندات. والبعض مازال يفضل كنز الذهب أو الفضَّة. وقد جاء في أحد الأمثال السومرية المدونة على لوح طيني صغير من الألف الثالث قبل الميلاد: من ملك الفضَّة الكثيرة يمكن أن يكون سعيدًا، ومن ملك شعيرًا كثيرًا يمكن أن يكون سعيدًا، ولكن من لا يملك شيئًا يمكنه أن ينام. ويحكى أن جحا دفن كنزًا في الصحراء فلما أراد علامة تدل على مكان الكنز لم يجد غير سحابة صيف جعلها دليلاً على موضع كنزه.
الصورة: عملات فضية قديمة بينها اثنتان عربيتان



.png)

.png)






.png)

