news
ملحق الجمعة

محاكمة أسانج قضيتنا جميعًا: جيجيك وتشومسكي يعلنان التضامن| حسن مصاروة

يستأنف القضاء البريطاني هذه الأيّام محكمة جوليان أسانج مؤسس موقع ويكيليكس المعتقل لدى السلطات البريطانيّة، والتي تنظر في طلب أميركي مفصّل لتسليمه إلى الولايات المتحدة تمهيدًا لمحاكمته هناك، وفق قائمة طويلة من التهم يصل مجموع عقوباتها، في حال إدانته، إلى 175 عامًا، دون أمل بالإفراج عنه نهائيًا. ومن المقرر أن تتواصل عملية المحاكمة ثلاثة أو أربعة أسابيع. في حين تؤكد ستيلا موريس محامية أسانج التي أصبحت شريكته، أن تسليمه للولايات المتحدة سيكون بمثابة "عقوبة إعدام".

منظمة العفو الدولية أكدت ان إرسال أسانج إلى الولايات المتحدة، يمكن أن يعرضه لانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، فقد يواجه ظروف احتجاز هناك "ترقى إلى مستوى التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، بما في ذلك الحبس الانفرادي المطول". كما أن "خطر المحاكمة الجائرة حقيقي للغاية نظرًا للحملة العامة التي وُجهت ضده، والتي شنها مسؤولون أميركيون على أعلى المستويات، ما قوّض بشدة حقه في افتراض براءته"، كما ورد في تقرير المنظمة.
الشرطة البريطانية كانت قد اعتقلت الناشط الأسترالي الشهير في نيسان الماضي لحظة اخراجه مرغمًا من مقر سفارة الإكوادور في بريطانيا، بعد سبع سنوات قضاها هناك لاجئًا سياسيًا في ظروف قاسية وتحت رقابة تامّة غير مشروعة من قبل الاستخبارات المركزية الأميركية في انتهاك لكل المعايير القانونية الدولية والإنسانية.
وكان أسانج، قد لجأ خوفًا على حياته إلى مقر سفارة الإكوادور وطلب اللجوء السياسي إليها بعد أن كشف كمية ضخمة من الوثائق السرية التي تدين الحكومة الأمريكية بجرائم حرب. وقد وافقت حكومة الإكوادور على استضافة أسانج، بينما أصر البريطانيون على اعتقاله وفرضوا حصارًا تامًا على السفارة استمر لسبع سنوات. حتى تبدّلت الحكومة في الاكوادور وجاء رئيس موالٍ للولايات المتحدة فطردته السفارة بأمر أمريكي. وقد سارعت عندها واشنطن إلى تقديم طلب مبدئي عاجل إلى القضاء البريطاني بتسليم أسانج إليها، ألحقته فيما بعد بقائمة مفصّلة بـ 18 تهمة تتعلّق بالـ"تجسس" والـ"تآمر".

ويقول فريق الدفاع عن أسانج إن الرجل لم يحظ بأي فرصة حقيقة لإعداد دفاعه ضد قائمة التهم الأميركية، وإنّه معرض للإصابة بكورونا دون اهتمام صحي حقيقي، ويعيش ما يشبه حالة تعذيب سيكولوجي مكثّف وحرم من حقوقه القانونية ورفضت عدّة طلبات لإخلائه بكفالة، ولم يسمح له بالالتقاء بشريكته السيّدة ستيلا موريس وأبنائه إلا قبل أسبوعين. وقالت السيّدة موريس، إثر مغادرتها مبنى السجن وقتها، إن "جوليان يتألّم بشدّة" ويعاني من شحوب ونقصان في الوزن، وتردّ عام في صحته وقدراته الإدراكيّة.

وصرح مايكل كوبلمان، الطبيب النفسي الذي عاين أسانج، بأنّه يتهدده خطر انتحار "مرتفع جدًا" في حال تم ترحيله إلى الولايات المتحدة. وذلك بعد أن تحدث هذا الطبيب النفسي مع أسانج عشرين مرة. وذكر كوبلمان وجود "اكتئاب حاد" و"أعراض ذهان" لدى جوليان، بينها هلوسات سمعيّة ظهرت عليه في زنزانته الخاضعة لحراسة مشددة في سجن "بلمارش" جنوب غرب العاصمة البريطانية. وسبق أن دان المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بمنع التعذيب والمعاملة السيئة والعقوبة غير الإنسانية والمهينة ظروف احتجاز مؤسس "ويكيليكس". وأوضح الطبيب النفسي أنّ الميول الانتحارية لأسانج "مردها عوامل إكلينيكية (...) لكن اقتراب الترحيل سيؤدي إلى المحاولة"، وحذر من أن حالته "ستتدهور بشكل كبير" في حال تم ترحيله.

ويلفت الصحفي والكاتب سعيد محمد المتابع لقضية أسانج، إلى مسألة أن "مشاركة أنظمة في الغرب، ولا سيّما بريطانيا وأستراليا والسويد إلى جانب الولايات المتحدة، في الـتآمر على أسانج ومحاولة تصفيته أو تغييبه ليست مستغربة بالطبع، لكن المذهل بحق هو المشاركة، فاعلة أو سلبيّة، للصحافة العالميّة، أفرادًا ونقابات، والأكاديميين والمؤرخين ومنظمات حقوق الانسان الدولية والمحلّية في هذه الجريمة العلنيّة المستمرّة يوميًّا منذ 10 سنوات"، إذ يقول " صمت القطاع الأعرض من الإعلاميين بشأن قضيّة أسانج، فيما شارك بعضهم بكثافة في محاولة اغتيال منظّمة لشخصيته ولموقع "ويكيليكس"، وتبرير سلوك السلطات ضدّهما، ونشر الأكاذيب عنهما، بل وفي حالة صحيفة "ذا غارديان" البريطانية التطوّع لتقديم معلومات عن أسانج سهّلت الكشف لاحقًا عن طريقة حصوله على الوثائق السرّية ونشر تلفيقات الاستخبارات المركزية الأميركية عنه". ولم يجد أغلب المؤرخين والصحافيين الاستقصائيّين أو منظماتهم أي داع للتضامن مع الرجل الذي قدّم للحقيقة وللتاريخ أضخم ملف وثائق عن الطرائق الفعليّة لهيمنة الولايات المتحدة وحلفائها حول العالم".

وفي ظل هذا التآمر والصمت الاعلامي والتغييب عن الساحة الثقافية والأكاديمية والشعبية لقضية أسانج، يعلن اثنان من أكبر المفكرين والمنظرين السياسيين المعاصرين، الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك والمفكر الأمريكي نعوم تشومسكي، تضامنهما العلني مع أسانج وقضيته، ويدعوان إلى تصعيد التضامن معه والالتفاف حول قضيته. ويتطرقان لهذا التغييب الاعلامي الذي يعاني منه ومن محاولات اغتيال الشخصية التي عانى منها على مدى سنوات لتغييب قضيته الحقيقية. ففيما يعتقد جيجك أن قضية أسانج يجب أن تتحول الى قضية حركة شعبية مثل "حياة السود مهمة" والحركة البيئية من أجل انقاذه، يتطرق تشومسكي بمقال مشترك مع اليس ووكار الى معالجة وسائل الاعلام الموجهة لقضية أسانج ومشاركتها في اغتيال شخصيته في الوعي العام ومحاولة تشتيت النقاش العام عن القضايا القيمية والسياسية الكبرى المتعلقة بالهيمنة الامبراطورية وجرائم الحكومات وحرية الصحافة التي توجد على المحك في محاكمة أسانج، إلى مسائل شخصية تافهة وتشويهات مغرضة بحق شخص أسانج في خدمة المؤسسة الامبراطورية التي تلاحقه.

ونقوم هنا من خلال ترجمة خاصة بـ"الاتحاد" بنقل صيحة المفكرَيْن الكبيريْن التضامنية:

سلافوي جيجك: المعاملة التي يتعرض لها أسانج هي عدوان على حريّتنا الشخصية جميعًا


يتم تجريد جوليان أسانج من حقوقه في قضية من المفترض أن تثير قلق الملايين، لكن قلة قليلة من الناس حول العالم تهتم للموضوع لأن شخصية جوليان أسانج قد تم اغتيالها في الوعي العام. قد يضطر أسانج إلى الذهاب إلى السجن قبل أن يحصل على الدعم الذي يستحقه.

هناك نكتة قديمة من زمن الحرب العالمية الأولى حول تبادل البرقيات بين مقر الجيش الألماني والمقر النمساوي المجري. من برلين إلى فيينا، الرسالة هي "الوضع من جانبنا من الجبهة جدي، ولكنه ليس كارثيًا" والرد من فيينا هو: "من جانبنا، فإن الوضع كارثي، لكنه ليس جديًا".

يبدو أن الرد من فيينا يقدم نموذجًا لكيفية تعاملنا مع الكوارث اليوم، من جائحة كوفيد -19 إلى حرائق الغابات على الساحل الغربي للولايات المتحدة (وأماكن أخرى): "نعم، نحن نعلم أن كارثة وشيكة، وسائل الاعلام تحذرنا طوال الوقت، ولكن بطريقة ما نحن لسنا مستعدين لأخذ الموقف على محمل الجد...".
هناك حالة مماثلة لذلك استمرت لسنوات وهي: مصير جوليان أسانج. إنها كارثة قانونية وأخلاقية - فقط لنفكر كيف تمت معاملته في السجن، يمنع من رؤية أطفاله ووالدتهم، غير قادر على التواصل بانتظام مع محاميه، ضحية للتعذيب النفسي بحيث تكون حياته ذاتها تحت التهديد. إنهم يقتلونه بـ"هدوء".

لكن يبدو أن القلة منا يأخذ الموقف الذي يوضع فيه أسانج على محمل الجد، مع إدراك أن مصيرنا جميعًا هو المعرض للخطر والذي يقف على المحك في هذه القضية. القوى التي تنتهك حقوق أسانج هي القوى التي تمنع المعركة الفعالة ضد الاحتباس الحراري والمعركة ضد وباء كورونا. إنها القوى ذاتها التي تضمن أن الوباء يجعل الأغنياء أكثر ثراءً ويجعل الفقراء أكثر فقرًا وتعرضهم هم لخطره المباشر وتحملهم عبئه الأساسي صحيًا واقتصاديًا واجتماعيًا. إنها القوى ذاتها التي تستغل الوباء بلا رحمة لترسيخ سيطرتها على مساحتنا الاجتماعية والرقمية، وتنظمها وتفرض الرقابة عليها على حسابنا - القوى التي تدعي حمايتنا، ولكنها تحرمنا في ذات الوقت من حريتنا.
حارب أسانج وناضل من أجل الشفافية العامة لفضائنا الرقمي، وهنا مفارقة قاسية في حقيقة أن الوباء يُستخدم الآن كذريعة لعزله عن عائلته وعن محاميه. نحن في الغرب مستعدون دائمًا للاحتجاج على القيود المفروضة على حريات الإنسان الأساسية التي فرضتها الصين على هونج كونج؛ لكن ألا يجب ان نوجه المرآة نحو ذاتنا ونحدق في أنفسنا أوّلًا؟ ربما ينبغي أن نتذكر القول المأثور لماكس هوركهايمر في أواخر الثلاثينيات: "أي شخص غير مستعد للحديث ضد الرأسمالية يجب أن يظل صامتًا بشأن الفاشية"، نسختنا الحالية عن هذه المقولة هي: "أولئك الذين لا يريدون التحدث عن الظلم الذي فُرض على أسانج يجب عليهم أيضًا أن يلتزموا الصمت بشأن انتهاك حقوق الإنسان في هونغ كونغ وبيلاروسيا".

اغتيال الشخصية الذي تعرض له أسانج المخطط له جيدًا والمنفذ باحكام هو أحد أسباب عدم تطور الدفاع عنه إلى حركة أوسع، مثل "حياة السود مهمة" أو التمرد الشعبي ضد الانهيار البيئي والاحتباس الحراري. والآن وقد أصبحت حياة أسانج على المحك، يمكن فقط لحركة من هذا النوع وبهذا الاتساع- ربما - أن تنقذه.

إذا مات أسانج (أو اختفى في زنزانة أمريكية، ليبقى مثل الموتى الأحياء)، فإن هذا الألم سيكون انتصاره؛ سيموت ليعيش فينا جميعًا. هذه هي الرسالة التي يجب علينا جميعًا إيصالها إلى أولئك الذين احتجزوه: إذا قتلت رجلاً، فإنك تخلق أسطورة ستستمر في تحشيد الآلاف.

إن الرسالة الموجهة إلينا من أولئك الذين يلاحقون ويحتجزون أسانج واضحة، يقول في وجهنا: "يمكننا أن نفعل ما نريد". لكن لماذا هذا ينطبق عليهم فقط؟ ما يفعلونه لأسانج هو تغيير جذري للمناخ السياسي، لذا ربما نحتاج نحن إلى خلق مناخنا السياسي الجديد.


نعوم تشومسكي واليس ووكار: أسانج ليس قيد المحاكمة بسبب شخصيته - ولكن هكذا جعلتك الحكومة الأمريكية تركز عليها

نُقل جوليان أسانج إلى المحكمة لمواصلة معركته ضد قرار "تسليمه إلى الولايات المتحدة"، هناك حيث إدارة ترامب تشن أخطر هجوم على حرية الصحافة في الفترة المعاصرة، من خلال توجيه اتهام إليه لنشره وثائق حكومية أمريكية. وسط تغطية الإجراءات، يكتفي منتقدو أسانج بالتعليق بشكل خاص على مظهره، وشائعات عن سلوكه أثناء العزلة في السفارة الإكوادورية، وتفاصيل أخرى بذيئة.

هذه الترهات المتوقعة في تغطية قضية أسانج هي رمز للحالة المؤسفة لخطابنا السياسي والثقافي. إذا تم تسليم أسانج لمواجهة اتهامات لممارسته الصحافة وفضح سوء تصرف الحكومة، فإن العواقب على حرية الصحافة وحق الجمهور في المعرفة ستكون كارثية. ومع ذلك، بدلاً من المعالجة والمقاربة الجادة للمبادئ والقيم المهمة التي تقع على المحك في لائحة الاتهام غير المسبوقة لأسانج واحتمال مواجهته 175 عامًا في السجن كعقوبة على نضاله، يفضل الكثيرون التركيز على الأمور الشخصية التافهة.
لا يُحاكم أسانج بتهمة تصرفاته داخل السفارة الإكوادورية حيث عزل لسنوات، أو لأنه وصف هيلاري كلينتون بأنها "صقر حرب"، أو بسبب لحيته غير المشذبة أثناء جره إلى الحجز من قبل الشرطة البريطانية، كما تحاول الصحافة أن "تلهينا". يواجه أسانج عقوبة "تسليمه إلى الولايات المتحدة" لأنه نشر دليلًا لا جدال فيه على جرائم الحرب والانتهاكات في العراق وأفغانستان، مما يحرج أقوى دولة على وجه الأرض. نشر أسانج أدلة دامغة على "الطرق التي يستغل بها العالم الأول العالم الثالث"، يُحاكم أسانج بسبب صحافته ومبادئه وليس بسبب شخصيته.

عند معالجة سابقة خطيرة للغاية، لا تقوم الحكومات عادة بالتنكيل بأكثر الأفراد الـ"محبوبين" في العالم. إنهم يستهدفون أولئك الذين يمكن تصويرهم على أنهم "مخربين" و"غير وطنيين" - أو ببساطة "غريبين". ثم يقومون بتشويه النقاش العام من خلال التأكيد والترويج لتلك التوصيفات والاتهامات لتشويه سمعة المتهم وغض البصر عن القضية الأساسية.
هذه التقنيات ليست جديدة. بعد أن سرب دانيال إلسبرغ أوراق البنتاغون للصحفيين لفضح أكاذيب الحكومة الأمريكية بشأن فيتنام، اقتحم "مخبرو البيت الأبيض" التابعون لإدارة نيكسون مكتب الطبيب النفسي لإلسبرغ بحثًا عن مواد يمكن استخدامها لتشويه سمعته. كما تم تصوير إدوارد سنودن، الذي كشف عن المخالفات القانونية وانتهاكات الخصوصية التي تقوم بها وكالة الأمن القومي، على أنه يتعاون مع الصينيين، ثم الروس. كما كان الهوس بالصحة العقلية والهوية الجنسية لمحلل الاستخبارات العسكرية تشيلسي مانينغ الذي سرب وثائق تدين جرائم الجيش الامريكي، هو الطاغي في كل مكان. من خلال شيطنة "حامل الرسالة"، تسعى الحكومات إلى تسميم الـ"رسالة".

سيكون الادعاء العام سعيدًا جدًا عندما تتحول تغطية جلسة تسليم أسانج إلى تشويهات غير ذات صلة بالقضية. بحلول الوقت الذي يتم فيه دحض كل الادعاءات التافهة التي تسعى لتشويه شخصية أسانج، سيكون الضرر قد وقع. في أحسن الأحوال، سوف يخرج النقاش العام حول القضايا الحقيقية عن مساره. وفي أسوأ الأحوال، سيتم التلاعب بالرأي العام لصالح المؤسسة.
من خلال تشتيت الانتباه بعيدًا عن مبادئ القضية، فإن الهوس بشخصية أسانج يدفع بعيدًا عن النقاش العام أهمية ما كشفت عنه ويكيليكس ومدى إخفاء الحكومات لسوء سلوكها وجرائمها عن مواطنيها. يدفع خارج النقاش العام كيف كشفت منشورات أسانج في عام 2010 عن 15 ألف ضحية مدنية لم تحص من قبل في العراق، وهي جرائم كان الجيش الأمريكي ينوي دفنها. يدفع بعيدًا عن النقاش العام حقيقة أن الولايات المتحدة تحاول تحقيق ما يمكن للأنظمة القمعية أن تحلم به فقط: تحديد ما يمكن للصحفيين في جميع أنحاء العالم كتابته وما لا يمكنهم كتابته. يدفع بعيدًا حقيقة أن جميع الناشرين وكاشفي الحقائق والصحافة نفسها، وليس فقط أسانج، هم من يخضعون للمحاكمة هنا.

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب