محمد نفّاع الظاهرة والدّلالة| د. نبيه القاسم

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

بعد مُضيّ أيام على وداع محمد نفّاع وصعوبة التّعوّد على النّطق بفعل كان، أخذتُ أُقلّبُ صفحات سيرته التي أعرف الكثيرَ منها بحكم العلاقة الوطيدة التي جمعت أسرتَينا معا على مدار أكثر من قرن من الزمن. فالزيارات المتعدّدة التي كنّا نتبادلها، والليالي الكثيرة التي كنّا نسهرها معا، واستماعنا إلى أحاديث الوالدين ومَن يحضر الجلسات المسائيّة، كلّها أصبحت الآن في حكم الذكريات التي أستعيدُها لعلّها تعيدُ لنا الفقيدَ الغالي فنفرح ونغني، وكأنّ محمد لم يغادرنا، ولم يُبْكِ قلوبنا.

 

//الطفولة التي لم تعرف الفرح

محمد نفّاع ولد في 14.5.1939 لأسرة فقيرة من الناحية الماديّة ولكنها غنيّة من الناحية الدينيّة والمعنوية والمَكانة الاجتماعية، فالشيخ حمود نفّاع كان الرئيس الروحي للطائفة الدرزيّة في فلسطين وقد تنازل عن الرئاسة لآل طريف من جولس في موقف الدّفن الذي جرى للشيخ علي فارس عام 1753 بقوله: "ولقد قرّرتُ بضمير مرتاح وهداية من الرحمن التّنازلَ عن الزّعامة الدينيّة والوكالة على الأماكن المقدّسة للطائفة الدرزيّة لعائلة طريف الكريمة، اعترافا لها بالجميل وتقديرا لخدماتها الجمّة لهذا السيّد المُطاع (يقصد الشيخ علي فارس). (سيرة الشيخ أمين طريف ص49).

أسرة محمد نفّاع كانت تضمّ الوالدين ومحمد وشقيقته نايفة، وبسبب الأوضاع الماديّة الصّعبة التي ألمّت بالبلاد أثناء الحرب العالمية الثانية زادت الأوضاع المعيشيّة سوءا، وفقَدَ الإنسان الأمانَ وعاش في قلق خوفا ممّا سيكون بسبب الحالة غير المُستقرّة التي عاشتها البلاد سنوات ما بعد الحرب والاقتتال ما بين اليهود والعرب حتى وصل أوجه بالنّكبة التي لحقت بالشعب الفلسطيني.

وعاش الصغير محمد مرارةَ الحياة وعذابَ الفقراء وحرمانهم من أبسط مُتطلّبات الحياة، كما كان شاهدا على تدفّق العائلات المُهجّرة والمُقْتَلَعَة من قراها وبيوتها نحو قريته بيت جن لتُتابع دربَها نحو لبنان عام 1948، وانطبعت في ذهنه وخياله وجوه الأطفال الفَزعة الباكية والأمّهات الحزينات المُنكسرات والآباء المُهانين الفاقدين لأدنى ما يحتاجه الرّجل.

وكان للجوّ الديني الذي عُرفت به قرية بيت جن أنْ تأثّر الصغير محمد بالأجواء الدينيّة وقرّر الانقطاع عن الدراسة والانخراط بالعمل لمساعدة والديه في تحسين الظروف المادية والمعيشية رغم محاولات والده الشيخ حسين نفّاع المُتنوّر الذي عاش ستا وعشرين سنة في الأرجنتين، وتشجيعه له للعودة للدراسة.

وكان أنْ عُيّنَت شقيقتي التي أنهت دراستَها الثانوية في الرامة مُدَرِّسَة في قرية بيت جن عام 1955، وأصرّ العمّ حسين نفّاع، الذي ربطته بوالدي علاقة أخويّة وصداقة، أنّها ستكون ضيفتهم وتعيش معهم طوال فترة عملها في بيت جن. وساء شقيقتي أنّ محمد لا يُتابع دراستَه، فكرّست كلّ قدراتها على الشرح والتّفسير والإقناع لمحمد أنّ طريق العلم هي الحامية للفرد من مَطبّات الحياة، ونجحت، بتشجيع والده أيضًا، على إعادة محمد إلى المدرسة، وبعد تخرّجه من الابتدائية انتقل للدراسة في ثانوية الرامة ثم التحق بالجامعة العبرية في القدس لسنة دراسية في قسم اللغة العربية، لكنّ الأوضاع الماديّة الصّعبة التي عاشتها الأسرة اضطرته للعودة للبيت والمُساهمة في تحمّل الأعباء.

 

//تفتّح الوَعي الطبقي والقومي

كانت السنوات التي تلت النكبة حتى بداية الستينات من أقسى السنوات التي عاشتها جماهير شعبنا الفلسطيني في هذه البلاد، فإضافة إلى فَرْض الحكم العسكري عملت الحكومات الإسرائيليّة بمَنهجيّة ساديّة تجاه العرب الباقين في الوطن هدفت إلى طردهم وترحيلهم واتّبعت سياسة التّجهيل ومَحو الهويّة القومية ونشر الثقافة العبرية وتَسييد اللغة العبرية وسنّ القوانين التي تُجيزُ تَجريدَ العربي من أرضه. وتطبيق قانون التّجنيد الإجباري على كلّ العرب عام 1954 ثم تراجعت لتكتفي بتطبيقه على المسيحيين الكاثوليك ثم استبدلته بفرض التجنيد على الدروز فقط عام 1956.

ورافق هذه القوانين الجائرة ما يحدث من تطوّرات سياسية في العالم، خاصّة العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وثورات في بعض الأقطار العربية مثل ثورة الجزائر ضدّ المستعمر الفرنسي وثورة العراق ضدّ الحكم المَلكي عام 1958 وتفجّر الثورات الشعبية في الأردن ولبنان وانطلاق حركات التّحرر العالمية في أسيا وأفريقيا ودول أمريكا اللاتينية.

أثرّت هذه الأحداث والتّغيرات، مع الأجواء الاجتماعية والثقافية التي عاشها في الرامة خلال دراسته في المرحلة الثانوية في فكر ورؤية محمد نفّاع للواقع والعالم الأوسع، وأخذت تُنبّهه إلى الكثير مما يجري في بلدته من تذمّر الناس من ممارسة السلطة والحاكم العسكري للقوانين الجائرة وعمليّات سلب الأرض خاصة أرض "الخيط" الكبيرة واتّباع سياسة فرّق تسد بين عائلات البلد، والطامة الكبرى فرض قانون التّجنيد الإجباري على الشباب الدروز.

وبدأت معركة محمد ضدّ كلّ السياسات الحكوميّة، وحثّ الناس على التحرّك ضدّ القوانين والمُمارسات السلطوية الظالمة وضدّ التجنّد للجيش. واستطاع أن يجنّد بعض الشباب معه. وأخذت سهام الحاكم العسكري تُحاول النّيْلَ منه وإظهاره كظاهرة غريبة وخطرة في القرية، وأنه يُهدّد السّلم الأهلي والحياة الهادئة، ومن ثم اتّهامه بالكفر والخروج على مبادئ الدين. ولم يضعف محمد وصمد في تحدّيه ومعارضته، وفي تجنيد المَزيد من الشباب حتى أصبح يمثل جبهة قوية أمام السلطة ورجالها في البلدة. وكان لانضمامه للحزب الشيوعي الصّدى القويّ والانذار بأن ما كان لن يكون.

وإلى جانب نشاطه الاجتماعي والسياسي والثقافي أصبحت قصصُه التي ينشرها في الصحف تُثير الاهتمام وتلقى التّرحيب حتى استطاع خلال سنوات قليلة أن يصبح كاتب القصة القصيرة المتميز، واسمه ينتشر ليس بين الجماهير المثقفة داخل البلاد والأراضي المحتلة، وإنما في كامل الوطن العربي.

نجح محمد نفّاع على الجبهتين السياسيّة والثقافية، فقد التزم بعد انضمامه إلى صفوف الحزب الشيوعي بفكر وطريق الحزب، وشارك في كلّ الفعاليات الجماهيرية التي قامت بها جماهيرنا العربية ممّا جعله يبرز كقائد يُعتَمَد عليه فأخذ يتسلّم المناصب المختلفة مثل سكرتير الشبيبة الشيوعية وعضوية الكنيست وأهمها انتخابه أمينا عاما للحزب. وكان كلّما التقى بشقيقتي يقول لها ممازحا:

-      والله يا معلمتي إلك الفضل في كل اللي وصلت إليه.

فتجيبه ضاحكة:

-      لو عارفة بدّك تصير شيوعي كنت خليتَك في البيت.

ويضحكان وتدعو له بالنّجاح الدائم. وخصّها بقصة "ذات الرّداء الأحمر".

وكما في السياسة والعمل النّضالي هكذا في الحقل الأدبي، فقد تطوّرت تجربته الأدبية وأصبح أحد كتّاب القصة القصيرة المميّزين في الوطن العربي، وتفرّد بقدرته على السّرد الجميل والتّلاعب بمفردات اللغة والمزج بين اللغة الفصيحة الراقية ولغة الناس البسطاء المَحكيّة.

 التزم محمد نفاع على جبهتي السياسة والأدب بحقّ العامل والفلاح غير المنقوص ومُعاداته للغنيّ والحاكم الظالم المتغطرس انطلاقا من انتمائه الطبقي لأسرة فقيرة تعتاش على عملها في الأرض، واعتناقه للفكر الشيوعي.

وقد خصّ محمد نفّاع قريته بيت جن لتكون مسرح معظم قصصه وأهلها أبطال القصص. وكما ذكرتُ في دراسة سابقة لي عن قصصه "يستطيع قارئ قصص محمد نفّاع أنْ ينتقلَ بسهولة إلى قرية "بيت جن" ويُعايشَ أهلها في حياتهم وأحاديثهم. وأن يتنقّل معهم في مواقعها المختلفة ويتعرّف على أسماء أبنائها، ونباتاتها وأشجارها وطيورها وأمثالها الشعبية وحتى الشتائم التي يتفوّه بها أبناؤها، ونوع الثياب التي يرتدونها وكيفيّة ارتدائها، والعادات والتقاليد التي تتحكّم بأهلها، والعلاقات الاجتماعيّة التي تربط بين الناس حتى أنّ القارئ لقصصه يستطيع أن يتّخذ من "بيت جن" النّموذج الأمثل للقرية العربية الفلسطينيّة في بلادنا، وأن يرى في محمد نفّاع أسيرَ بلدته بيت جن وعاشقها ومُنطلَقَه للعالم الكبير ولكل الناس." (مراودة النص. نبيه القاسم. المشرق. شفاعمرو. ص 143)

ليست هذه إلّا كلمات قليلة في ذكرى العزيز كاتبنا محمد نفّاع الذي فارقنا يوم 15.7.2021.

 

غبار الثلج

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين