حكى لي صديق هو ابن أحد المُهاجرين العرب من الشام إلى كندا في خمسينات القرن العشرين هربًا من انقلابات الجنرالات في الشرق الأوسط. قائلًا: جاء مسرعًا إلى جدتي "زينب" صارخًا في وجهها لأنها طرشاء: ديري بالك أولاد حارتنا يلعبون في عقل ابنك ليتطوَّع في جهاز الأمن العسكري. ردت الجدة واثقة من كلامها: يشهد الله أنني أعرف ابني أكثر منهم جميعًا وإن وجدوا عقلًا في رأسه فليلعبوا به على كيفهم.
كلام الجدة هذا يحمل الكثير من الدلالات والحقائق الصريحة. والجدات في العموم صاحبات خبرة ودراية في أمور الدنيا، فقد أبلين البلاء الحسن وخبرن الحياة بحلوها ومرها واكتسبن حكمة وموعظة حسنة يندر أن تخيب. ولأن ابنها لا يملك عقلًا في رأسه فقد لعب به أولاد حارتنا وذهب للتطوَّع في الأمن العسكري. ثمَّ راح مع مرور السنين يتدرّج في الرتب العسكرية التي بدأها عريفًا كحال أدولف هتلر والكثير من الشخصيات العسكرية في أنحاء العالم، ثمَّ صار "جنرالًا" في مركز عالٍ يحل ويربط مع ذلك بقي يزور جدتي بين الحين والحين، يدخل إليها والنسر يقف على شاربه الكثِّ، كما يقول، والنسر يلمع مع النجوم والسيوف في "كتافتي" بزّته العسكرية الفخمة، ينظر إلى أمه نظرة نسر في أعالي السماء.
وفي ليلة حالكة السواد دخل قمرها في "المحاق" والخلق نيام تدبر الأمر وامسك صولجان الملك وصار الآمر الناهي في شؤون البلاد والعباد. والجنرالات في العموم يحبّون مسك الصولجان، ولو كان عصًا تشبه عصا الراعي. وانقطع الجنرال عن زيارة جدتي والسؤال عن حالها. قالت والحسرة تأكل قلبها قبل الرحيل عن الدنيا وأهلها: سيُقتل ابني في النهاية لا محال فأنا أعرف بأن لا عقل له. قُتل الجنرال في النهاية شرَّ قتلة ووضعت جثته على "طرَّاحة" من الإسفنج الصناعي ليتفرج عليها الناس. وصدقت حكمة جدتي.
تبحث العلوم الاجتماعية والسياسية في نمط هذا الحكم التعسفي وتسأل كيف يفكِّر الجنرال عندما يحكم العباد من القصر الجمهوري؟ وكيف سمحت أعراف المجتمع وتقاليده أن يتسنم العرش وعمله في الأساس الذي تدرب عليه قيادة الجيوش وخوض المعارك وقتل الأعداء؟ نعم، كل جيوش العالم غايتها قتل الأعداء، هذا عملها، والجنرال يأمر بهذا القتل برًا وبحرًا وجوًا، فهل يستطيع الجنرال قيادة المجتمع والوصول به إلى برِّ الأمان؟ ما هو مبرر ذلك، هل خلت البلاد من حاكم مدني يفهم في العلوم السياسية والاجتماعية والاقتصادية يجلس بعد انتخابات تعددية ديمقراطية في القصر الجمهوري، وبعد انتهاء فترة حكمه يعود إلى ما كان عليه مُدرِّسًا في الجامعة قبل أن يصير رئيسًا؟ هل هذا الأمر ممكن؟ أم أنه أصعب مما نتصور في تلك البلاد التي يبحث فيها العباد عن لقمة العيش.
كيف يحتال الجنرال على دساتير الدول كي تسمح له بالحكم؟ من يقف مع الجنرال في طموحهم هذا؟ أليس من الأحسن له أن يكون في مكانه الطبيعي يقود قطعات الجيش والفروع الأمنية ومن ثمَّ ينام في الثكنات العسكرية بدل أن ينام في القصر الجمهوري، والذي مهما ألفه، فهو ليس مكانه الطبيعي، ولا يليق بشخصه على كل حال. ومع ذلك يجلس هُناك متربعًا مستأنسًا بتلك الامتيازات التي يحصل عليها، ويكون من المستحيل إخراجه من القصر الجمهوري دون سيل من دماء. والعسكر على العموم يحبون المال حبًّا جمًّا وإراقة الدماء والسهر مع النساء وشرب الخمور والمكيفات في المساء واغتصاب الديمقراطية في الليل، هم قتلة في نهاية الأمر، ابتليت بهم البشرية من قديم الزمان.
وحتى نُجيب عن هذه الأسئلة المُلحة نحتاج إلى الكثير من الحبر والوقت وآلاف الصفحات وإلى دراسة سيرة حياة العشرات أو المئات من الجنرالات التي مرت في التاريخ قديمه وحديثه وحكمت دولًا في الشرق والغرب. ولعلّ أمريكا اللاتينية وأفريقيا من أكثر القارات التي شهدت دولها حكمًا عسكريًا في العصر الحديث. ولعل الجمهوريات العربية تُعطينا شواهد عديدة على حكم الجنرالات. ولعل قراءة رواية "ليلة الرَّيس الأخيرة" للكاتب الجزائري ياسمينة خضرا الذي يكتب بالفرنسية تفيدنا في هذا المسار العسير.
من طبيعة الأمور عندما يصل "الجنرال" إلى كرسي الحكم أن يقرب أهله ومعارفه على مبدأ "الأهل أولى بالمعروف" ويُعطي الامتيازات إلى رفاقه في السلاح وبذلك تتحول الدولة في ظلّه إلى "ثكنة عسكرية" يحكمها كما يشاء تحت سلطة قانون مرعب يخشاه الناس. يقول هذا القانون غير المكتوب: المؤسسة العسكرية متمثلة في الجيش الوطني والأمن الوطني والمخابرات الوطنية والسجون الوطنية هي التي تُدافع عن الشعب وتحمي الوطن من كيد الكائدين والمتربصين -وهي على كل حال الأضخم بين مؤسسات الدولة- نعم، بهذه الروح العسكرية الوطنية ينشأ الأولاد في المدارس وهم يرتدون اللباس الموحد والذي يميل في شكله وألوانه إلى "العسكرة". وتُرسم الحدود بين الفرد الوطني والفرد الخائن.
و"الجنرال" لم يطق صبرًا على رؤية وجوه الخونة من أبناء وطنه فيفرض الأحكام العرفية التي تعطَّل الدستور والقوانين المرعية، ويسجن الخلق في سبيل الصالح العام، أو يعمل بكل الوسائل على طردهم من نعيم الوطن لأنهم لا يستحقون العيش والتمتع بالخير العميم الذي يغدقه الجنرال على شعبه. تزعجه سيرة الرئيس السابق فيأمر بسجنه والتنكيل بأهله وعشيرته، ويقتله إذا لزم الأمر، ويُكمم الأفواه التي لا تُمجد مسيرته المجيدة ويُخرسها بالتي هي أحسن، فيعوم على سطح هذا المستنقع أهل النفاق والفساد والتزلف والرياء من كل الملل والنحل وينتشر الخوف القاتل في كل شارع وزقاق وزاوية، ويعم الرعب قلوب الناس فيمشون "جنب" الحيط ويقولون: يا ساتر، سترك يا رب.



.png)

.png)






.png)

