ما بين (شموئيل طوليدانو) 1974 والإسلام الإسرائيلي 2021| أحمد أشقر

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

في تشرين الأول سنة 1973 اندلعت حرب جديدة بين العرب واليهود على سيناء المصريّة ومرتفعات الجولان السوريّة. قيل وكُتب الكثير عنها؛ أسمتها مصر "معركة العبور"، وسورية اعتبرتها حرباً تحريرية، وإلى اليوم لا تزال في الذاكرة والوجدان السورييّن "حرب تشرين التحريرية". العبور أفضى إلى (كامب ديفيد)، وإصرار سورية على تحرير الجولان حوّلها إلى ميدان حرب مأساوية.

اعتبرها البعض "حرب تحريكة" (...). أما إسرائيل فقد اعتبرتها كارثة وصدمة. وفي سياق عرب 48 اعتبرتها إسرائيل محركاً من محركات النزعة القومية المُستقبليّة لديهم، لذا- وكما يقول شموئيل طوليدانو، (1921- 2021)- سارعنا إلى إقامة "لجنة رؤساء السلطات المحليّة العربيّة في إسرائيل" كي تقف سدّاَ أمام النزعات القومية التي ستتعزز بفعل نتائج هذه الحرب، أي محاولة الاستمرار بضبط إيقاعهم الذي بدأته بمنحهم حريّة التصويت سنة 1949. وقال فيما بعد أن الدولة حاولت "تهويدهم" أي عرب 48، في برنامج عن التعليم العربي سنة 1989 وليس أسرلتهم، إلا أنها فشلت. كان (طوليدانو) في حينها مستشاراً لرئيس الحكومة للشؤون العربية ورجل استخبارات بارزاً. أي أننا أمام مصدر أولي أنتج هذا الملف وأمامه كل الملفات الضرورية للتقييم الموضوعي. وقد جاء يوم الأرض الخالد سنة 1976 ولجنة الدفاع عن الأراضي كمحطة أخرى من محطات رفض تهويد الجليل بأحداثه التي أطاحت بلجنة رؤساء سلطويّة عندما تمكن توفيق زيّاد وأربعة من رفاقه في المجالس المحلية بقلب قرار الأغلبية الذي اتخذته ضد إعلان الإضراب بواقع عشرين صوتاً ضد الإضراب مقابل خمسة فقط من مؤيديه. فتم إعلان الإضراب في الثلاثين من آذار في السنة المذكورة وتحول إلى جزء هام من الفعل النضالي لعرب فلسطين في الوطن والشتات. تلته بعد ذلك وثيقة متصرف لواء الشمال (يسرائيل كينيج) السرية في أيلول 1976 والرغبة بإنتاج عربي إسرائيلي جديد فيه بعض الملامح الوطنيّة (..). منذ تلك المحطة جرت مياه كثيرة في مجرى هذه اللجنة بعضها صافٍ وبعضها الآخر آسن إلى أن وصلت إلى لجنة المتابعة الحاليّة بما لها وما عليها. في تلك السنة عُقد في جدّة بالسعودية مؤتمراً ضم أطرافاً أمريكية وأوروبية وإسرائيلية وإسلاميّة وعربيّة تم فيه إطلاق الإسلام السياسي وتسليحه في مواجهة المدّ القومي والشيوعي (والسوفياتي في أفغانستان). وسرعان ما جاءت ثماره بقيام نظام السادات بإطلاق سجناء الإخوان المُسلمين والجماعات الأصولية الأخرى وتسليحهم بالجنازير والمطاوي ودفعهم إلى قمع الطلبة الشيوعيين والقوميين في الجامعات المصرية سنة 1979، كما أنهم نفذوا مجزرة في مدرسة المدفعية التابعة للجيش العربي السوري بحلب، قتلوا وجرحوا فيها عشرات الطلبة العسكريين في السنة ذاتها (1979).

أعود إلى تلك الأحداث والتواريخ لنستنير بها من أجل فهم محاولات مكونات وأقطاب السياسة الإسرائيلية من "يمينها" إلى يمينها لاستقطاب وضمّ الإسلام الإسرائيلي المتمثل بالقائمة العربيّة الموحدة لأية حكومة تتمكن بعض مكوناته من تشكيلها.  

 

   *     *      *      *

كتبتُ في السابق أن ما جرى من خلافات في المحطات الانتخابيّة الإسرائيلية الأربع لا دخل لها بالشأن الفلسطيني، وأنها خلافات داخليّة إسرائيليّة بين نخب يهودية تنتمي إلى النهج الاقتصادي والسياسي ذاته حول من هو الأفضل لإدارة الدولة. كان هذا دقيقاً قبل سقوط أول صاروخ أطلقته المقاومة على القدس في معركة "سيف القدس" التي بدأتها بعد السادسة مساءً بقليل في العاشر من أيار 2021 واستمرت حتى الحادي والعشرين منه.

يمكن القول إن بدء الحرب ومجرياتها وتداعياتها شكّل تسونامي عسكري وسياسي حقيقي في الإقليم مبدداً الكثير من الطروحات والمفاهيم السياسية حتى ليمكننا القول "إن صواريخ غزّة تجّبُّ ما قبلها". وهنا يُطرح السؤال: ما هي علاقة هذا التسونامي بمحاولة مكونات النظام الإسرائيلي للسعي المحموم إلى ضمّ مندوبي الإسلام الإسرائيلي إلى أيّة حكومة سيشكلها بعض مكوناته؟

تضافرت عوامل وجهود محليّة وإقليمية عدة أسهمت في قبول القوى الفاشية اليهودية وحركة الإسلام الإسرائيلي بالتوافق على تشكيل حكومة "أولترا يمينية" بالمفاهيم الإسرائيلية، في الثالث عشر من حزيران 2021. ويمكن القول إن أهم هذه المتغيرات السياسيّة هي التي أحدثها عرب 48 بحراكهم الصدامي الذي جرى "تضامناً مع الشيخ جرّاح" وأثناء "معركة سيف القدس" في كل بقعة من أماكن تواجدهم، وبعضها قرى تظاهر أبناؤها وبناتها لأول مرة رافعين الأعلام الفلسطينية. جاءت هذه المتغيرات فجأة وشكلّت صدمة- كما "سيف القدس"- دون أن تتمكن أجهزة الرصد والتقييم في إسرائيل والمنطقة من التنبؤ بها أو توقعها، وتحديدا فزّاعة الوحدة الخاصة في شعبة الاستخبارات العسكرية التي تبذل جهوداً كبيرة في التجسس على أناس لا مكان لديهم لكلمة أو سر يُحفظ (بالمناسبة: كانت وسائل الإعلام الإسرائيلية قد أخبرتنا مؤخرا أن هذه الوحدة بدأت تستخدم الذكاء الاصطناعي، يا سلام! وهل كانت تستخدم في السابق الحطب أو الجلّة مثلاً؟!) حصل هذا بعد أن اعتقدت إسرائيل أن عرب 48 أصبحوا جثة سياسية هامدة يندلق السواد الأعظم من وجهائهم من سياسيين وأطباء وممرضين وممرضات على اليهود كي يقبلوهم على هامش مجتمعهم وسياستهم أو قبول "رجلة أعمال" عربيّة مرشحة لرئاسة الكيان لعدة ساعات فقط. هذا السبب كان كافياً كي تقبل المؤسسة السياسية الإسرائيلية بهم كـ"بيضة القبّان" في صراع مكوناتها على السلطة كما صرّح أكثر من منصور عبّاس واحد.

هنا نعود بالذاكرة إلى سياق مقولة الراحل إميل حبيبي (1922- 1996) الذي كان يردد "الحجر الذي أهمله البناؤون يُصبح رأس الزاوية" لنقول لأبي سلام أن الحجر صار دبشة وبنّاءً معاً وغادر الزاوية إلى أفق جديد لم يتشكل بعد، وإنما سيتشكلّ بفعل التفاعلات الموضوعيّة المحليّة والإقليميّة للتسونامي المذكور؛ أو "حجر رشيق" كحجر (تشي جيفارا، 1928- 1967). ولا فرق أن كان التاريخ يتطور (يتشكلّ) بواسطة الطبيعة عند (كانط، 1724- 1804) أو بواسطة العقل عند (هيجل، 1770- 1831)، فإن التاريخ سيضع كل شيء في مكانه بحسب (إنجلز، 1820- 1895). هنا يمكن القول إن القرار الإسرائيلي وقبول العديد من رؤساء المجالس المحلية بخطة (طوليدانو) سنة 1974 شبيه بخطة (بينيت/ نتنياهو) وقبول الإسلام السياسي بتشكيل الحكومة الحاليّة (2021).

 

   *     *      *      *

 

من خلال التسونامي والمتغيرات المذكورة، فهمت قيادة إسرائيل العميقة التي نرى ظلالها في وسائل الإعلام فقط، بأن عليها أن تسارع إلى ضمّ الإسلام الإسرائيلي إلى الحكومة كي يكون ضابط إيقاع جديد لحراك عرب 48. فقبل تشكيل الحكومة بساعات محدودة قدم هذا الإسلام للدولة نموذجاً واحداً من الخطوات التي سينتهجها في وظيفته لضبط حراك 'مصوتيه' حرفيّاً، أي سكان النقب؛ أقصد بذلك قيام مندوبي الإسلام السياسي بعدم اشتراط مشاركتهم في الحكومة بإلغاء قرارات هدم البيوت العربية وقانون "كمينتس" سنة 2017، وضمان عدم التعرض للقرى منزوعة الاعتراف التي تضم ثلاثين ألف بيتاً (وعشرات الآلاف من البيوت العربيّة) بالهدم، لكنها قفزت عنها دون حلّ. بذلك يصبح الإسلام الإسرائيلي شريكاً في جرائم الدولة ضد الجماعة الذي يمثلها وينتمي إليها. في هذا الحدث كان بإمكان السيّد سعيد الخرومي مندوب الإسلام الإسرائيلي في النقب وابن قرية بير هداج التي داهمتها جرّافات المؤسسة لهدم بيوتها، أن يصبح الرجل الشريف والمُستقيم الوحيد في (سدوم) لو عارض إقامة تشكيل الحكومة. لكن ما العمل حين يُعتبر الشرف والإخلاص للجماعة المظلومة شعوراً وممارسة فطريّة يحصنها وعي عميق بمسيرة ومصائر التاريخ، ويتناقض هذا مع هرولتهم من محطة تلفزيونية إلى أخرى معلنين الولاء للدولة بلغة عبرية ركيكة تُثير سُخريّة من يقابلهم من إعلاميين يهود. لم يدرك الخرّومي وربعه رمزية محاولة هدم البيوت العربيّة في يوم تنصيب حكومة هم شركاء فيها. يا لتعاستهم، ويا لعارهم! وفي سياق مشاركة الإسلام الإسرائيلي بالحكومة يُطرح سؤال آخر: لماذا لم يتمكن حراك عرب 48 أثناء أزمة الشيخ جرّاح وسيف القدس من إفشالها؟

يمكن القول إن قناعة ورغبة ممثلين عرب في الكنيست بالمشاركة في حكومة لا تخصّ الإسلام الإسرائيلي والقائمين عليه فقط، بل هي رغبة عامّة أعلنتها القائمة المُشتركة عندما أوصت بالجنرال (جانتس). وفهمنا من وسائل إعلام مطلعة أن ثلاثة من أعضاء الكنيست من القائمة المُشتركة كانوا على أهبّة الاستعداد للتصويت للحكومة في حال 'شَرَد' عضو كنيست يهودي أو أكثر من المحسوبين على أطراف الحكومة وامتنع عن التصويت لها. ثم عاد الخرومي وأعضاء المشتركة الخمسة وصوتوا لقائد شرطة القدس السابق، (ميكي ليفي)، ليصبح رئيساً للكنيست (لم نكن نعلم أن المشتركة زارعة ميكو بشرطة القدس والناس مش دارية!) أي أننا أمام حالة عامة باتت تشكلّ أحد مكونات سياسة وجهاء عرب 48 في تعاطيهم مع النظام الإسرائيلي والكيان، وتعتبر من نتائج حالة التبعيّة السياسية، الاقتصادية والأخلاقية للإسرائيلي (...). وهي حالة بات لها مؤيدون ووكلاء ومنظرون بين الناس والأكاديميين من عرب 48، من كل المناطق الجغرافية والطوائف.

تعززت هذه النزعة أثناء مكافحة جائحة كورونا عندما اضطرت وسائل الإعلام اليهودية لتسليط الأضواء على الكوادر الطبيّة والصحيّة العربيّة الذين يشكلون نحو ثُلث هذه الكوادر- هذا من جهة؛ ومن جهة أخرى- نرى حملات التحريض الممنهجة ضد العرب التي قام بها سياسيون ووسائل الإعلام متهمين العرب بنشر الفايروس لعدم الالتزام بقواعد مكافحته. أنتج هذا الوضع أنتج حالة (كتبت عنها أكثر من مرّة) من الاندلاق والمرارة بين الناس العاديين الذين وجد قطاع واسع منهم نفسه عارياً في أسرته، وعائلته وقريته في مواجهة الكورونا والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والنفسيّة التي سببتها.

في هذه المفصل تحديداً يمكننا ملاحظة توجهين بين عرب 48 يظهر فيهما الانسجام أكثر بكثير من الانفصام، والمقصود هنا رغبة الكوادر الطبيّة والآخرين بالتعاطي أكثر فأكثر مع شعار التغيير (الذي لا يشكل إمكانية تغيير حقيقة)؛ خاصة أن قطاع عريض من الناس لا يهمه من "التغيير" شيء فهو يريد أن يحلّ أزماته أو يعمل على التخفيف من حدّة لهيبها. أما القوى المناهضة للمشاركة من أجل التغيير فقد عجزت عن فهم ما يجري والتصدي الفاعل له. يُضاف إلى هذه المتغيرات والعوامل، عوامل إقليمية لعب مكتب الإخوان المسلمين العالمي دوراً بارزاً بها من خلال إنتاج فقه الأقليات وتحليل (من حلال) مشاركة جماعته الإسلاميّة الإسرائيلية في الحكومة.

في هذا الصدد نطالب حركة الإسلام الإسرائيلي متمثلة بالقائمة العربيّة الموحدة بنشر مكاتباتها علناً مع حركة الإخوان المسلمين العالميّة وتحديداً "مفتي الناتو"، القرداوي، كي يقف بسطاء الناس المسلمين والمؤمنين على الفقه الذي يتيح ذبح الشعب السوري، ومشاركة إسلامييه في حكومة يهودية. لهذه الأسباب لم يتمكن رافضو هذه التحوّل من إفشاله، كما لا يمكن التنبؤ بمسار التوجهين بين عرب 48. لكن المؤكد أن هذين التوجهين سوف يتصارعان على خزّان الأصوات المحدودة. أما القوى التي تنأى بنفسها عن هذا الخزّان فهي الأخرى لم تعي المتغيّرات الأخيرة لتتغيّر معها، فبقيت أسيرة مفاهيم الماضي: دولة/ دولتان/ مصالحة/ إعادة بناء القائمة المشتركة/ ترتيب البيت الفلسطيني/ حلّ سلطة الحكم الذاتي أو إقالة رئيسها.

 نعود ونؤكد: استخدمت إسرائيل وأمريكا وأنظمتها العربيّة في منتصف سبعينات القرن الماضي الإسلام السياسي لمحاربة التوجهات القومية والشيوعيّة الذين كانوا قد رصدوا إمكانية حدوث التغيرات؛ ثم تعود هذه القوى مرة أخرى لتستخدم الإسلام السياسي الإسرائيلي والليبراليين العرب لمنع أي تغيّر إيجابي ليس بين عرب 48 وحدهم، بل بين العرب عموماً. عاد عرب 48 الآن إلى الخلاف حول مفهومين وهما: النضال من أجل الخدمات أم من أجل "كرامة وخدمات"؟ وهي العودة إلى جماعة أحمد أبو عصبة، أسعد عزايزة ونواف مصالحة مقابل الجبهويين (انضمام أبناء البلد إلى المتابعة لم يكن من باب الرضوان).

كلمة أخيرة: لم نسمع من حماس التي تعتبر قطباً رئيساً من محور المقاومة أي تنديد ورفض لسلوك أخيهم الأصغر الفاضح. بينما سمعنا من جماعة أكياس الدولارات القطرية الذي اعتبروا سلوك الإسلام الإسرائيلي سلوكاً يخصهم فقط، هذه الجماعة هي من حالت دون نجاح يوم النفير العام في مواجهة مسيرة الأعلام اليهودية.

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين