كلما أقيمت لجنة جديدة كانت الجرائم تزداد أكثر | هشام نفاع

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

لا يخلو أيٌّ تقرير رقابة رسمي من التوقف عند خطط الحكومة لمكافحة السلاح والإجرام، كما يسمّونها على الأقل. وهي خطط تراكمت مقابل وبالتزامن مع تزايد رقعة الجريمة والسلاح. كأن الأمرين تفاعلا في عالمين متوازيين لا تجمعهما علاقة في هذا الكون الفسيح. اللجوء الى الخيال العلمي عزاءٌ مفيد حين يواجه المرء واقعًا بهذه الدرجة من العبث.

فمن جهة، اتُّخِذ في نيسان عام 2016، قرار الحكومة 1402 وأُلقِيَ فيه على عاتق وزارة الماليّة ووزارة الأمن الداخليّ العمل على بناء خطّة عمل متعدّدة السنوات للفترة الواقعة بين العامين 2016 - 2020 "لتحسين مستوى الأمن الشخصي في الوسط العربي وتعزيز الأمن في لواء القدس"، كما جاء. كلفة الخطّة هي مليارا شيكل.

ولكن من الجهة المقابلة، أظهرت الرقابة حصول ارتفاع في الإجرام في المجتمع العربيّ في عدد من المجالات، ومن بينها حجم أحداث إطلاق النار. أظهرت رقابة المتابعة أنّ هذا الارتفاع متواصل: ارتفاع بنسبة 19% في العام 2018، وبنسبة 8% في العام 2019، وصولًا إلى 9,200 حادث إطلاق نار في السنة وهذا رقم قياسيّ.

إما أنه لا علاقة للخطة بالواقع، أو أن هناك من عمل على إفشالها. المعلومات الرسمية تشير الى أن الاحتمال الثاني هو الأقرب للصواب. وتلخصها هذه السطور التي أوردها المراقب: في العام 2018، قلّصت الشرطة تطبيق الخطّة، وذلك بدعوى التقليصات التي فُرضت على مُجْمَل الوزارات الحكوميّة، وقيام وزارة الأمن الداخليّ (حين تولّاها غلعاد أردان) بنقل ميزانيّات خلال عام 2018 بين بنود مختلفة في ميزانيّة الشرطة.

أي أن اليد الأولى كانت توقّع قرارات عن اعتماد خطط، فيما اليد الثانية تعمل فيها تقليصًا وتشطيبًا. هذا الحال هو الموازي القابل للقياس لمدى جديّة الحكومات التي تولاّها بنيامين نتنياهو حين أعلنت نيّتها مواجهة الاجرام المنظم والسلاح غير المنظم. (لن نقول شيئا للنائب منصور عباس. فقد هبط في حكومة أخرى الآن).

تلك الأرقام وتلك الحقائق الممهورة بختم رسمي لكبير مسؤولي الرقابة الرسمية في هذه الدولة، لم تجعل وزارة الأمن الداخليّ ترتبك بالمرة، بل ردّت في رسالة وجهتها الى المراقب نفسه إنّ "معالجة الجريمة في المجتمع العربيّ كانت، وما زالت، في لبّ عمل الوزارة، وإنّ الأمر يتجسّد على نحوٍ بارز في تخصيص الموارد والاهتمام البالغ الذي تُوْليه الوزارة للموضوع". يصعب العثور على درجات أكثر فذلكةً من هكذا وقاحة.

إذًا على من ألقت الوزارة اللوم والمسؤولية؟ على سائر الحكومة، على رئيسها؟ طبعا لا. بل على واحدة من المؤسسات الماثلة على مهداف الرصاص السياسي لحكومات نتنياهو. وهكذا كتبت الوزارة عن سبب التقليصات الجسيمة في الميزانيّة: "بسبب تأثير قرار المحكمة العليا 1892/14 حول المساحة المعيشيّة للسجناء ووضعها على أولويّات الوزارة، اضطُرّت إلى إجراء تقليص في مركّبات الخطّة الخماسيّة كما في مخطّطات أخرى". وهكذا نكتشف المسؤول عن استمرار تفشي السلاح واستخدامه وتراكم ضحاياه: إنها المحكمة العليا وقضاتها.

أما حين قالت وزارة الماليّة، في ردّها الصادر في تشرين الثاني عام 2020، لمراقب الدولة، إنّها رصدت لوزارة الأمن الداخليّ ميزانيّات لا بأس بها من أجل تطبيق قرارات الحكومة، فقد انتهجت الشرطة نهج الوزارة المسؤولة عنها. وقالت في ردّها إنّ المصادر الماليّة التي رُصِدت في قرار الحكومة لتنفيذ الخطّة قد جرى رصدها بداية، لكنّها قُلّصت لاحقًا، "سواء أكان ذاك في إطار قرارات الحكومة حول التقليص، أم في إطار تغيير سلّم أولويّات وزارة الأمن الداخليّ، والرغبة في النهوض بعدد من المشاريع بواسطة حصّة الميزانيّة نفسها". وبالضبط كوزارة الأمن الداخلي لم ترتبك وأضافت أنّها "تُوْلِي أهمّيّة بالغة لتحسين خدماتها في الوسط العربيّ، وتواصل الاستثمار في بناء محطّات وإقامة منظومات عينيّة بواسطة زيادة الميزانيّات، وكذلك بواسطة إزاحات داخليّة".

