news
ملحق الجمعة

لنجعل العام الدراسي القادم نقطة تحوّل في مسيرة الحركة الطلّابية| طارق ياسين

تفتتح عشرات المؤسسات الأكاديميّة في البلاد الأسبوع المقبل السنة الدراسيّة الأكاديميّة في ظروف استثنائية لم تعرفها البلاد منذ عقود، خاصّة في ظل جائحة صحيّة واقتصادية لا تقلّ خطورة، جعلت مهمّة التعليم الجامعي وعشرات الاف الشواقل المصحوبة بها أمرًا ليس بالهيّن.

إن الأوضاع الاقتصاديّة الصعبة التي يعاني منها جمهور الطلبة والنفق السياسي المظلم الذي دخلته البلاد في السنوات الأخيرة يحتّم على طليعة شعبنا، وقياداته المستقبليّة أخذ زمام الأمور والبدء بالتحرّك من أجل ضمان مستقبل أفضل لهم، وللأجيال القادمة.

لقد ملأت الساحةَ الأكاديميّة على مرّ السنين نضالات عدّة بارزة، ارتبط بعضها بالهموم اليوميّة لحياتنا وبعضها الأخر بالمخاطر السياسية المحدقة بمستقبلنا، وفي كل هذه النضالات شكّلت الحركة الطلّابية طرحًا وتوجّهًا من نوع آخر، سطّر مراحل جديدة من نضالاتنا السياسية والطبقيّة وصقل جيلًا كاملًا بمفهوم انتزاع الحقوق بدلًا من ثقافة تسوّلها مثلما حاول البعض زرعها فينا.

شكّلت الازمة الاقتصاديّة المصاحبة للوباء امتحانًا ليس بالهيّن للمنظومة الاقتصاديّة الرأسمالية والتوجهات النيو-ليبراليّة في العالم وفي بلادنا، أزمة اعرّت هذه المنظومة وكشفت عجزها عن علاج الأزمات واستحالة منحها الأجوبة المنتظرة او الاقتراب حتّى من طرح حلول تلبّي مطامح ومطالب الجماهير الواسعة المتضررة.

هذه الأزمة وفشل المنظومة الذي صاحبها، أعادا إلى جدول الأعمال اليومي نقاشًا اعتقدت الأغلبية بحسمه منذ زمن، وأعادت طرح أمور كانت حتّى فترة ليست بالبعيدة أمورًا مفهومة ضمنًا ولا داعي لطرحها أو الاستئناف على مسلماتها، بدءًا بطبيعة سوق العمل المأجور وانتهاء بالمصاريف المرتفعة والحقوق الاجتماعيّة وقضايا "الرفاه الاجتماعي".

مقارنة صغيرة بين أنواع "الحقوق" التي توفّرها المنظومة النيو-ليبراليّة تكشف مدى اعتيادنا على جدول الأعمال الذي يفرضه الإعلام التجاري والتنافسي ومدى خضوعنا لهذا الترتيب في الحقوق، فمثلًا أصبح الحق في التظاهر والتعبير عن الرأي أمرًا أكثر أهمية (ولا أقلل هنا من أهميته) من الحق في الحياة، فمثلًا يمكن تقييد الحكومة عن منع التظاهرات، اجتماعيًا وإعلاميًا وحتّى قضائيًا، لكن في الوقت ذاته لا يمكن تقييد الدولة عن المس في الحق في الصحّة والحياة، وإهمال منظومة الصحّة وتحديد سلّة الأدوية، بعضها ضروري جدًا لعلاج امراض مميتة، خير مثال على الترتيب المشوّه لهذه الحقوق. كل ذلك بسبب فهم مغلوط لترتيب الحقوق وما يترتب عنها. وكذلك الأمر بالنسبة للتعليم، فالهدف هو رفع المطالب حول الحقوق والاستحقاقات الاجتماعية لمستوى المطالب والتوقعات من حفظ الحقوق الأخرى خاصة السياسية، وليس العكس.

فعلى الصعيد الجامعي، تعتبر الأغلبيّة العظمى التكاليف الباهظة المفروضة على الطلبة في مسيرتهم التعليميّة أمرًا مفهومًا ومقبولًا وحتّى أنه تحوّل لمدعاة للفخر عند أوساط اليمين بسبب مساهمة الدولة بهذه التكاليف، التي تصل إلى عشرات الاف الشواقل سنويًا لتحرم فئةً كبيرة من الطلاب والعائلات محدودة الدخل من حقهم في استكمال التعليم العالي.

ان مقارنة بسيطة مع دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، التي تهوى حكومات إسرائيل مقارنة الدولة بها، تظهر الفروقات الكبيرة بين تمويل التعليم العالي في إسرائيل وبين هذه الدول، التي يتميّز التعليم العالي فيها بمجانيته مثل فرنسا، ألمانيا، السويد، بلجيكا واليونان وغيرها من الدول، ولتظهر المقارنة ان إسرائيل محسوبة على الدول التي تفرض رسومًا باهظة على التعليم.

ان قسط التعليم المرتفع يضاف إلى تكاليف السكن الباهظة، إما في المساكن الخاصة أو في مساكن الطلبة التي توفرها الجامعات بشكل محدود، حيث تؤكّد التقارير أن الجامعات تنجح بتوفير مساكن لنسبة ضئيلة جدًا من الطلبة الدارسين فيها، لا تتجاوز الـ 7%، بالإضافة الى واقع توفيرها مساكن بأسعار ليست "شعبيّة" في أحسن الأحوال وبأسعار باهظة مقارنة بالأحياء القريبة في أغلب الأحوال.

إن التغيرات الأخيرة التي فرضها الوباء، والأزمة الاقتصادية التي جلبها، تحتّم على جمهور الطلبة الانتفاض في وجه هذه التضييقات الاقتصادية التي فرضت عليه والتي أعربت طوال سنوات "تفهمها" لها وقبولها، دون معارضة.

ان هذه التقييدات تمكّنت أخيرًا من إحراج نقابات الطلبة العامة واتحاد الطلاب الجامعيين في البلاد، الذي اعتُبر طوال سنوات منصّة لدخول نجومه عالم السياسة والكنيست، على حساب الطلاب وهمومهم. تفاخرت النقابات خلال سنوات بكونها جسمًا بعيدًا عن السياسة، متجاهلةً وظيفة الحركة الطلابية التاريخية في قيادة النضال في كافة المجالات.

ان تحركات اتحاد الطلبة الأخيرة تتسم بمطالب خجولة، لا تلبّي الحد الأدنى من تطلعات الطلاب وتحاول حفظ ماء الوجه في ظل الضغوط المتصاعدة من جمهور الطلبة. ذلك بالإضافة إلى عدم استغلالها بالشكل الصحيح فائض الميزانيات المقدّر بالملايين نتيجة انعدام النشاطات هذه السنة.

لكن الأهم، ان هذه المطالب الاجتماعية مهما كانت محقّة تبقى منقوصة بتجاهلها سياقها العام والعلاقة بين الاجتماعي والسياسي في هذه البلاد بالذات، فالمليارات التي تستثمرها الحكومات في المناطق المحتلة وفي مشروعها الاستيطاني كافية لتحويل منظومة التعليم العالي إلى احدى افضل المنظومات بالعالم، مع إتاحتها لكافّة الفئات في المجتمع، خاصة تلك المستضعفة بينها.

 

التعليم عن بعد والعمل السياسي الطلابي

شكّل الانتقال للتعلم عن بعد تحوّلًا في مفهوم العمل السياسي والجماهيري، الذي اعتاده جمهور الطلبة منذ سنوات، إذ اختفى عن الساحة الجامعية بفعل إغلاق الحرم الجامعي وإقرار التعليم عن بعد في كافة الجامعات والمواضيع.

فمنذ شهر اذار الماضي، دأبت الحركات الطلابية على تحويل نشاطها السياسي والاجتماعي إلى الساحة الافتراضية، لاجئةً الى التطبيقات الافتراضية لإحياء المناسبات السياسية وتنظيم الاجتماعات الدورية وحتّى قيادة النضالات والمطالب الاجتماعية، تارة عبر عرائض الكترونية وتارة عبر رسائل البريد الالكتروني وغيرها من الأدوات المتطورة باستمرار.

شهدت الساحة الطلابيّة الافتراضيّة في شهر أيار الماضي، وفي ذكرى النكبة، عددًا غير مسبوق للنشاطات الطلابية تمثّلت بثلاث مبادرات كبيرة امتدت على مدار أسبوع جمعت عددا كبيرا من الحركات الطلابية، في مشهد نسيت تفاصيله الساحة الجامعية منذ سنوات، مشهد لم يكن ممكنًا على الأغلب في انعدام هذه المنصات الافتراضية. فعلى الرغم من الهدوء والفتور العام، قد تشكل منصات التواصل الجديدة فرصة لإعادة انتهاض الحركة الطلابيّة، أو على الأقل تلك الحركات التي اختفت عن الساحة لفترة طويلة.

إن الظروف الاقتصادية الصعبة التي بدأت اثارها بضرب الطلاب الجامعيين عربًا ويهودًا دون تمييز تحتّم على الحركة الطلابية العربية بالاندماج وقيادة النضالات الاجتماعية القادمة، وعدم التقوقع وتفسيره بخصوصية الطلاب العرب واحتياجاتهم (الضرورية والملحّة والتي تحظى بأهمية قصوى)، ان التغيير المطلوب اليوم كبير وليس اقل من انقلاب على مفاهيم عدّة في الساحة الأكاديميّة ويتطلب تحالفات واسعة تضمّ اكبر شريحة من الطلبة عربًا ويهودًا، مع الحفاظ على المبادئ التي ميّزت الحركة الطلابية طوال سنين، وجلب الخط السياسي المناهض للاحتلال، العسكرة والمصاريف على الة الحرب والاستيطان الى مركز النضال.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب