"تلك الأمكنة"، فضاءات تعبق بثقافة إنسانية زخمة بالمعرفة والصور الجمالية، تحتضن الحنين والحنان والهم الوطني، تلك الباقة يسديها محمود شقير إلى المتطلعين إلى وطن حر سيد ذاته، وإلى المتضامنين في بقاع الكرة الأرضية المتعاطفين مع المعاناة الشاقة لشعب رازح تحت نير احتلال طال واستطال أكثر من نصف قرن.
"تلك الأمكنة"، شهدت التضامن مع القضية الوطنية التي كرس محمود شقير حياته نشاطا سياسيا وإنتاجا ثقافيا غزيرا وحافلا بالعواطف المعْذية للقراء، جلسات ومهرجانات، أنشطة ثقافية لذكرى محمود درويش، يختزل تجربته السياسية والأدبية: "كنت استثمر الوقت بشكل مكثف ولا أستريح إلا قليلا".
إلى أمكنته يسافر محمود شقير بدعوات تؤكد تقبل إبداعه الأدبي شكلا ومضمونا على نطاق دولي واسع، فهو يعبر عن تطلعات شعب محروم من حق تقرير المصير، يلقي كلماته في المهرجانات والندوات والمحاضرات وبقية الأنشطة الثقافية؛ أمكنة سافر إليها أعدت له ندوات يتحدث فيها عن معاناة شعبه وعن كتبه الحافلة بهموم وطن "يتعرض للتهويد ورهاب العدو". يلبي الدعوات للتحدث عن كتاب جديد أو ترجمة لمجموعة قصصية، جميعها تنشد العدالة لفلسطين، أينما يحل به السفر ينبض عقله ووجدانه بما يلقي الأضواء على معاناة شعبه تحت وطأة نظام الأبارتهايد، يكتب: "أواصل التمسك بقناعاتي الفكرية رغم قتامة المرحلة، ولا أملّ من عقد الندوات الثقافية في هذه المدينة أو تلك من مدن البلاد". ويضيف: "لعل أنبل ثلاث ظواهر في حياتي هي: الكتابة والتعليم والانتماء إلى فكر يساري... لم أنتسب إلى الحزب إلا بعد سنتين من الحوار مع الناشط الحزبي المثقف محمد البطراوي، كنت قبل ذلك معاديا للأفكار التي يمثلها هذا الحزب، وخاصة ما يتعلق بالدين والموقف من القضية الفلسطينية والصلح مع إسرائيل، ثم اتضح لي أن الحزب لا يعادي الدين، وأن جملة ماركس "الدين أفيون الشعوب" التي استغلتها المخابرات المركزية الأميركية وكل أجهزة الظلام في العالم أسوأ استغلال، انتزعت من سياقها الذي يفيد بأن ماركس كان يرى أن قوى الإقطاع والبرجوازية تخدر وعي الناس البسطاء بعقيدة دينية، ومن ثم توجه النصح لهم بعدم التعلق بالدنيا والانتباه الى نعيم الآخرة، لكي يظلوا مستلبين مهضومي الحقوق، مع إقراري بأن فلسفة ماركس هي فلسفة مادية في مقابل فلسفة هيغل المثالية".
وباعتباره كاتبا وفنانا تقدميا، فإنه يضع في الاعتبار النتائج الاجتماعية لإبداعاته، ومصالح الشعب ووضع الحركة الثورية للتغيير الاجتماعي وتعقيد العملية لا ينهض بها إلا كاتب يتقن المنهجية الماركسية وقادر على تطبيق مبادئها المرشدة ضمن الظروف والأوضاع الاجتماعية العيانية.
على غلاف الكتاب صورة للكاتب يشي وجهه بانزعاج يلازمه حتى في ساعات البهجة، انزعاج يستقر في العقل والوجدان، متلازم ومتفاعل. "لم تبخل علي الحياة بما يبعث البهجة في بعض الأحيان (إصدارات جديدة أو تقييم إيجابي لما أنشره أو ينشر أو يترجم من إبداعات)، كنت أغرق بدلا من الطمأنينة في هواجس عن سلبيات المجتمع الذي أعيش فيه، فلا أشعر بارتياح".
"زرت محمود درويش في مكتبه في مركز خليل السكاكيني؛ أهديته كتابي الأخير "مرايا الغياب"، ثم تحدثنا في شؤون شتى... تحدثنا عن ضعف عادة القراءة في المجتمعات العربية، عن الخراب الذي تنشره الأصوليات وأنظمة الحكم المستبدة في هذه المجتمعات... توقِعُنا الحركات الإسلامية في مزيد من المعاناة دون أن تتمكن من حل أي من مشكلاتنا الوطنية أو الاجتماعية أو الاقتصادية حلا معقولا"
في طيات الأنشطة والجهود الثقافية المثابرة يحشد الكاتب المشاعر الحميمة للأحفاد والأبناء والشقيقات أثناء نشاط ثقافي مكثف في عمان: "في المساء زرت شقيقتيّ، حليمة وفاطمة المقيمتين في مدينة الزرقاء، وهكذا تورق الساعات الخاطفة حياة مودة وتراض ومشاعر دافئة".
ينثر محمود شقير سرده عن أحوال العائلة والبنات والأبناء والحفيدات والأحفاد، دوما يقدم الإناث على الذكور، تنثال ذكرياته عن الحديقة الملاصقة للبيت أيام الطفولة والأجداد، وبدايات الكتابة والاعتقالات وجرائم الحكام العرب. أفرد لكل من أحفاده الخمسة عشر حيزا في مذكراته، يتحدث عن مواهب ذاك وشيطنة أخر، هو شديد الاهتمام بابنته أمينة: "ثم تأملت أمينة التي رغبت في أن تجمعنا معا لساعتين أو لثلاث ساعات، تبتسم لأنها تحتفل بعيد ميلادها في العاشر من شباط، وكنت أضبط انفعالاتي كلما خطر ببالي، كيف يتجاور الفرح مع الحزن في حياة الفلسطينيين، وأحاول أن أخفي اي حزن قد يظهر على وجهي، في هذا الحفل المكرس للفرح والابتهاج"، هكذا ينتقل محمود من شأن بيتي إلى الهم العام، دلالة على استبداد قضية الوطن في وجدانه على مدار الساعة.
"أسعد المولود في 20/11/2002 هو الأكثر حذرا بين أحفادي، كان في السادسة من عمره، جاء إليّ ذات صباح وأنا أتناول الفطور، واقترب مني وألقى نظرة على الصحون التي أمامي، أطعمته لقمة خبز وزيت وزعتر، ابتعد ثم عاد إلي، وبدا راغبا في تناول الطعام، قسمت قطعة الخبز بيني وبينه، وانهمك يغمس الزيت مع الزعتر، وبين الحين والآخر يتناول قطعة خيار، يأكلها وهو مستمتع بذلك، وحينما لم يعد لدينا خبز قال لي: "اذهب إلى المطبخ وأحضر خبزا"، قلت له بسرور: "أنت تأمرني وانا أحضر لك الخبز"، سارعت إلى المطبخ وأحضرت خبزا، وكان لي وله فطور شهي".
ينثر محمود ذكرياته وأخبار أحفاده دون تتابع زمني، بينما يروي أنشطته الثقافية في الداخل والخارج حسب تتابعها الزمني.
بعد أن يفرغ من سفر يستعد لسفر أو ندوة فلقاء، حياة هذا الأديب المرموق الذي اجتذب إبداعه المتميز في القصة القصيرة وقصص السخرية والرواية النقاد والمثقفين في أكثر من بلد، انكبوا يترجمونه ويعقدون له الندوات واللقاءات للتعرف على تجربته الأدبية ومن خلالها معاناة شعبه تحت وطأة نظام الأبارتهايد.
"عدت إلى الانشغال بالأنشطة اليومية المعتادة، ذهبت إلى رام الله لحضور الأمسية الشعرية التي سيحييها محمود درويش في قصر الثقافة (الأمسية هي بداية احتفالات رام الله بمناسبة مرور مائة عام على تأسيس بلديتها)، تألق درويش وهو يقرأ قصائد تستقصي مناطق جديدة في تجربته الشعرية وفي ذاكرته، فيها تأمل وفلسفة وسخريات، وقد اختار أن يقرأ قصائد ذات إيقاع متوتر صاعد؛ وبعدها قصائد ذات إيقاع هادئ ثم يتصاعد الإيقاع من جديد، واختار أن يقرأ قصيدته المعروفة "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، وأن ينهي قراءته بقصيدة ذات إيقاع غنائي مترافق مع عزف الإخوة جبران على العود، بحيث استحوذ على مشاعر الجمهور الذي ملأ القاعة... وفي اليوم التالي، هاتفته وهنأته على تألقه".
"كنت ممتنا لأن كتابا لي سيصدر عما قريب باللغة الفرنسية، تبلغت خبر وفاة درويش، خبر مفجع بكل معنى الكلمة، كان يمكن لمحمود
درويش أن يعيش عشر سنوات أخرى، وكان بوسعه أن يقدم مزيدا من الشعر المدهش... كان عليّ أن أذهب إلى الفضائية الفلسطينية للتحدث عن محمود درويش في ندوة تبث على الهواء مباشرة، ذهبت وأجرت الحوار معي المذيعة شيرين الخالدي، قدمت في بداية كلامي تعزية لأم وأشقاء وشقيقات محمود درويش، ولأصدقائه ومحبيه، وللشعب الفلسطيني وللشعوب العربية، ولكل محبي الحرية والسلام في العالم".
"عند ضريح محمود درويش، هنا كل ما يليق بمحمود درويش، المسرح المسقوف والمكتبة والمتحف، والمسرح المكشوف وبركة السباحة والحدائق، والساحات التي تحدها جدران حجرية متوازية، كما لو أنها أسطر في كتاب، هنا في هذا الصرح ستكون للثقافة الوطنية الفلسطينية ندوات وأمسيات، وسيكون لها اسم الشاعر الخالد وأبعاده الوطنية".
"بعد انتهاء حفل تأبين محمود درويش اتجهنا أنا وجانيت ميخائيل رئيسة بلدية رام الله إلى مطار اللد من أجل السفر إلى بروكسل للمشاركة في مهرجان الثقافة الفلسطينية، الذي اصطلحنا على تسميته "مسارات"، افتتح المهرجان بحضور رئيس الوزراء سلام فياض، أُلقيت كلمات ثم عزف الإخوة جبران بعض مقطوعاتهم الموسيقية على آلات العود، وغنت كاميليا جبران، وقدمت فرقة "دام" من مدينة اللد الفلسطينية أغانيها الصاخبة التي حركت مشاعر الشابات والشباب، فراحوا يرقصون على أنغام الفرقة وعلى أغاني الراب، كان من المقرر أن يلقي محمود درويش من قصائده، وافتتح المهرجان بحضور رئيس الوزراء سلام فياض".
"ضحك الجمهور وأنا أروي مشاهد من بعض القصص، فأبهجني ذلك. أتحدث بالعربية، وليلى شهيد تترجم حديثي إلى الفرنسية، ثم تحدثتْ ستيفاني عن ترجمتها للكتاب، وقرأت قصة "ابنة خالتي كوندوليزا" بالفرنسية".
"حظيت بجائزة محمود درويش في عيد ميلاد محمود درويش السبعين، وقبل يومين من عيد ميلادي السبعين. إنها أجمل هدية تقدم لي في عيد ميلادي، كان ذلك في 13/3/2011، في يوم لا يشبهه أي يوم في حياتي، قبله بالطبع كان يوم جمعة، وهو يوم أشعر فيه بالراحة والاسترخاء؛ إلا أنه لم يعد يوما مريحا للحكام العرب. فليكن، لأنهم لم يتعلموا ولم يكتفوا بالسنوات الطويلة وهم جالسون على صدور شعوبهم. وليكن، لأن من حق هذه الشعوب أن تظفر بالحرية وبالديمقراطية بعد طول معاناة".
"لست مبتهجا، ربما بسبب الثورات الشعبية التي لم تحسم أمرها بعد مع الطغاة، ثمة دم بريء يسيل كل صباح، يملأ الميادين والطرقات".
تكشف كتابات محمود شقير عن انفعالات لا تهدأ وازدراء للمنحرفين، مع كل مظلمة تنزل بفرد أو مجموعة أو بشعب، وإثر اغتيال مثقف: "ثمة مطر كأنه دموع الأمهات، وأنا حزين والهاتف يرن، ثمة صديق يرتب موعدا لندوة تقام بعد شهر من الآن، والمطر يهمي على فترات، ودم الفلسطيني جوليانو مير خميس ما زال يملأ الشاشات (أبوه صليبا خميس، أحد قادة الحزب الشيوعي الإسرائيلي في إحدى الفترات، وأمه ارنا مير، اليهودية اليسارية المتعاطفة مع الفلسطينيين والناشطة من أجل حقوق الإنسان)، وأيدي الظلام التي اغتالته في مدينة جنين لابدة تراقب المشهد المفجع من مكان ما، والمطر يهمي".
"وصديق ما زال يكتب رواية عن فلسطين في القرن الثامن عشر، ليثبت أنها كانت عامرة بالناس، بأهلها الفلسطينيين (وهذا سبب للابتهاج)، لكني لا أشعر بابتهاج، ربما بسبب غطرسة المحتلين الذين يسفكون دمنا في كل الأوقات".
شارك في إصدار فيلم عن خليل السكاكيني، وكان لا بد من تصوير بيته بالقطمون، وصلوا إليه بعد عناء وتفتيش طويل، "وقفنا امام البيت، ثمة صورة لسلطانة وهي تقف في مدخل البيت؛ صورتها وهي إما تودع زوجها أثناء ذهابه إلى عمله في الصباح، أو ربما تستقبله بعد عودته من عمله، تأملنا البيت بطابقيه الاثنين وبشرفاته وشبابيكه... وجدنا في الطابق الأرضي رجلا عجوزا وزوجته، سمحت لنا، بعد تردد، بتصوير داخل البيت، وفي الطابق العلوي روضة أطفال إسرائيلية، ضغطتُ على الجرس، أطلت امرأة في الخمسين من عمرها، أوضحتُّ ُلها ما الذي نريده؛ رفضت ولم تسمح لنا بالدخول، صدتنا بكل صفاقة وجحود، كانت تلك مفارقة مؤلمة في زمن خوان".
كتبت: "للقدس كل هذا البهاء
ولها كل هذا الضوء
الحضور الذي رماها وما زال يرميها في مهب الخطر".
وصلني في البريد خمس عشرة نسخة من كتابي المترجم الى اللغة الفرنسية: "ابنة خالتي كوندوليزا".
"هكذا، وعلى نحو ما تراءت لي ملامح حياتي على امتداد العقود الماضية، سررت لأن لدي كتابات كثيرة مدونة على الورق، وشعرت بالأسى لأن ما هو مدون أصبح جزءا من الماضي الذي لن يعود. أثناء العطلة الصيفية لعام 1969، اعتقلتني سلطات الاحتلال واودعتني في سجن المسكوبية في الجزء الغربي من القدس، ثم انتهيت معتقلا إداريا في سجن الدامون... استمرت معاناتي ما بين إقامة جبرية واختفاء، واعتقال جديد وإبعاد وعيش قلق في المنفى، وعودة ناقصة إلى الوطن لم تحقق إلا جزءًا يسيرا من التطلعات".
أحضر له صديقان من خلف الخط الأخضر حجرا من بيت ولد فيه محمود درويش، وذلك في يوم ذكرى وفاته.
"منذ شهر ونيف يقيم معنا في البيت حجر البروة الذي "وقعت سماء ما عليه وادمته شقائق النعمان"، الحجر من بقايا البيت الذي ولد فيه درويش، وهو يقيم معنا في صمت أبلغ من كل كلام، يذكرني كل صباح بالقرية التي أنجبت شاعرا عظيما، حجر البروة يقيم معنا منذ شهر ونيف، وسيبقى معنا ما حيينا، وهو يستقر الآن في مكانه المرموق في البيت، يذكرني كل صباح بهموم الوطن الذي يتطلع إلى الحرية والاستقلال، وبمعاناة القدس التي يهددها خطر التهويد صباحا مساء".



.png)

.png)






.png)
