"دخلت إلى غرفة بناتي، لكنّهن كن تحولن إلى أشلاء"، هكذا يصف الطبيب الفلسطيني عز الدين أبو العيش ما جرى في بيته في غزة، يوم الجمعة 16 كانون الثاني 2009، أثناء العدوان الاسرائيلي على غزّة، ويشرح الطبيب الذي كان يعمل في مستشفى "تل هشومير" داخل إسرائيل في تلك الأثناء، تفاصيل تلك اللحظات المأساوية: "كنت في غرفة بناتي، وكان ابني عبد الله (6 سنوات في ذلك الوقت) يلعب معي وقفز على ظهري مع مغادرتنا الغرفة، وفجأة دخلت قذيفة الدبابة الأولى إلى منزلنا الذي كان قد انقطع التيار الكهربائي عنه قبل ذلك، شأن بقية قطاع غزة في أيام ذلك العدوان، ولم أصدق أنّنا نقصف إلّا حين وجدتُ نفسي داخل كتلة من الدخان الأسود وسط صراخ الأطفال. عندها أدركتُ أنّ بيتنا هو الذي أصيب، فدخلت غرفة البنات، لكنّهن تحولن إلى أشلاء، وما إن خرجت من الغرفة حتى دخلت قذيفة ثانية كادت تقتلني". ولم يكن الطبيب وحده مع أطفاله، فقد كان شقيقه وأطفاله في منزله، فأصيب جميع الحضور ما عدا عز الدين.
في الوقت الذي هرع فيه عز الدين لإسعاف بناته الثلاث اللواتي استشهدن: بيسان (21 عامًا) وميار (15 عامًا) وآية (13 عامًا) وابنة أخيه نور (16 عامًا) كما أصيبت ابنتا الطبيب شذا ورفاه وجرح شقيقه عطا ورائدة ابنته بجراح متوسطة- خطيرة بينما أصيب شقيقه شهاب الدين بجراح بالغة، اتصل بمراسل القناة الإسرائيلية العاشرة لشؤون قطاع غزة شلومي الدار الذي كان يتحدث معه للحديث عن الوضع في غزة تحت القصف، ولم يكن يدري أنّ المكالمة هذه كانت على البث المباشر، حين طالبه أبو العيش ببثّ نداء وقف القصف ليستطيع إسعاف مَن أصيب في منزله. الجمهور الاسرائيلي سمع صراخه واستنجاده، "قتلوا بناتي.. دعوهم يوقفوا القصف".
بعد سنوات من المجزرة، حاز بروفيسور عز الدين أبو العيش، ابن مخيم جباليا في غزة، على درجة الأستاذية الكاملة (بروفيسور) من جامعة تورونتو، الجامعة الأولى في كندا حيث يعمل محاضرًا باحثًا ضمن كلية الصحة العامة. بناته الناجيات من المجزرة تبعنه فأنهين تعليمهن في الجامعات، إذ تخرجت دلال من كلية الهندسة في جامعة تورنتو، ومعها أيضًا شقيقتها شذا، أما رفاه فما زالت في الجامعة فيما أنهى نجله محمد دراسته في جامعة تورنتو ضمن كلية الإدارة وعبد الله يدرس في كلية “شولك” للإدارة في جامعة يورك، أبو العيش يعيش حياة أخرى اليوم بعيدًا عن "معسكر التركيز" الذي صنعته اسرائيل في غزة، لكنه لم يتنازل عن حمل روايته والقتال من أجل حقه، حتى أمام المحاكم الاسرائيلية، التي أراد منها أن تعترف بالجريمة التي ارتكبها الاحتلال بحقه وبحق عائلته. أبو العيش أصرّ أنه يريد الآن اعتذارًا من إسرائيل وتعويضًا، وكان يعتزم استخدام أي أموال يتلقاها في التوسع في مؤسسة "بنات من أجل الحياة" التي أسسها.
رفع أبو العيش وعائلته دعوى تعويض ضد إسرائيل، في كانون الأول/ ديسمبر 2010، أي بعد حوالي عامين من المجزرة، يحمّلون فيها جيش الاحتلال المسؤولية عن مقتل الفتيات وإصابة أشخاص آخرين، وانتهاك القانون الدولي والتسبب في ظلم قانوني في ظل انتهاك السلامة الجسدية وحرمة الحياة.
يوم الأربعاء الماضي، أقرّت محكمة الاحتلال العليا أن دولة إسرائيل لن تقوم بتعويض الطبيب الفلسطيني عزالدين أبو العيش الذي استشهدت بناته الثلاث وابنة أخيه في قصف لجيش الاحتلال على منزلهم في غزة خلال عملية الـ"رصاص المصبوب". رفضت المحكمة الاعتراف بجريمة جيش الاحتلال. رفضت المحكمة العليا الاستئناف الذي قدمه أبو العيش على قرار محكمة بئر السبع المركزية، التي قضت أيضًا بعدم منح الأسرة أي تعويض من قبل دولة اسرائيل.
حكم قضاة المحكمة العليا - يتسحاق عميت، وديفيد مينتز، وعوفر غروسكوف - بأن الـ"حادث" يندرج ضمن تعريف مصطلح "العمل الحربي" الذي تتمتع من خلاله الدولة، بموجب القانون الإسرائيلي، بـ"حصانة من المسؤولية عن الأضرار وكل طرف مسؤول عن الأضرار التي لحقت به". أي بكلمات أخرى، أقرت المحكمة، أن الأضرار التي أصابت أبو العيش، أي تحول بناته الثلاث إلى أشلاء أمام عينيه، هو الذي يتحمل المسؤولية عنها. ووفق الحكم تقرر أن "الدولة غير مسؤولة عن التبعات الوخيمة للحادث" والأضرار التي يدعيها أبو العيش من الدولة "تظل يتيمة قانونيًا". وجاء في الحكم أن "أحكام القانون صريحة وواضحة، وهي تحتم الاستنتاج، أننا نتعامل مع عمل حربي، فالدولة لا تكون مسؤولة عن عواقبه المؤسفة". "الحصانة الحربية" التي تمنحها المحكمة لجيش الاحتلال، لا تهتز أمام أشلاء آلاف الأطفال، وبالضرورة لن تهتز أمام أشلاء بنات أبو العيش.
وكانت المحكمة المركزية في بئر السبع قد رفضت الدعوى بعد أن زعمت بأن قصف منزل الأسرة تم خلال "قتال مع الإرهابيين، عندما اشتبهت قوة عسكرية في أن شخصيات من داخل المنزل كانت توجه نيرانها إلى جنود". وأقرت أن "الإذن بإطلاق القذائف الذي أعطاه قائد الكتيبة الذي قاد القوة لم يكن بإهمال أو بشكل غير متناسب". مع أن المحكمة ذاتها، قبلت رواية أبو العيش بأنه قبل يومين من الحادث كانت هناك دبابة متوقفة بالقرب من منزل العائلة وأنه تمكن من إبلاغ جيش الاحتلال بأن "عائلة طبيب يعمل في إسرائيل تعيش في المنزل"، ونتيجة لذلك، ابتعدت الدبابة من المكان.
وكانت تحقيقات إسرائيلية سابقة قد برأت جيش الاحتلال من جريمة قتل بنات أبو العيش وغيرهن من الأطفال الفلسطينيين في الحرب على غزة في ديسمبر/ كانون الأول 2008 ويناير/ كانون الثاني 2009، وهو ما دفع منظمة "هيومن رايتس ووتش" إلى إصدار تقرير في ابريل/ نيسان 2010 يحمّل الاحتلال مسؤولية القتل المتعمد للمدنيين بعنوان لافت "تجاھلٌ تام... الإفلات من العقاب على انتھاكات قوانين الحرب في أثناء حرب غزة".
وقال أبو العيش لوكالات أنباء يوم الأربعاء، تعليقًا على رفض المحكمة لاستئنافه الأخير: "كنت آمل أن يصدر القضاة الإسرائيليون حكمًا يحيي الأمل، لكني توقعت أنهم لن يفعلوا ذلك... ولذلك هيأت نفسي للسعي للعدالة لميار وبيسان وآية ونور في أي محفل ممكن". ولدى سؤاله عما إذا كان ذلك يعني اللجوء للمحكمة الجنائية الدولية قال "كل الخيارات مفتوحة". وهو كان قد صرح قبل صدور قرار المحكمة: "أقولها صراحة: لن أجعل دولة الاحتلال تهدأ، ولن أتراجع عن قضية حق، وسأحمل القضية عندها إلى المحاكم الدولية، بما فيها محكمة الجنايات الدولية بعد استنفادي كلّ الطرق القانونية، وليتحمل حينها الاحتلال تبعات ما أنا مقدم عليه".
لم يكن أبو العيش يسعى وراء "عدالة" إسرائيلية، يدرك غيابها، فهو الذي قال، قبيل المحاكمة، "لا يمكن أن يكون الفاعل هو المحقق وهو القاضي الحقيقة واضحة كوضوح الشمس بأنهم أبرياء". لكنه أراد أن يسائل الضمير الأخلاقي في الكينونة الانسانية أمام العالم. فهو دعا إسرائيل إلى إظهار "الشجاعة الأخلاقية والإنسانية" للاعتراف بالخطأ. وقال "التحدي الأكبر في عالمنا هو المسؤولية الفردية، عليهم التغلب على هذا الخوف أو الغطرسة أو الجشع أو الإنكار".
أصر أبو العيش، على مدى سنوات، على متابعة قضية بناته لتجريم الاحتلال وتحميله مسؤولية قتلهن وإصابة بقية العائلة، رفض أبو العيش أن تتحول بناته الشهيدات إلى مجرد أرقام، "كنّ يحملن أحلامًا كبيرة ومتفوقات في الدراسة كأختهن شذا التي أصيبت إصابة خطيرة في عينها وكانت من المتفوقات في الثانوية"، كما يتحدث عنهن الأب. رفض إلّا أن يكون استشهاد بناته شاهدًا على فظاعة جرائم الاحتلال أمام ضمير العالم الحُر، ولتتحول هذه الشهادة يوم الأربعاء الماضي، إلى شهادة على مؤسسات الاحتلال القضائية، بوصفها ذراعه القانوني الدائم، حين أقرت، أن "الحصانة الحربية" الاسرائيلية، فوق أشلاء بناته، وأشلاء آلاف الأطفال.
.png)


.png)

.png)






.png)

