استهلال:
سُجِّلت في الآونة الأخيرة أبحاث عدّة في محاولة لتسليط الضّوء على مفهوم التّحوير الفنّي وتأثيرهِ القريب أو البعيد على تفعيل الطّفل دراميّا، خصوصا في تفاعلهِ مع النّص الأدبي. غير أنّ محاولة تفسير العلاقة بينَ مسافة الفعل وردّ الفعل على ومن النّص لم ترتق الى المكانة الّتي يمكن أن يحاجج فيها باحث طفل في أسلوب ونيبة متعتهِ. ذلك لأنّ استقبال طفل لنصّ منوط بمزايا اللّغة الّتي يصدّرُها جسدهُ للمصدر، مصدر التلقّي مُبديا احتفاءه أو لامبالاتهُ ممّا سمِعَ أو تلقّى.
والحاصلُ أنّنا نذهبُ في بحثِنا هذا لاختبارِ شكل العلاقةٍ بينَ اللّغةِ الفنيّة، (التّحوير الفنّي) ولغة الجسد لدى الطّفل في شكليهِما، القَبول أو الرّفض ضمن المِساحة المُتاحَةِ للاختبار. فالحاصل أنّ[1]"لغة الجسد تعطي صورة عمن يستخدمون تعابير وجوههم أو الحركات في أجسادهم مثل حركة الرأس أو الأيدي أو الأرجل، وقد تجمع الحركات بين أيديهم وأقدامهم أو تعبيرات الوجه والايماءات أو هز الكتف أو نبرات الصوت مما يمكّن فهم معلومة ما بشكل أفضل". سنعالج مسألة التلقّي من خلال نصوص ثلاثة اختيرت بعناية، ونعني تفاوُتا مُنتقَى كي نُحدّدّ مدى تأثيرِ غياب أو حضور عناصر بعينِها من هذا الفنّ في مركّبات النّص اللّوني الكاريكاتوري.
لماذا الكاريكاتير وأساليبِهِ الفنيّة؟
يعتبر فنّ الكاريكاتير أكثر الألوان الفنيّة تأثيرا في مخيّلة الطّفل لما يميّزه من قدرة على تفعيل عالمهِ وتحويل فِكرِهِ الى مشاعرهِ الّتي تنعكس على لغة جسده مباشرة. دراميّا من خلال حركاتِ جسدهِ، وأشكالِها. لفتاتِهِ وصوتِهِ. ويضافُ لذلك أنّهُ [2]*"يرسم البسمة والضحكة على وجوه الأطفال ويخاطب قلوبهم وعقولهم ويدعوهم إلى تغيير السلوكيات السلبية بِحُريّة شديدة بعيدا عن التوجيهات المدرسية واملاءاتها". ونحن اذ نعالج هذا الفنّ في رسومات الأطفال وعبرها خصوصا فلأنّنا نؤمن بقدرة الدّراما الصّوريّة على قلبِ عالم كامل حينَ تُغذّي الرّوح بأسبابِ تحريضها على الفِعل والانفِعال معا، شأن الرّسوماتِ الزّخِمة حركة. لقد شغلَ هذا الفنّ عديدَ النّصوص الّتي اهتمّت بعالم الطّفل، لكنّها على كثرتها، قلّة منها استطاعت أن تُزاحِم الأعمال الأدبيّة النّوعيّة الّتي دأبت على تذويت مفهوم الكاريكاتير كمدرسة تثقيفيّة بالدّرجةِ الأولى عبر أهمّ منافذ الاغراء الفنّي ممثّلة بالمتعة الحسيّة. قد تكون الفكرة غريبة على المدرسة النّقديّة لكنّها فعليّا تُعتبرُ أهمّ المصطلحات النّقديّة الّتي تُشرّعُ حضور هذا النّوع الثّقافي مُحاطا بأسباب تَحقُّقهِ وأثره.
من المهمّ أن نتذكّر ونحن نخوض غمار أدب الأطفال وعلاقتِهِ بمسألة التّحوير الفنّي أن نفهم أنّ التّمييز بين أنواع الخطوط الّتي يميّز بها الفنّان الشّخوص هي مفتاح التّواصل مع جمهور الأطفال، فالخطوط النّحيفة تختلف عن السّميكة، والخطوط الضيّقة لا تؤدّي دور العريضة في نقل المشاعر وفهم المواقف، وهي ذاتَها الّتي تُقابِل وتُفرّق بين خطوط الوصف الخارِجي، الكونتور، وخطوط الوصف الدّاخلي التّفصيليّة. وهي ذاتها الّتي تمنح دقّة الوصف وبلاغتِهِ في التّعبير عن المواقف الكثيرة لبطل في قصّة كي نضمن تفاعُلا نوعيّا بين الطّفل وذات البطل الّذي يشكّل بوصلة شعوريّة لهُ. من التباس المواقف يستمدّ الطّفل قوّتهُ أو تراجعهَ وضعفهُ، وأنماط التّواصل مع المجموع. وكلّ هذا ستحدّدهُ رهافة الخطوط أو قسوتِها. حدّتها أو فُتورِها. اكتمالها أو نقصها، *[3]"فهي تلك الصّورة التي تعتمد على أبعاد تبدو للوهلة الأولى عشوائية، وغير منتظمة وكأنها خطوط في طريقها للاكتمال بغية التوصل إلى شكل له معنى، فتبدو مُفرغة ساعية لمشاركة المتلقي في اكتمال المعنى أو اكتمال الصورة تماما كشعور المتلقي أن الرسم الكاريكاتيري ماهو إلا رسم غير مكتمل، رسم انتهى منه الرسام ليأتي دور المتلقي كي يقوم بتلوينه، واستكمالِه" وهو ما يفعلهُ الطّفل حين يحاول تفعيل مخيّلتهِ التّحليليّة. فالتّناغُم والتّعارُض هما مفاتيح رئيسة لمنظومة فِكريّة_شُعوريّة كاملة. فالخطوط الّتي تحدّد أُطُر الشّخوص الهامشيّة تختلف عموما عن الخطوط الّتي تحدّد بروفايل البطل وخطوط وصفهِ الدّاخليّة والخارجيّة.
لهذا الغرض ارتأينا اختيار ثلاث تجارِب فنيّة، والتّجارِب الّتي اخترناها تُراعي التّفاوثت الحاصِل في أساليبِ التّحوير الفنّي لدى الفنّان الّذي أسّس لفنيّة التّجربة. والمهمّ أنّ التّفاوت لصالِحِ مساحة الاختلاف بينَ عملٍ وآخر في أسلوب التّحوير.
النّموذج الأوّل: *[4]"حيفا والنّورس"،
النّموذج الثّاني: *[5]"ساق القصب"
النّموذج الثّالث: *[6]"عِملاق أمير الصّغير"
تجمع النّماذج الثّلاثة ثلاثة أجيال. فلسطينيّي الشّتات، فلسطيني ال 76، وفلسطينيّي أل 48. لكلّ حكايتهُ وشروط تحقّقهِ. لكنّ البعد النّفسي يشتغل هنا بقوّة، ومقابل الحيّز المكاني على نحو عميق، وهو ما أخلفَ مفاهيم ليس مفروغا من وجودها انعكست مباشرة على النّص وأسلوب التّحوير تًبعاً لذلك. ففي "حيفا والنّورس" تعكس البطلة حالة اغتراب بعيدة تمتزج بالحزن. هذا التّزامن بين مصطلحين حسّيّين يُغذّي دوافع التّحوير الصّوري، اذ تأخذ الخطوط منحى انسانيّا بحتا يتماهى مع التقلّبات النّفسيّة الّتي تمرّ بها. هذا الأمر ينسحب على رسومات الطّفلة الشّخصيّة| البطلة، (البورتريهات) المُرافِقة للحدث على طولِ النّص. تفاوت المواقف وخطوط الوصف المتبدّلة بين قسوة ودقّة ورَهف المُرافِقة لها تسهِم بقوّة في تدوير ظهور الشخصيّة وفنيّة تأثيرِها على جمهور متابِعيها، من الأطفال خصوصا.
ونحنُ، في معرض تَناوُلِنا للمُعالجَة الفنيّة سنحدّد الأسلوب الكاريكاتوري الّذي لجأ اليهِ مُحوّر النّص، (الفنّان) لرفع مستوى التّواصل الحسّي بين النّص والطّفل وجذبِه اليه، معوّلين في ذلك على الثّقافة الفنيّة الّتي يمتلكها في حِوارهِ الرّوحي مع أبعاد البطلة النّفسيّة خصوصا لأنّ الحكاية بمُجملها تنهض على خلفيّة نفسيّة بحتة. وحواره الرّوحي، لأنّ نصوص الأطفال بالذّات تستدعي درجة عالية من الإيقاع الحسّي_الهَجسي، كي يتمكّن الفنّان من تحديد مقوّمات الخطّ الكاريكاتوري الّذي اختارهُ تعبيريّا لاسترتيجيّة العمل. فمن غير الممكن مثلا أن يتّبِع نفس الخطوط، وهو يُحدّد ملامح البطل في قصّتين ولَو تشابَهَتا في أبعادهما النّفسيّة، لأنّهُ بذلِكَ يُلغي المسافة الّتي تقرِّبُهُ من عنصرِ الدّهشة الّذي يفتنُ الطّفل في المنحى الكاريكاتوري ويُرسِلُهُ الى الملل. وهو ما نُحاذِر أن تذهب اليهِ قصّة في أسلوبِها الفنّي، فالطّفل يميّز سريعا منطقة الجاذبيّة فيما تقع عليه عيناهُ، وسريعا يقرّرُ أيضا خياراتِهُ.
- حيفا والنّورس))
تقنيّة المزج بين تيّارين متعارضين أوضح ما يطغى على الحوار الفنّي في هذه القصّة، هو الاتّجاه الواقِعي-الكاريكاتوري الحَذِر، رغبة من الفنّان مناصفة المشاعر بينَ المكان والشّخصيّة. فالمكان هنا كائن حسيّ فاعل جدّا، وفاتن في التّأثير على شكلِ العلاقة بينهُ وبين الحيّز النّفسي للطّفل في تفاعُلِهِ مع الحدث. فالواقعيّة الحسيّة، “sensory impediment”، في رسومات الأطفال هدفها الأساسي تمكين الطّفل من التّفاعل مع واقعهِ بحريّة، وتحقيق تفاعلٍ نوعيّ مع هذا الوقع الّذي ترجمهُ الفنّان في البطل الّذي اشتغل على أبعادهِ النّوعيّة بذكاء ضمن أدوات تقيس الموقف والحالة بمقياس التّأثير والتأثُّر. اعلانُ مواقف شعوريّة جريئة من جانب الطّفل في شكل التّفاعل مصدرها المراة في صورة البطلة الّتي رأى من خلالها واقِعهُ أوّلا، واختلال الرّؤية هي من سيدفعهُ للتّساؤل والشّك كي يصل الى الحقيقة. حقائق مصدرها الخطّ الكاريكاتوري الّذي تجاوز المستوى الحسّي الى الرّغبة في تفكيكِ أسبابِهِ، وهو حتما ما نطمحُ اليه. تدخّل الخطّ الكاريكاتوري السّريع في مجريات التّحوير الفِكري-الفنّي لهُ علاقة بتسارع ردّات الفعل لدى الطّفل على مُكوّناتِ عالمِهِ. سيكونُ لهُ هناك تفعيل فوريّ للغة جسدهِ بدءا بالرّأس مرورا بالحاجبين والفم والعينين وصولا لتقاطيع الوجه كاملا. زد على ذلك لفتات الأطراف في حركاتِ انفعالِها، فهي غالبا ستتماهى مع حركات البطل، لأنّ ما يجذب الطّفل ويشغفهُ غالبا شبههُ بالبطل الّذي ينجزُ ما ينجزهُ هوَ، وهذا يشملُ قائمة الممنوعات الّتي يحبّها الطّفل في انجازاتهِ.
//لغة الجسد في قصّة حيفا والنّورس
لغة الجسد في أدب الأطفال عموما ستقودنا مباشرة للرّسومات الدراميّة الّتي تنتج عن فنّ الكاريكاتير تحديدا، والقصّة الذتي بين أدينا خصوصا، وتؤثّر بقوّة على مستوى التّفاعل لدى الأطفال. فالبطل الكاريكاتوري يأخذنا من المضمون الى تقنيّة دمجهِ فنيّا، ذلك لأنّ لهذا الفنّ لغة جسديّة حسيّة بالدّرجة الأولى، وتتماهى بسهولة مع رسومات الأطفال، فمركّبات عالمها متشابه، اذا لم يكن مطابقا تماما. فهي مأخوذة من عالمهم كخِطاب واقِعي وليس خرفيّ. *[1]"ويتميّز عن غيرهِ من الخطابات الفنيّة بربطه الدرس اللّغوي بالحياة الواقعة المعاصرة متّخذا من رسوماته وألوانه وعباراته الموجزة وسيلة لمعايشة الواقع وتناول قضاياه بأسلوب ممتع ومميز"
والدراما الّتي نتحدّث عنها هي نتاج حالة من الانفعال العميق بين الخطوط والألوان الخفيفة الّتي يجيدها الطّفل نفسه. فالبطلة في هذه القصّة تظهر في عدّة مواقف، تترجم لغة جسدها، قلقة حزينة، باكية مُحلّقة ومتأمّلة. كلّ واحدة من هذه الرّسومات تعكس حالة واقعيّة مؤثّرة عبر تماه مطلق مع الواقع. فتعابير الوجه واضحة، مسحةُ الحزن مقابل الدّمعة السيّالة، ثقل الخدّين وتهدّلهما، تبعثر الشّعر، ضيق العينين. والسّاقان مسمّرتان غالبا، فاللّغة في النّصف الأعلى من الجسد. لكن مقابل الحرص المطلق على الواقعيّة التّعبيريّة نلاحظ حرص الفنّان على حقن الرّسومات بالطّابع الكاريكاتوري. فخصلات الشّعر غير المرتّبة، وحركة الفم المُقوَّسة الى أسفل، تأطير العينين بخطّ سميك مقابل تحديد الحاجبين، كلّها ميزات واضحة تقود لتقنيّة الأسلوب الحسّي-حركي، وهو يتوازى مع الأسلوب الواقعي التّعبيري. هذا التّوازي تكسرهُ المبالغة في العاطفة حين تمتلىء العينان فجأة بالدّمع، أو يتطاير الشّعر تماما. ردود الفعل المُفاجِئة والملتَبِسة، عينيّا، هي ما يضيف فرادة لهذا الشّكل من التّحوير ولذلك أميل لاعتبارهِ استثنائيّا للأطفال، ومثيرا للمخيّلة لأنّه يشتغل على جبهات عدّة في وقت واحد يضطر الطّفل معها لملاحقة المواقف من زوايا عدّة والسّعي لفهمها عبر الإبحار في مخيّلته. ويجوز أن نطلق عليه "كاريكاتير حَذِر".
* هذا البحث تجربة نوعيّة في لغة الكاريكاتير حين يذوّت في قصص الأطفال، واختبار التعدديّة من خلالها في أساليب الخطّ الكاريكاتوري. نشر في مجلّة سكولار الدّوليّة، International) Journal forHumanities and Social Sciences (IJHS)، مجلّة الدّراسات الانسانيّة والاجتماعيّة الدّوليّة، الّتي تأسّست سنة 021 ويرأسها العِراقي، د. مُراد العبداللّه. وهي منبثقة عن مؤسّسة سكولار العالميّة الّتي أسّسها سنة 018 كمؤسّسة تُعني بنشر ثقافة المؤتمرات الأكاديميّة بجودة الأمكنة ومضامين باحثيها. والدّراسة تنشَر حصرا في الاتّحاد للمرّة الأولى بالعربيّة.
[1] فاطمة محمد العليمات. مقاربات في تحليل الخطاب الكاريكاتيري، (دراسات، العلوم الانسانيّة والاجتماعيّة). المجلّد 44، العدد1، ص2. 2017. القاهرة
[1] فنّ لغة الجسد، د. منال عبد الكريم الرويشد. (مقالة). ص1،جريدة الجزيزة. 1 يناير، 016. السّعوديّة
[2] محمّد الحمامصي. (صلاح بيصار يستعرض فن الكاريكاتير في كتب للأطفال)، مقالة، ص1. جريدة ايلاف، 21 أبريل، 2010. الخليج العربي
[3] د.مصطفى الضّبع. (خطاب الصورة: الكاريكاتير نموذجاً)، مقالة، ص2. موقع الكِتابة، 5 نوفمبر 2019، القاهرة|مِصر
[4] الكاتب توفيق فيّاض، قصّة، (كاملة). مؤسّسة النّورس، بيروت، 1980
[5] الكاتب يحيى يخلف، قصّة للأطفال، (كاملة).مكتبة الأسوار، عكّا، 1913 فلسطين
[6] الكاتبة نجوى زريق، قصّة للأطفال. (كاملة)، مركز الكتب والمكتبات. النّاصرة، 1917 فلسطين



.png)

.png)






.png)

