لقد حان الوقت للاستدارة قليلا والنظر إلى ما وراء غبار معركة الضم التي أعلنت اسرائيل عزمها على تنفيذها مطلع الشهر القادم وتشمل منطقة الاغوار، بعد ان نجحت القيادة الفلسطينية بهذا القدر أو ذاك في دفعها للخلف قليلا حيث فككت بسرعة قياسية انساقها الداخلية والإقليمية وحتى الدولية، اذ لم يكتف الرئيس عباس بالأقدام على وقف كل أشكال التنسيق مع اسرائيل وعلى رأسها التنسيق الامني ورفضه شرعنة التطبيع، مهما كانت الجهة التي تقف من ورائه، حتى ولو كانت دولة الإمارات التي دفعت تحت ضغط الحاجة لتمرير خطوة ذات دلالة على هذا المستوى، بل إنه ذهب لقطع اي شك بيقين قاطع بأن زمن الوهم أو الخطأ في الذهاب نحو العنوان الخطأ قد انتهى.
فأغلب الظن ان الرسالة التي صاغها عباس بغبار شوارع رام الله عندما ترجل بكامل لياقته البدنية متنقلا بين ناس العاصمة المؤقتة للدولة الفلسطينية سائلا عن احوالهم ومطمئنا على تواصل يقظتهم في مواجهة كورونا، أرادها ان تكون رسالة شديدة اللهجة إلى الداخل والخارج على حد سواء بأن المقاطعة ''القصر الجمهوري '' بساكنيها لا غير، من يقرر الحرب أو السلام في تلك الديار.
وبشكل متواز وعلى نفس الإيقاع كانت تتحرك الخيارات الاسرائيلية، حيث من السذاجة الذهاب للاعتقاد بأن نتنياهو سيسارع إلى رفع الراية البيضاء ويعلن عن إلغاء أو تأجيل تنفيذ نية حكومته بالاستيلاء على منطقة الأغوار، التي منها يستمر تصاعد الامل بامكانية حل الدولتين دون ان يحاول الالتفاف على النجاح الفلسطيني في افشال مخطط الضم.
ففي تلك الأثناء وطوال الأسبوع الماضي اشتدت وتيرة التسريبات والحديث الاسرائيلي عن تزايد حدة المعارضة الداخلية لهذا القرار لأسباب مختلفة وأحيانا متناقضة، إذ اعتبرت أوساط اليمن الاسرائيلي المتطرف ان مخطط الضم لا يشبع نهمه بل إنه يقدم بعض المزايا للفلسطينيين، إلى جانب تصاعد الرفض البرلماني والحزبي الامريكي والأوروبي.
وعلى هذا المستوى أشارت عديد الأوساط السياسية والاعلامية إلى أن تركيز الاعلام الإسرائيلي على هذه التسريبات لن يكون خارج دائرة نظر الحكومة ان لم يكن بالتنسيق معها، لتوفير أجواء من الخداع تمكن نتنياهو من تبرير التراجع عن خطة الضم من ناحية وللقيام بتنفيذ عملية ضم اخرى ذات مغزى وواسعة النطاق دون أن تشمل كامل المساحة التي تشملها خطة الضم بنسختها الاصلية من ناحية أخرى.
وما قد يعزز مثل هذا الانطباع هو تعمد يديعوت احرونوت في مثل هذا التوقيت الحرج مما تبقى من عمر للإعلان عن الضم الرسمي إلى التركيز على ما قلت أنه نقلا عن أوساط اردنية، أعربت عن اعتقادها ان حسن تصرفات نتنياهو قد تساعد على تنفيذ عملية الضم بالتنسيق بين الجانبين على حد تعبيرها، مما يحمل قدرا من جدية التوقع باحتمال استعداد إسرائيل للتراجع عن تنفيذ خطة الضم بصيغتها الاصلية.
بل إن ما يرشح صحة الظن باننا ذاهبون إلى نحو من هذا القبيل هي الولادة المباغتة لمصطلح الضم التدريجي أو الضم على مراحل والتي افهمونا انها تتضمن مرحلتين، الاولى ستشمل ضم نحو 30% مما تسمى بالمناطق الفلسطينية الخالية والمستوطنات النائية والتي لا تحظى بإجماع إسرائيلي على ضمها وتنطوي على ميزتين احداها أنها تعزز ما تسمى بالوحدة الوطنية الاسرائيلية، اما الثانية فإنها ستوفر للاردن أجواء من التدرج النفسي والزمني لامكانية التعايش مع عملية الضم.
وعلى هذا الصعيد ُنقل عن نتنياهو قوله ان ضم غور الأردن والتجمعات السكانية الكبرى تحظى بإجماع وطني، ولذا فإنه من غير المجدي العجلة بالذهاب إلى تخوم الاستفزاز والمواجهة وضمها حيث يمكن القيام بذلك لاحقا وفي الوقت المناسب.
ويرى رئيس الوزراء الإسرائيلي ان من شأن استبدال خطة الضم الأولى بالخطة المعدلة ان يحقق لإسرائيل الاحتفاظ بمظلة الدعم الامريكي كما أنها تحقق تماسكا داخليا امتن ووحدة وطنية اصلب، والاهم من ذلك فإنها ستسمح باستمرار البيئة الإقليمية الملائمة للأنظمة العربية للاستمرار ومضاعفة نسق تعاملها مع إسرائيل دون أي إحراجات غير ضرورية.
والاهم من كل ذلك ان هذه الخطة المعدلة بمرحلتيها تمسح ما يزيد عن 60% من مساحة الضفة الغربية باعتبار أن مساحة منطقة الأغوار ومعها التجمعات السكانية الكبرى تتجاوز الـ30% بكثير وإن إضافتها لمساحة المناطق الخالية والمستوطنات النائية التي تصل إلى 30% يعني ضرورة مصادرة ما يتجاوز الـ60% من مساحة الضفة الغربية مما يعني استحالة إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة وان الأقرب للواقع اننا نتجه إلى كنتونات تمهد لنظام ابارتهايد مهد له قانون يهودية الدولة.
صحيح أن ضم منطقة الأغوار يجهز على فكرة الامل بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، بيد أن الاستيلاء على أكثر من 60% من اراضي الضفة سيحيل هذا الامل ليس إلى مجرد سراب في صحراء المخططات الاسرائيلية بل إنه سيبيد قدرة الابداع الفلسطيني في الاصرار على الصمود داخل معازل متباعدة.
من هنا فإنه قد صار ملحا مغادرة المساحة التي يحجب غبار معركة الضم بصيغتها التي تشمل منطقة الأغوار عنها، والاطلالة على ما يجري خلف ذلك الغبار والذهاب على عجل إلى مسرح العمليات الذي تعده حكومة اليمين الإسرائيلي، حيث الحيلولة دون منحها الوقت الكافي لوضع اللمسات الأخيرة عليه واستبدال خطة الضم دفعة واحدة بأخرى على مراحل سيكلل نجاحات الشعب الفلسطيني وقيادته طوال السنوات الماضية بنجاح أضخم، يحافظ على زخم معركة اسقاط صفقة القرن بكل تبعاتها وألوانها ويضع كافة الأطراف أمام مسؤولياتها حيث لا طرزان في السياسة إلا عقل صاحب الحق.
(استاذ الإعلام والاتصال في الجامعة التونسية)



.png)

.png)






.png)