شرطة ووزارة أمن داخلي تكذبان "عينك عينك" على مراقب الدولة، هل يمكن توقّع قيامهما بتنفيذ تصريحاتهما عن تجندهما لمواجهة الإجرام والجريمة والمجرمين؟ حسنًا، العرب طيّبو القلب ربما، لكنهم ليسوا حمقى لهذه الدرجة.

ولكن أين ذهبت الميزانيات التي تم تقليصها وتحويلها وإزاحتها لمهام أخرى؟ الجواب الحرفي في تقرير المراقب: "من المبلغ الذي خصّصته الشرطة لتحسين الأمن في المجتمع العربيّ، خُصّص مبلغ 725 مليون شيكل لتعزيز الأمن في لواء القدس". ترجمة: لتعزيز قوات الاحتلال بصفتها البوليسية وسيطرتها لقمع أهل القدس وضواحيها وتكريس مخطط الضم والاستيطان والتهجير. هذه هي الأولويات.

وهكذا نصل الى أن الخطّة الخماسيّة الأولى من العام 2016 "أفْضَت إلى إقامة 8 محطّات شرطة و5 نقاط شرطة في المجتمع العربيّ" فقط. هذا الكلام للمراقب، وهذا أيضًا: "تُظهِر رقابة المتابعة أنّ الأمر لم يؤدِّ إلى الحدّ من الجريمة في المجتمع العربيّ في هذه السنوات، لا بل إنّها شهدت تفاقمًا في عدد من المجالات. كلّ هذا على الرغم من أنّ قرار الحكومة 1402 الذي وُضعت الخطّة على أثره تطرّق إلى تحسين الأمن الشخصيّ".

وهذا كذلك: "يتبيّن من رقابة المتابعة أنّه منذ نشر التقرير السابق في آب عام 2018، وعلى الرغم من أنّ الشرطة قد ا أنهت تطبيق جزء كبير من الخطّة الخماسيّة، لم تُفْضِ هذه الخطّة بعد إلى خلق التغيير المنشود. الإجرام في المجتمع العربيّ تفاقم أكثر فأكثر في عدد من المجالات، ومن بينها أحداث إطلاق النار، بارتفاع بنسبة 19% في العام 2018، وبنسبة 8% في العام 2019، وصولًا إلى رقْم قياسيّ هو 9,200 حادث إطلاق نار في العام. بالإضافة إلى ذلك، حصل ارتفاع في عدد ضحايا المخالَفات المرتكَبة ضدّ الأشخاص والأجساد بأكثر من 10% في الفترة الواقعة بين العامين 2017-2019، وصولًا إلى رقْم قياسيّ وهو 15,100 ضحيّة، ووصل عدد المغدورين كذلك إلى رقْم قياسيّ: 95 قتيلًا في العام 2019.  بيانات العام 2020 حول أحداث إطلاق النار وضحايا القتل تشير إلى تواصل هذا الاتّجاه، فقد حصل في ذلك العام 10,874 حادث إطلاق نار في جميع أرجاء البلاد، وهو ما يشكّل ارتفاعًا بنسبة 18% عن العام 2019. وتبيّن أيضًا أنّ عدد القتلى من المجتمع العربيّ في العام 2020 قد بلغ 106 أفراد، أي ثمّة ارتفاع بنسبة 12% مقارَنة بالعام 2019. كلّ هذا في الوقت الذي جرى فيه تنفيذ نحو47% من الخطّة الخماسّية التي أقرّتها الحكومة".

وهذا أيضًا اقتباس من تقرير المراقب: "أسوة بمخطّطات الشرطة، قام ديوان رئيس الوزراء ببلورة خطّة حكوميّة بنيويّة لمعالجة الجريمة والعنف في المجتمع العربيّ. على ديوان رئيس الحكومة، ووزارة الأمن الداخليّ، والشرطة، العملُ للتنسيق بين الخطط المطروحة، والعمل على تطبيق خطّة حكوميّة بنيويّة معزَّزة بالميزانيّات المطلوبة وبقرار حكوميّ، وأن تضع غايات واضحة لتقليص الجريمة في المجتمع العربيّ تقليصًا بالغًا. قضية الإجرام في المجتمع العربيّ تشغل المجتمع الإسرائيليّ منذ نحو عشرين عامًا، إلّا أنّ الوضع آخِذٌ في التدهور على الرغم من النشاطات التي اتُّخذت في هذا المضمار".

الوضع آخِذٌ في التدهور على الرغم من النشاطات، الجرائم تتزايد مع تزايد اللجان لمكافحتها. أحجية؟ كلا، إنها السياسة.

وإذا كان مراقب الدولة يتحدث بهذه اللهجة التي تدين بما لا يقبل التأويل الشرطة والحكومة، فماذا سيقول أصحاب الشأن، والهم والألم والدّم؟

قد يهمّكم أيضا..
featured
مأمون فاعورم
مأمون فاعور
·2026-01-13 13:24:45

سنة جديدة

featured
أمير مخولأ
أمير مخول
·2026-01-13 07:57:20

ما وراء اعتراف إسرائيل بأرض الصومال

featured
جمال زقوتج
جمال زقوت
·2026-01-13 07:36:20

النظام الدولي يحتضر: غزة الشاهد والشهيد

featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة