مجزرة كفر قاسم.. مفارقات الأمس والحاضر | حسين مريسات

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

"خسارة على الرصاص..أطلقوا رصاصة واحدة في الرأس"، قد تكون هذه الجملة المرعبة، إحدى أبرز الانعكاسات الصريحة لماهية المشروع الصهيوني، المشروع الذي يعيش فوق قرى وبيوت ودماء شعبنا الفلسطيني. تلك الجملة التي تلخص إرهاب دولة بقرار رسمي للتخلص من عرب بقوا داخل حدود "الدولة اليهودية" بعد النكبة، والمسرح كان هنا كفر قاسم.

اليوم تحل الذكرى السنوية لمجزرة كفر قاسم التي سقط ضحيتها 49 شهيدًا، بينهم 6 أطفال و13 امرأة بعد تطويق القرية بحرس الحدود، وإعلان حظر التجول.
ذاك المساء القاتم من يوم 29/10/1956، استغلت حكومة دافيد بن غوريون انشغال العالم بالعدوان الثلاثي على مصر المتحررة من الاستعمار في حينه، ليعطي الأوامر بارتكاب مجزرة بشعة في قرية كفر قاسم في المثلث، بهدف إفزاع البقية الباقية التي تُركت كالأيتام على موائد اللئام، ودفعها إلى الهرب لما وراء الحدود، استكمالًا لمشروع النكبة،  فكانت الأوامر صارمة وواضحة "لا أريد مشاعر.. ولا أريد اعتقالات".

يأتي إحياء الذكرى في هذا العام، ليس فقط أمام محاولة تصفية تاريخ القضية الفلسطينية ببطولاتها وعذاباتها، التي كان أحد جروحها الغائرة مجزرة كفر قاسم، بل تأتي هذه الذكرى اليوم، وسط عوامل جديدة وخطيرة، في محاولة لتصفية القضية الفلسطينية برمتها، عوامل تحاول بعثرة الأوراق، وتقزيم العمل النضالي، وتحقير المطالبة العادلة بالحق الكريم. تحلّ الذكرى التي نحيي العهد فيها على الصمود والمواجهة، أمام مخطط ليس فقط "للتوفير في الرصاص"، بل لإيجاد وكلاء صهينة وأسرلة، من داخل صفوف شعبنا، الذي يصون خيوط جذوره، ولا يسمح لأحد بتشويه ملامحه الواثبة.

 

إبن بلد الشهداء يحذّر من التكاثر العربي


لقد سمعنا عن رئيس الحكومة الذي يفاخر "بقتله العديد من العرب"، وعن وزرائه الذين يتسابقون في التحريض الدموي ضد الشعب الفلسطيني، ويدعون لسحب المواطنة من مسببي "الخطر الأمني الوجودي"، في تعريفهم للأقلية الفلسطينية الأصلانية. ولقد شخصنا منذ البداية، أنّنا أمام حكومة هجينة، قبيحة المظهر والجوهر، تجمع بين اليمين الاستيطاني، واليسار الصهيوني، وأننا أمام حكومة هي التجلّي لرضوخ وتهجين كل الخارطة السياسية الإسرائيلية، لليمين على اختلاف قادته وأحزابه. أمّا أن نتناقل عبر وسائل الإعلام وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، تصريحات وزير ما يسمى "التعاون الإقليمي"، التي يحذر عمليًا فيها من التكاثر العربي في البلاد، فهذا كان أقبح مشهد هزلي ذليل وحقير، من سلسلة مشاهد مشابهة لنماذج عرب السلطة الذين ينضوون تحت مظلة الحكومة الاستيطانية الحالية.

فالوزير الذي طالب مرارًا وتكرارًا بفتح محطات شرطة بكثافة داخل القرى والمدن العربية - تلك المحطات التي تتهمها قطاعات واسعة من جماهيرنا بأنها تزيد من وتيرة العنف وتسهيل تهريب السلاح وإطلاق النار على الأبرياء - يقول في جلسة خاصة لمناقشة "ظاهرة" استفحال الجريمة في المجتمع العربي، للجنة الأمن الداخلي في الكنيست: "أريد أن أقول للأغلبية اليهودية في هذه الدولة أمرين، الأغلبية اليهودية والفكرة الصهيونية، التي تقضي بالحفاظ على أغلبية أبدية يهودية تواجه خطرًا، أقول لكم ذلك بشكل مباشر، يوجد توجّه عندنا برفع وتيرة الإنجاب، نحن نريد إنجاب المزيد من الأبناء، لأن الطفل الأول أو الثاني يواجه خطر الموت، نحن نريد إنجاب الثالث لضمن استمراريتنا لذلك، الأغلبية في خطر" (إنتهى الإقتباس).

وهو ذات الوزير الذي "عبّر عن أسفه"  قبل هذه التصريحات بيوم، من دفاع الرفيق أيمن عودة عن الأسير القواسمي بجسده، في وجه الفاشي المتطرف ايتمار بن غفير.

فقل لنا يا ابن مدينة الشهداء، أي قناع سترتدي اليوم أمام ضريح شهداء مجزرة كفر قاسم الأبرار، وأنت تشارك في إحياء الذكرى لهذا العام، بكافة التملق والازدواجية، التي يمكن للعربي الهجين، الباحث عن شهادة حسن السلوك من اليمين المستوطن واليسار والمركز الصهيونيين، ولو كنت وزيرًا (يا فرحتنا)، في زمن المجزرة - أي في العام 1956- ضمن  حكومة بن غوريون في حينه، هل كنت ستكتفي "بالأسف عن قيام بعض الجنود والضباط بهذا التصرف الطائش"؟!

 

قرش شدمي.. وفتات الموحدة

لقد طَلُع الفجر على القرية الذبيحة، التي لم تنم، يوم 1956، وهول المجزرة جاثم على عيون وصدور أهل كفر قاسم، التي كانت محاصرة من قبل ما يسمى "حرس الحدود"، وممنوع عليها وعلى غيرها الخروج والدخول، وما أن بدأت تصل أنباء ارتكاب المجزرة إلى خارج كفر قاسم، حتى تسلل الرفيقان طيبا الذكر الراحلين توفيق طوبي ومئير فلنر إلى القرية، ليكتشفا المجزرة الرهيبة، جامعين ما استطاعا من شهادات للناجين ولأهل القرية، ثم كشفها إلى كافة وسائل الإعلام العالمية والمحلية، ليزداد بذلك التساؤل والحرج حول هذه المجزرة الرهيبة، فيما دعا طوبي وفلنر الناس إلى التشبث والبقاء في بلدهم، وعدم الرضوخ للهدف الرئيسي من المجزرة، وهو ترهيب وتهجير أهل كفر قاسم وغيرها من القرى العربية.
فما كان من حكومة بن غوريون -في حينه- إلّا أن نظّمت بدعمه وغطائه مسرحية هزلية، أطلق عليها "محكمة عسكرية"، في محاولة للالتفاف على الغضب العالمي الذي اشتعل بعد فضح المجزرة، تم من خلالها تعيين القضاة، وتمويل أعتى طواقم الدفاع للمتهمين بارتكاب المجزرة وعلى رأسهم العميد في الجيش الإسرائيلي "يسسخار شدمي" صاحب الأوامر المباشرة لجنود حرس الحدود بارتكاب المجزرة، حيث حكم عليه بدفع غرامة مالية قدرها "قرش" واحد، والذي عُرف في ما بعد بـ"قرش شيدمي"، تعويضًا عن دم 49 شهيدًا كانوا عائدين من البحث عن لقمة العيش. فيما تم الحكم على الجنود الذي أطلقوا النار "بعامين سجن"، كحكم على إضرار بالآخرين، وليس على الإعدام بدم بارد.

إن إعدام 49 شهيدًا فلسطينيا بين طفل وامرأة ورجل بدم بارد، كانوا عائدين من العمل، على يد جنود حرس الحدود، ثُمّ الاحتفال بالجنود المقترفين للجريمة من قبل كافة أجهزة الدولة الرسمية، ابتداءً من رئيس الحكومة بن غوريون، ورئيس أركان الجيش الاسرائيلي وغيرهم، لا يساوي أكثر من قرش واحد عند حكومة إسرائيل، فكم تساوي اليوم روح حوالي مليوني عربي قرروا البقاء والصمود في وطنهم الذي لا وطن لهم سواه؟!
إنّ هذا السؤال يوجه بشكل مباشر إلى تلك القائمة التي تتذيل بخساسة الائتلاف الحكومي الذي يقوده اليميني نفتالي بينيت، والتي لم تحمل في برنامجها الانتخابي غير السياسي، سوى صفقات وهمية، ووعود كاذبة، كالوعد الذي قطعه الرائد شموئيل ملينكي قائد كتيبة حرس الحدود، لمختار قرية كفر قاسم، بحفظ سلامة العمال العائدين من العمل، بعد إعلان حظر التجول، والذين تم إعدامهم وإلقاء جثثهم في جوانب الطريق.
إن الرفض والصخب العارم الذي أعلنته كافة الأحزاب والحركات السياسية في المجتمع العربي، في وجه ما يسمى "النهج الجديد"، لا يُطلق من باب المناكفة، بل هو اتهام مباشر وصريح لأصحاب هذا "النهج"، بالتواطؤ والتآمر مع أعداء شعبنا الفلسطيني، بل ويفاخر رئيس قائمة "النهج الجديد"، بأنّه صاحب الفضل لأول مرة في تاريخ السياسة الصهيونية، في تنصيب يميني مع "كيبا سروجا" رئيسًا للحكومة.

فأية صفقة تلك التي تغنيكم عن دم شعبكم، وأنتم في حكومة قتلت العشرات خلال بضعة أيّام، ونبشت قبور الشهداء، وتحاصر غزة، ثُمّ تسحب من جيوبنا المال، لتعد الميزانيّات غير المسبوقة للاستيطان وخنق القدس، والحفر حول المسجد الأقصى المبارك الذي يشهد ارقام قياسية في نسبة الاقتحامات والاعتداءات.. فأية صفقة تلك التي تذكرنا بصفقة "القضاء العسكري الإسرائيلي" مع المجرم شدمي تلك (قرش شدمي) عوضًا عن دم 49 شهيدًأ.. يا لعاركم!
إن تاريخ كافة حركات التحرر، شمل العديد من التعرجات، الانتصارات والانكسارات، التقدم والتراجع، وإذا كانت تلك القائمة التي طعنت الوحدة الوطنية والكفاحية، وآثرت الالتحام مع مجرمي الحرب، مستغلة التأزم الحاصل والمؤسف في القضية الفلسطينية، لكي تؤدلج طأطأة الرأس والإذعان الذليل المقيت، فلا خير فيها إذا، في زمن الازدهار، وفي أوقات والمد الوطني والثوري، القادم لا محالة!
 

إذا كانت الدولة أغلقت الملف فنحن لم نغلقه بعد!

يحاول بعض عرب حكومة المجرم بينت تسويق مسرحية "الخطوة تاريخية"، بأن يكون المقموع خادمًا رسميّا لدى قامعه، وأن يكون المظلوم، أداة طيّعه في يد سيده، تسويقه كإنجاز تاريخي، واختراق عظيم للحلبة الصهيونية، إلّا أنّ هذا الدجل، يبدو عكسي التأثير، وأبعاده الخطيرة ستلحق بمجتمعنا العربي من تشويه للوعي وكسر للإرادة.

 بل أكثر من ذلك، من حيث يعلم أو لا يعلم عرب السلطة، فهم يساهمون بتأبيد شعور الدونيّة

الذي يقبل بالفتات، وهم يساهمون في استنساخ التعامل الفوقي بين السيد اليهودي، والتابع العربي، كلغة تعامل بين العرب في الداخل، وبين "وكيلهم" أو "مختارهم" العربي المنضوي في إطار الحكومة.

يقول المفكر اللبناني مصطفى حجازي في كتابه "سيكولوجية الإنسان المقهور":

 "الإنسان المقهور يستخدم أسلوب السيد المتسلط نفسه ويخاطبه بلغته نفسها. الكذب والخداع والتضليل هي قوام اللغة التي يخاطب بها المتسلط الجماهير المقهورة إن خطابه هو أبدًا كذب ونفاق عندما لا يكون تهديدًا صريحًا. خطابهُ وعود معسولة وتضليل تحت شعار الغايات النبيلة: الوعود الإصلاحية، الخطط الإنمائية، الأخلاق، الرقي والتقدم، المستقبل الأفضل. كلها هراء اعتادت عليها الجماهير وهي بدورها تخادع وتضلل حين تدعي الولاء وتتظاهر بالتبعية".

وإلّا فما هو تفسير إسقاط "عرب السلطة"، لعدة قوانين كانت لتخدم مجتمعنا العربي بشكل كبير، وإلّا فما هو تفسير انحيازهم (عرب السلطة) في هبّة الكرامة الأخيرة مع الشرطة والجيش والحكومة ضد شعبهم، وإلّا فما هي موافقتهم على إدخال الجيش والشاباك والحرس الحدود للمجتمع العربي لحل مشكلة السلاح والجريمة تنظمها الدولة ذاتها؟

كل تلك المظاهر هي استنساخ مسخ، لنموذج عنجهية الدولة وتسلطها وظلمها وتجبرها على شعبنا، من قبل عرب من هويتنا، وهي محاولة لإعادة زمن مخاتير وعكاكيز السلطة، الذين مقتهم شعبنا ولفظهم من مساره ودربه السياسي الكريم.

وإذا كانت حكومات إسرائيل تحاول إغلاق ملف المجزرة، وملف الغبن التاريخي تجاه شعب أًصلاني متشبث في وطنه عن طريق دس بعض المهرجين والتابعين لها بيننا، فنحن لم نغلق الملف، ولن نمد يدنا لأصابعها المدسوسة.

 

المسرحية انتهت.. لن تُعاد من جديد

إن مسرحيات "عرب السلطة"، وعكاكيز حكومة اليمين الاستيطاني الحالية لا تذكرنا سوى بتلك المسرحية، التي نظمتها السلطة مع اتباعها بعد مجزرة كفر قاسم، والتي أطلقت عليها زورًا اسم "صلحة"، بين من اقترف الجريمة من حكومة وجيش وحرس حدود، وبين أهل كفر قاسم إكراهًا

وإجبارًا. تلك "الصلحة" التي صاح في وجه منظميها الرفيق الراحل توفيق طوبي "هذه صلحة بين مجرم قاتل، وبين ضحيته، عن أي صلحة تتحدثون؟".

لا تذكّر تلك المسرحيات القديمة، إلّا بالمسرحيات الجديدة القبيحة والساقطة التي يقوم بها عرب حكومة بينيت، وهم يصورون الأكاذيب وأوهام الإنجازات لشعبنا، بينما هم في الواقع، غير مذكورين على طاولة الحكومة الهجينة، التي كيفما تحركت انبثق نارها ورصاصها في صدور شعبنا.

 ومثلما لم تنفع الابتسامات الصفراء الشامتة، والولائم المدنسة في كفر قاسم، لن تنفع لا ترقيعات "النهج الجديد"، ولا طأطأة رأس باقي عكاكيز الحكومة العرب (وغير العرب)، من خداع شعبنا وتضليل ذاكرته، وتحييده عن طريق تحرره.

"وأمشي ألف عامٍ خلف أغنيةٍ

وأقطع ألف واحدٍ شائك المسلك"

(توفيق زياد)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين