كَتَب الشّهيد غسّان كنفاني 1936 -1972 كثيراً، وفي فترة قصيرة، وكُتِبَ عنه أكثر، ليس بالعربيّة وحسب، بل في لغات أخرى، إلاّ أنّ أكثر ما يلفت الانتباه هو كتاب الكاتب والصحفي العبري داني روبنشطاين: لماذا لم يَدُقّوا جُدران الخَزّان (مَدُواعْ لُو دْفَكْتِمْ عَلْ دْفَنوتْ هَميخَليتْ)، الصّادر عن كُتُب (عَلِيَتْ هَجاج، يديعوت أحرونوت، وَسِفْري حِيمِد 2022)، والغريب والمُصادفة أنّهما (كنفاني وداني) عكّاويّان لفترة ما، كلٌّ منهما يَحْلف بِغُربته إذا نأى عن عكّا، كما يفعل سُكّان قاهرة نابوليون، وفارق الولادة بينهما هو سنة واحدة، كنفاني عام 1936 وروبنشطاين عام 1937، ما تْجاوَروا غير تَتْشاوَروا، صدر الكتاب بتوقيت خاص: مرور خمسين عاماً على استشهاد الأوّل، وخمسة وثمانين عاماً على ميلاد الثّاني، أطال الله عمره، كُلّ صدفة خير من ميعاد! والأغرب أنّ غلاف الكتاب العبري مأخوذ عن كاريكاتير عربي بترجمة شِبْه حَرْفِيّة، ولا عيب في ذلك!
عدد صفحات الكتاب 350، قطع متوسّط، الغلاف يحمل صورة معبّرة للشهيد، وهو في عِزّ نشاطه وعطائه وعنفوان شبابه الواعد، عدد الفصول عشرون، منها: ما تبقّى لَكُم، عالَمُ ليس لنا، أرض البرتقال الحزين، موت سّرير رقم 12، رجال في الشّمس، كُلّ الحقيقة للجماهير، عائد إلى حيفا، وغيرها.
وغنيُّ عن القول أن هذه العناوين هي أعمال أدبيّة لغسّان، وبعضها مُتَرْجَم. ممّا يدلّ على تماهِيَ الكاتب مع الشّهيد، أو تضاتمن مع ضحايا التهجير والنّكبة، وهذا غريب في بلاد العجائب والمصائب! خاصّة في هذه الظّروف العصيبة التي نجتازها، القتل على الهويّة أو الاشْتباه، أو الرُّعب والهوَس اللاّمُتَناهي، ناهيك عن التّحريض الأرعن: عليهم، وغطاء رسمي من أعلى المستويات المسؤولة وأدناها.
*بودّنا، أن نشير إلى ثلاث قصائد عربيّة مُترجمة أدرجها الباحث في بحثه هذا: سَجّل أنا عربي لمحمود درويش، ص 179 عَبْرنها: ابراهام ينون، وقصيدتين لنزار قبّاني: نُريد جيلاً جديداً ص231، عبرنها المستشرق اليهودي الحلبي توفيق شموس/شقيق الكاتب المُبدع: أمنون شموش القائل بشموخ واعتزاز: الحلبي جوابو بِثِمّو والشّامي تَيسأل إمّو، وقصيدة: إلى شعراء الأرض المُحتلّة، ص 243، عبرنها البروفسور شموئيل موريه.
الكتاب ثريّ بفيض من المعلومات والتّفاصيل، ليس عن الشّهيد وحسب، بل عن رجال قياديّين في منظّمات التحرير ص:339 وما بعدها، كانت (للشهيد) علاقات معهم، ومنهم: ياسر عرفات، بسّام أبو شريف، مُحسن إبراهيم، محمود درويش، قسطنطين زريق، جورج حبش، وديع حدّاد، صلاح خلف، وآخرين من رجال الفكر والأدب.
اسم العائلة كنفاني هو اسم لأحد الجدود الذي اشتهر بتحضير الكنافة بإتقان، الكتاب مُزدان بِثلاث عشرة صورة من محيط الشهيد: الشّهيد غسّان ناشط الجبهة الشّعبيّة لتحرير فلسطين ص 15، أسْرة الشّهيد في تشييع جنازته ص 19، النّصب التّذكاري للشهيد ص 33، أسْرته ص 101، جورج حبش ص 115، كاريكاتير: لماذا لم يدقّوا جدران الخزّان ص 161، غسّان وقرينته الدّانماركيّة: (آني) ص 168، غسّان مع وَلدَيْه: فايز وليلى ص 169، غسّان المُحَرّر الصحفي لمجلة الهدف، ص 216، غسّان وبسّام في مؤتمر صحفي في عمّان 1970، بعد اختطاف الطّائرتين ص 262، أمّ سعد تحتضن طفلته ليلى، وهو منهمك في عمله ص277، لميس نجم ابنة أخته التي استشهدتْ معه على أبواب الجامعة ص 308، صحيقة الحياة البيروتيّة وبالبُنْط العريض: مقتل غسّان كنفاني ص 318 .
*يُسلّطَ الباحثُ الأضواءَ على الأعمال الكاملة للشهيد ص337 : سبع روايات، خمس مجموعات قصصيّة، ثلاث مسرحيّات، دراسَتَيْن، ومنها ما صدر بعد الاستشهاد، عدا عن مئات المقالات في صحف مختلفة.
نُمْعِنُ النّظرَ المُتَآكِل بين الأبواب والصّفحات، نتذكّر كوكب الشّرق:
طوفْ بِجَنّة ربّنا بِبْلادنا واتْفَرّج وشوفْ / ضَفّتين بيقولوا أهلاً، والنّخيل شامخ صفوف / وابْتسامة شمسنا أجمل تحيّة للضيوف.
سيّان أكانت الضّفّتان للنيل، للأردن، للعوجا/ هيركون، النّعامين/نعمان، المُقَطّع/ هكيشون، أو للعاصي، أو الليطاني/ القاسميّة، أو لدجلة والفراتّ! كُلّو زَيّ بعضو مسلوب ومنهوب، الرِّزْق السّايب بِعَلِّمْ النّاس السّرقة ! مع شمس رجال الكنفاني وعباءات القبّاني:
أنا يا صديقةُ مُتْعَبٌ بعروبتي/ فَهَلِ العروبةُ لعنةٌ وعقابُ
أمشي على ورق الخريطة خائفاً/ فَعَلى الخريطة كُلُّنا أغْرابُ
لولا العباءات التي التَفّوا بها/ ما كُنْتُ أحسبُ أنّهم أعرابُ
داني يَشُقُّ العديلة من خُصْمها، ص 323 يشير لإزالة النّصّب التّذكاري الذي أقيم للشهيد في عكّا، في مدخل المقبرة وقُرب بيته الصّامد، وبأمر من الوزيرّين المغرِبِيَّين، أريه درعي/الدّاخليّة والأمّورة ميري ريجب/التّقافة عام 2018.
ص 324 يقول داني "العرب يعرفون عسّان الرّوائي، بينما الحال في الوسط اليهودي يعرفون غسّان قاتل الكثيرين" الأقواس من الكاتب الباحث وليس من ن ن.
يُدوّن الباحث جدول الأحداث الزّمنيّة المتسلسلة بين العرب والعبر ص331 مثل: وعد بلفور 2 / 11 /1917، مؤتمر سان ريمو والانتداب البريطاني على البلاد/ الكتاب الأبيض 1922 وتأييد أمريكا لوعد بلفور، ويستمر بتدوين الأحداث الهامّة حتى يوم 8 /7 /1972 يوم استشهاد غسّان في بيروت بتفجير سيّارته، حيث استشهد ومعه لميس، 17 عاماً ابنة أخته المرافقة له كي تُسجّل للدراسة الجامعيّة!
نتساءل معاً: من أين هذه الجرأة عند داني؟ فنعود إلى بداية الكتاب ص 9 حيث كتب داني: عُدْتُ والدي المريض في المشفى، وكان قد فرغ من قراء ة مقال لي في الجريدة، قال لي والدي : "أفْهَمُ أنّكَ تتفهّم العربَ، لكن لي طلب....يَجِبُ ألاّ تتفهّمهم أكثر مما يجب"، الأقواس والنّقاط من الباحث داني.
مصادر المؤلّف عديدة ومتنوّعة، مثل مؤسّسة الدّراسات العربيّة وغيرها، وباعه طويل في الاستشراق والمعرفة، ولا نستغرب أنّه قابل الكاتب الرّاحل اميل حبيبي، وطويلَي العمر: الكاتب أنطوان شلحت/ عكّا، والمحامي صبري جريس/ فسّوطة وغيرهم مِمّن يَمتّون بروابط روحيّة مع عكا وحيفا ويافا، نرى الكثير من الدَّسَم والعقلانية، الإقدام والجرأة على نشر هذا البحث، الآن بشكل خاصّ، وتحيّة احترام وتقدير له على هذا العمل الرّائد، رغم أنّنا نتحفّظ من بعض الطّروحات، وَلِداني أعمال سابقة، منها: نحْنُ أو هُمْ، عن الصّراع العبري والعربي. ضَمُّ التّينة (حِبوكْ هَتِئِنَة)، هو كاتب وصحفي معطاء، ومُعَلِّقُ ومُحَلّلُ سياسي لشؤون الشّرق الأوسط، ومُحاضر جامعي، كَثّر الله من أمثاله. وَبِئْسَ التّطَرّف والغوغائيّة والقومجيّة.
.png)


.png)

.png)






.png)

